مسجد الشعراني وضريح الميمون الطبراني في اللاذقية
2026.01.02
سيمون خالد علي
مسجد الشعراني في اللاذقية كان قائما في حي المرفا المينا على خط الساحل القديم مباشرة وكان جزءا عضويا من نسيج الميناء التاريخي قبل الردم والتوسعة الحديثة.
تموضع المسجد في موقع بالغ الحساسية بين ضريح الشيخ الطبراني وبرج المرفا الشمالي ما منحه بعدا دينيا ودفاعيا باعتباره مسجدا ثغريا ملاصقا للبحر.
جاور المسجد كنيسة اللاتين الفرنسيسكان ومبنى ادارة المرفا القديم.
احتوى المسجد داخل حرمه على ضريح الشيخ ابو سعيد سرور بن القاسم الطبراني المعروف بالميمون وهو احد ابرز الاعلام الدينيين في تاريخ العلويين.
ولد الشيخ الطبراني في طبريا عام 358هـ 969م وانتقل الى حلب للدراسة قبل ان يستقر في اللاذقية حيث اصبح المرجع الديني الاهم لاتباع المذهب العلوي في الساحل.
يعد الطبراني في المصادر العلوية المؤسس الحقيقي لترسيخ الطائفة العلوية في سوريا بعد الشيخ محمد علي الجلي وصاحب الدور الحاسم في نقل مركز الدعوة الى الساحل.
توفي الشيخ الطبراني في اللاذقية سنة 426هـ 1034م ودفن في مسجد الشعراني على شاطئ البحر وظل ضريحه مزارا مكرما ومقصدا للزيارة لقرون طويلة.
بقي قبر الشيخ الطبراني داخل المسجد حتى عام 1988 حين ازيل المسجد بالكامل ضمن مشروع توسعة مرفا اللاذقية وتحول موقعه الى جزء من حوض الشحن الحديث.
توثق صور ارشيفية تعود الى عام 1940 مشهد المرفا القديم حيث يظهر مسجد الشعراني بقبة حجرية صغيرة مقابل كنيسة اللاتين.
عرف مسجد الشعراني في الذاكرة المحلية باسم جامع المينا وكان مرتبطا عضويا بحياة البحارة والتجار واهالي حي المرفا.
اكتسب المسجد رمزيته الاساسية من وجود ضريح الشيخ الطبراني داخله ما جعله مقاما دينيا.
وصف الشيخ الطبراني في الادبيات العلوية بلقب شيخ العلويين في اللاذقية ورئيس الطريقة الجنبلانية لما له من سلطة علمية وروحية.
التف حول الطبراني في اللاذقية أتباع المذهب العلوي الذين كانوا يعرفون في تلك المرحلة بالتنوخيين، وهم جماعات محلية استقرت في الساحل والجبال منذ عصور سابقة، واحتفظت بهوية دينية واجتماعية خاصة بعيدة عن مراكز السلطة. كانت التنوخية إطارا اجتماعيا ودينيا احتضن الدعوة العلوية في طورها المبكر، فشكّل مرجعية علمية وروحية نظمت هذا الانتماء ومنحته تماسكه، قبل أن يترسخ لاحقا اسم العلويين كمسمى مذهبي واضح في الساحل السوري.
شكل وجود الضريح في قلب الميناء حماية رمزية للساحل في الموروث الشعبي حيث ارتبطت المقامات الساحلية بحراسة البحر والمدينة.
ذُكر الطبراني لدى عدد كبير من الباحثين والمؤرخين، من بينهم خير الدين الزركلي الذي أورده في كتابه الأعلام بوصفه واحدا من كبار المتصوفة المسلمين، وعبد السلام الترمانيني في كتابه أحداث التاريخ الإسلامي، كما تناوله عدد من المستشرقين، وفي مقدمتهم المستشرق الألماني نولدكه.
اقدم شهادة موثوقة عن ضريح الطبراني وردت عند الرحالة الصوفي عبد الغني النابلسي في القرن السابع عشر حيث ذكر زيارة قبر ولي صالح في اللاذقية يعرف باسم الشيخ سعيد وقرأ عنده الفاتحة.
تؤكد شهادة النابلسي ان الضريح كان معروفا ومقصودا للزيارة من اهل السنة والمتصوفة.
يحدد النابلسي موقع الضريح قرب البحر وهو ما ينسجم مع موقع مسجد الشعراني في حي المرفا قبل التوسعات الحديثة.
يورد المؤرخ خير الدين الزركلي في كتاب الاعلام ان الطبراني استقر في اللاذقية وتوفي فيها ودفن على شاطئ البحر داخل مسجد.
تتفق كتب التراجم التاريخية والعلوية على ان الطبراني كان شخصية مركزية في الساحل وان ضريحه ظل قائما ومزارا لقرون دون انقطاع.
تذكر المصادر ان الاسم المتداول شعبيا للضريح كان الشيخ سعيد او الميمون وليس الشعراني.
لا تشير اي من المصادر التاريخية الكلاسيكية الى صلة بين الضريح وعبد الوهاب الشعراني المصري مما ينفي الخلط الشائع بين الاسمين.
استمر المسجد قائما وفاعلا طوال العهدين العثماني والانتدابي دون ان يتعرض للازالة رغم تغير السلطات والادارات.
بني المسجد بطراز معماري متواضع يعتمد على الحجر المحلي وقبة صغيرة فوق الضريح وقوسين اماميين دون زخرفة فخمة.
شكل المسجد مع كنيسة اللاتين المجاورة مشهدا بصريا فريدا يعكس التداخل الديني في حي المرفا قبل التحولات العمرانية الكبرى.
ظل المسجد حتى اواخر القرن العشرين علامة ملاحية غير رسمية حيث كانت القبة البيضاء ترى من البحر من قبل السفن القادمة الى الميناء.
لم يكن مسجد الشعراني من الجوامع السلطانية الكبرى.
ورد ذكر موقع المسجد في توصيفات ادارية قديمة على انه بين قبر البطرني وبرج المرفا الشمالي ما يحدد موضعه بدقة طبوغرافية.
ارتبط اسم المسجد باسم عائلة الشعراني التي نسبت اليها اعمال وقف او ترميم متاخر دون ان تكون صاحبة الضريح.
استمر قبر الشيخ الطبراني داخل المسجد كعنصر مركزي فيه.
شكل المسجد نقطة التقاء بين اهل المدينة واهل الجبل حيث كان مقصدا لعلويي الريف عند نزولهم الى اللاذقية.
حافظ الضريح على مكانته الروحية لدى عامة اهل اللاذقية بغض النظر عن الانتماء المذهبي قبل التحولات الاجتماعية الحديثة.
صدر مرسوم الاستملاك رقم 843 عام 1976 وشمل كامل الشريط الساحلي في اللاذقية بما فيه موقع مسجد الشعراني تمهيدا لتوسعة المرفأ.
جرت عملية الاغلاق النهائي للمسجد قبل الهدم وتم تفريغه من محتوياته الدينية والوقفية.
نقلت بعض الكتب والمقتنيات المرتبطة بالمسجد الى جهات دينية اخرى او تم ارشفتها.
تمت عملية نقل رفات الشيخ الطبراني باشراف ديني ورسمي لتجنب المساس بحرمة القبر.
جرى نقل الرفات عام 1988 من موقع الميناء الى قرية بسنادا الواقعة شمال شرق اللاذقية.
اعيد دفن الشيخ الطبراني في حرم جامع بسنادا ضمن مقام جديد اعد خصيصا له.
يمكن طرح احتمال ان جزءا من الذاكرة الشعبية قد خلط بين مقام الميمون الطبراني وبين مقام البطرني بسبب التشابه الصوتي الشديد بين النسبتين طبراني وبطرني واحتمال التصحيف في التداول الشفهي عبر قرون ومع تبدل خط الساحل واعادة تنظيم الاحياء الساحلية واندثار بعض المعالم او انتقالها من موقع لآخر بعد مشاريع الردم والتوسعة وهذا يفسر لماذا تظهر في بعض الروايات المحلية عبارة مثل جامع الميمون قرب جامع البطرني كتركيب مكاني واحد في الذهن الشعبي بينما يبقى الحسم العلمي مرهونا بالرجوع الى المراجع التوثيقية التي تميز بين المقامين مثل مدخل البطرني في موسوعة الاثار في سورية وروايات الرحالة كعبد الغني النابلسي مع مطابقة الاوصاف المكانية بدقة والبحث في وثائق الاوقاف والسجلات العثمانية والنقوش التاسيسية ان وجدت لانها وحدها التي تفصل بين تشابه الاسماء وبين هوية المدفونين فعلا وتكشف ما اذا كان هناك مقامان مستقلان او مقام واحد تغير اسمه ووظيفته عبر الزمن.