كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"مِن الصبح ما أكلت الدجن".. صرخة أوغاريتية في ذاكرة الساحل السوري

د. غسان القيّم

هل تساءلتم يوماً عن أصل الكلمات التي تجري على ألسنة أجدادنا وآبائنا في ريف ساحلنا السوري الجميل؟..
حين يقول الفلاح العتيق: "من الصبح ما أكلت الدجن" قاصداً الخبز أو الطعام فهو لا يتحدث بلهجة عابرة بل يستحضر إرثاً يمتد لأربعة آلاف عام غبرت مضت وانقضت من عمر هذه المدينة العظيمة.
​في البدء كان القمح وكان دجن هو سره المكنون في طين أوغاريت.
​حين نتأمل تلك المنحوتة التي كشفتها لنا البعثة الأثرية أرض "رأس شمرا" لا نرى فيها مجرد حجر كلسي صامت بل نرى تجسيداً للفلسفة الأوغاريتية التي قدست "الخبز" كفعل حياة ووجود. هنا يطل علينا الإله دجن وقوراً كما يليق بـ"أب الآلهة" وقد نبتت من هامته سنابل الذهب وكأن الفكر الأوغاريتي أراد أن يقول:
"إن الحكمة الحقيقية هي التي تشبع الجوع وتؤمن الغد".
أقام له أهل اوغاريت معبداً مهيباً في الأكربول تأكيدا على دوره المحوري في توفير الغذاء والخبز الوفير كإله للحبوب والغلال..
يفصل بين معبده ومعبد إبنه "بعل" ستون متراً من القداسة مسافة تختصر دورة الحياة فالأب (دجن) هو مخزن الحبّ والأساس والابن (بعل) هو المطر الذي يوقظ ذلك السكون. وبالرغم من "صمته" في الأساطير الأوغاريتية المكتوبة مقارنة بصخب صراعات بعل إلا أن حضور دجن كان "يومياً" على موائد الأوغاريتيين تماماً كما هو حاضر اليوم في حكايا أمهاتنا وذاكرة ريفنا الساحلي العريق.
​حين يقول الفلاح في قرانا اليوم: "من الصبح ما أكلت الدجن" فهو لا يستخدم استعارة لغوية عابرة بل يفتح بوابة زمنية تعود لـ 4000 عام مستحضراً اسم الإله ذاته الذي كان يحمي مخازن القمح في اوغاريت.
​​إنها الأصالة التي لا تموت فالمفردة التي عبرت آلاف السنين لتستقر في لهجتنا المحكية هي الوثيقة الأقوى على أننا لسنا طارئين على هذه الأرض. نحن أبناء "دجن" الذين عرفوا قيمة الرغيف قبل أن تعرفه الحضارات القديمة الأخرى.
وحولوا الزراعة إلى تراتيل والحصاد إلى أعياد.
وتُظهر لنا المنحوتة المرفقة كيف جسّد الفنان الأوغاريتي هذا الإله ببراعة حيث نرى سنابل القمح تنبت من رأسه في إشارة بصرية عبقرية لكونه أصل العطاء ومنبع البركة التي تفيض على الأرض.
ومن كلمات مستوحاة من أساطير اوغاريت همست لنا ألواح الطين بكلماتها.
"في البدء نادى (إيل) العليّ.. واستجابت الأرضُ الطيبة.
من رحم الطين أطلّ وجهك يا دجن يا سيّد السنابل!
لم تتوّج هامك تيجان الذهب بل توّجتها حبات القمح
التي تحمل سرّ الحياة والخلود..
أنت الذي تعلّم البذرة كيف تشق الصخر لتعانق الضوء
ومن راحتيك يفيض الخير ليملأ أ المملكة بالبركة.
إليك نرفع صلاتنا:
احفظ حقولنا وبارك خبزنا
ولا تجعل الجوع يطرق أبوابنا..
فباسمك قد ذقنا طعم الحياة وبذلك قد شبعنا."
أوغاريت ليست أطلالاً نزورها بل هي "الدجن" الذي نأكله كل صباح والروح التي تسكن في لغتنا وانتمائنا.
إنها أوغاريت التي ما زالت عاداتها وتقاليدها تنبض فينا تحمل كل الأصالة والانتماء لجذورنا العريقة.
نحن لا نعيش فوق التاريخ بل التاريخ يعيش فينا في كلماتنا وفي رغيف خبزنا اليومي.
​
الصورة المرفقة منحوتة من الحجر الكلسي تجسد الإله دجن اكتشفت في موقع اوغاريت في ثلاثينيات القرن الماضي في منطقة الاكربول حي المعابد معبد دجن.. وهي معروضة في متحف اللوفر بباريس قاعة مكتشفات رأس الشمرة.. 
"سينك تير" الإيطالية على ساحل المتوسط.. تشكيل جغرافي و معماري مفعم بالجمال
قلعة المرقب شاهد حي على عظمة الحضارة السورية
مقتنيات قديمة يجمعها العم إسماعيل محمود في معرضه للتراث الشعبي ببلدة الدالية
أهازيج الحصاد تراث ساحلي جميل يوثقها الباحث حسن اسماعيل خوفاً عليها من الاندثار
الاسكندرية.. عروس البحر المتوسط
منهج تعليم الكتابة في أوغاريت
عمريت أكبر مدن الشرق في القرن الثالت والثاني قبل الميلاد
السلالة والعائلة الملكية قي أوغاريت.. بناءً على ضوء المكتشفات الأثرية
قلاع الفرنجة في "طرطوس".. شواهد على عصر
"جبلة" مدينه فينقية على الساحل السوري
"زاكينثوس" ثالث أكبر الجزر الأيونية وإحدى مقاطعات اليونان
المتقمة.. مجمع أدوات الخياطة و الزينة و غيرها من الأدوات في البيوت الساحلية القديمة
موقع أثري في سوريا قد يكون أقدم نصب حرب تذكاري معروف في العالم
جبل السيدة الجبل الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يحمل هذا الاسم
عشتر إله الري الصناعي في أوغاريت.. جلس على عرش بعل فلم تصل رأسه إلى قبته و لم تلمس قدماه الأرض