مصطلحات أوغاريتية نستخدمها ونجهل معناها.. وعيد الغطاس
2026.01.11
عمار عجيب
المصطلحات اللغوية العائدة الى العصر البرونزي التي كانت تستخدم في فينيقيا والتي مازال العلويون يتداولونها حتى الآن على الرغم من ضياع معناها الأصلي مع الزمن، ناهيك عن الأدلة الفونولوجية (كلفظ بعض الحروف وطريقة لفظ الكلمات وغيرها) أيضاً تعتبر من الأدلة على أصالتهم كمكوّن أصلي وأصيل من هذه المنطقة.
هناك مصطلح معروف (عند كبار السن خصوصاً) في الساحل السوري يسمّى "حدادة حلبية" ويستخدم للإشارة إلى تجمع صغير نسبيا من الغيوم الداكنة المعزولة ذات الشكل المميز "تشبه القطن" على شكل طبقات مدببة من أطرافها... يعتبر ظهور هذا النوع من الغيوم "الحدادة الحلبية" بشارة خير بالنسبة للفلاحين لأنه "بمعظم الأوقات" يسبق هطول الأمطار بيوم أو يومين.
طبعاً كل من يسمع بهذا المصطلح لن يجد أي رابط بين الاسم والمسمّى، فما دخل مهنة الحدادة وخاصة الحلبية منها بالغيوم؟... يبدو المصطلح غير منطقي بالمرّة.
في الواقع إن هذه اللامنطقية جاءت من الانقطاع الذي حصل بين شعب الساحل ولغته الأم بعد إجباره كغيره من شعوب المنطقة على اعتماد اللغة العربية "لغة المستعمر"، فضاعت المعاني في الكثير من المصطلحات مما أضعف استخدام معظمها حيث اندثرت الى الأبد.. أمّا مابقي قيد الاستخدام حتى الآن فأصبح غير مفهوم مما جعله محط للتندّر أو السخرية.
لتقريب الأمر فلنأخذ المثل التالي: كلّنا نستخدم مصطلح "نفد بريشو"، وكلنا يتساءل لماذا نستخدم كلمة ريش على الرغم من عدم امتلاك الإنسان للريش... لكن عندما نعلم أن هذا المصطلح سرياني وليس عربياً، ويعني "نفد براسو" لأن رِيْش بالسرياني تعني رأس بالعربي يصبح المصطلح مفهوماً تماماً.... هذا أيضاً ناتج عن الانقطاع اللغوي الذي عاناه السوريون الناطقين بمعظمهم باللغة السريانية إبان الغزو الأموي ومن بعده العبّاسي حيث ضاع الأصل وضاعت معاني الكثير من المصطلحات و منها هذا المصطلح.
هذا هو الوضع تماماً مع مصطلح "حدادة حلبية".... إنّه مصطلح قديم جدّاً يعود الى العصر البرونزي ومعناه كالتالي:
الجزء الأول منه "حدادة" ليس له اي علاقة بمهنة الحدادة وإنما بالإله حدد أو حداد، إله المطر عند السوريين (يشير إلى قرب هطول المطر بأمر الإله حدد) يبدو أن التاء المربوطة أضيفت لاحقاً لإعطاء الكلمة معنى بالعربي وهو مهنة الحدادة الكلمة الأقرب لكلمة حداد.
الجزء الثاني "حلبية" فهو يعود الى ارتباط الإله حدد بحلب فهو كان ربها وشفيعها، وكان له معبد كبير فيها، وقد اكتشف مؤخراً ضمن قلعة حلب...
ليصبح المعنى لهذا المصطلح: "حداد حلب" أي إله المطر حُدُد الذي في حلب.
ملاحظة1: من الأدلة الفونولوجية على أصالة العلويين هو لفظ حرف القاف الفينيقي (الفينيقيون كانوا يقاقوا متل أحفادهم الآن وهذه المعلومة لمن يريد أن يخفف دمه من الجَهَلَة أولاد الجَهَلَة).
ملاحظة2: مازال احفاد القرطاجيين الفينيقيين يلفظون حرف القاف في تونس.... هل لاحظتم التطابق في طريقة لفظ القاف العلوية (الأوغاريتية الفينيقية) مع لفظ القاف التونسية (القرطاجية الفينيقية)؟
******
إن حفاظ العلويين على بعض الممارسات الثقافية منذ العصر البرونزي وحتى العصر الحالي لهو دليل دامغ على الاستمرارية الحضارية لهم بحيث لا يمكن لتلك الممارسات الثقافية، ناهيك عن المصطلحات اللغوية والكلمات وغيرها ان تستمر دون أن تكون محمولة عبر أجيال مستمرة دون انقطاع.
من تلك الممارسات نذكر عيد القدّاس أو عيد الغطاس
عيد ديني عند المسيحيين والعلويين، يحتفلون به في التاريخ نفسه وهو يوم السادس من كانون الثاني على التقويم الشرقي (يوم التاسع عشر على التقويم الغريغوري).
يقوم هذا العيد في الأساس على ممارسة أساسية أو طقس محدد وهو الغطس في المياه المتجمّدة أو الباردة... تؤكد الوثائق التاريخية والأركيولوجية بأن الكنعانيين عموماً ومنهم الفينيقيين قد مارسوا هذا الطقس وفي التوقيت نفسه من السنة (هذا طبيعي على اعتبار أن شهر كانون الثاني هو الأبرد بين الشهور).
عندما جاءت المسيحية حافظت على هذا الطقس بل ودخلته في صلب العقيدة ليصبح جزءاً لايتجزأ منها (العمادة) بعد أن أضافت إليه بعض الطقوس الدينية المسيحية كالصلاة وغيرها (العمادة ليست ابتكاراً مسيحياً كما يظن البعض، وهذه الحقيقة تعترف بها الأناجيل ذاتها حيث تقول ان يسوع قد تعمد بمياه الأردن قبل ابتداء خدمته).
إذاً، فسكان الساحل الكنعانيين الفينيقيين كانوا يحتفلون بهذا العيد قبل المسيحية، و حافظوا عليه بعدها (من اعتنق المسيحية أصبح يؤدي هذا الطقس كواجب ديني بينما من لم يعتنقها حافظ عليه كطقس ثقافي)، استمر الأمر على هذا النحو حتى مجيء الإسلام إلى الساحل السوري لكن "مرة أخرى" حافظ سكان المنطقة على هذا العيد بعد إضافة بعض الطقوس الدينية إليه (صلاة، ذبائح).
إذاً، فالمسيحيون والعلويون من أبناء المنطقة حافظوا على هذا الطقس كإرث ثقافي متجذّر كحالة ثقافية، ولكنهم أضافوا إليه بعضاً من الممارسات الجديدة التي تتناسب و المتغيرات المستجدة التي فرضتها الأديان الجديدة، وقد يكون هذا مايفسر كون عيد الغطاس أو القداس يكاد يكون العيد الوحيد الذي يحمل طقسين:
طقس ثقافي (كنعاني فينيقي) يتمثل بالغطس بالماء
طقس ديني (مسيحي - علوي) يتمثل بالصلاة كل حسب عقيدته.
بدأ الطقس الكنعاني الفينيقي بالاندثار عند العلويين لحساب الطقس الديني فلم يعد العلويون يمارسونه كما السابق، بينما استمر في المسيحية (خاصة الأرثوذكسية) كونها اعتبرت الغطس في الماء جزءاً لايتجزأ من العقيدة.
هامش: