كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اعتدتُ أن أناديه: “حُبّو”.. من وجع رحيل حبيب برازي

منصور المنصور

اعتدتُ أن أناديه: “حُبّو”.
كان يبتسم فوراً، كأن الاسم يليق بروحه أكثر من أي اسم آخر.
وكانت له ابتسامة نادرة… ابتسامة تشعرك أن الدنيا، رغم كل ما فيها من قسوة، ما زال فيها متسع لشيء من الطيبة ومن البساطة ومن الحب. وحين أغيب عنه أياماً ثم نلتقي، كانت ابتسامته تسبق خطواته، وتسبق يده الممدودة للمصافحة. في لهفته شيء دافئ، شيء يشبه استقبال البيت لأحد أبنائه بعد غياب طويل.
حبيب برازي… ابن دمشق، ابن ركن الدين. تعرفت إليه في سجن صيدنايا، هناك حيث تتشابه الأيام إلى حدّ الاختناق، ويصبح الإنسان محتاجاً إلى روح تشبه الضوء كي يحتمل قساوة الزمن. جمعنا مهجع واحد لسنوات طويلة. يقرأ كثيراً، ويناقش كثيراً، ويقول رأيه بوضوح ثم يمضي، من دون أن يجرح أحداً أو يترك في القلب ثقلاً. كان صدره واسعاً بشكل يثير الدهشة، يتسع للجميع، حتى لأولئك الذين يختلفون معه تماماً.
حبيب كان بسيطاً كساقية ماء عذب. الجلوس معه مؤنس، وحديثه لا يُملّ. كان يحدثني كثيراً عن طفولته وشبابه، عن دمشق، وعن تفاصيل صغيرة.
أذكر جيداً وهو يشرح لي بحماسة كيف يطبخ المعكرونة، وكان يحب أن يسميها “سباغيتي”، كأن الكلمة نفسها تحمل له طعماً مختلفاً. كان يطبخها مع الصوص الأحمر، ويضع فيها كمية كبيرة من الثوم، ثم يشرح لي بجدية أن “حرافة” الثوم تعطي المعكرونة طعما لا يقاوم.
مرة، بينما كنت أمشي في الكردور الطويل الممتد أمام المهاجع العشرة، ناداني بصوته الهادئ.
دخلت إليه، فوجدته جالساً في مكانه، وأمامه طنجرة مجدّرة ما زالت تفوح منها رائحتها.
أشار لي أن أجلس. قال بفخر طفولي: “تعى ذوق… هاي مجدّرة غير شكل.”
كان كريماً بطريقة تجعل الإنسان يشعر بالجوع حتى لو كان شبعاناً. سكب لي صحناً ممتلئاً، وجلست آكل وهو يراقب وجهي منتظراً حكمي، كأن الأمر امتحان شخصي بالنسبة له.
قلت له ضاحكاً:
“حَبّو… ليش المجدّرة مو ناشفة؟”
ابتسم وقال إنه يحبها هكذا، ثم بدأ يشرح لي المقادير بدقة:
“نص كاسة عدس، ومثلها برغل…ولا تتركها تنشف .. بتصير اطرى .. سجلها اختراع باسمي"
ثم ضحكة ضحكته التي ترتفع بسرعة ومن ثم تتلاشيى بسرعة وعلى مراحل
تذوقت اللقمة الأولى، وكانت طيبة فعلاً. فرح كأنني منحته شهادة نجاح، وقال بحماس:
“إيه هيك… هلق كل منيح.”
في كل سنوات صيدنايا، لا أذكر أنني رأيته غاضباً أو عصبياً أو متشاجراً مع أحد. حتى العتب، لم أره يوماً يعاتب إنساناً. كان يقول رأيه السياسي بصراحة نادرة، ويتحمل ردود الفعل بابتسامته نفسها، تلك الابتسامة التي كانت تمتص غضب الآخرين بهدوء غريب.
الآن… يرحل حبو تاركا دمشق لغربان الليل. رحل كما رحل الرفاق كثر واحداً بعد آخر. اشعر أن هناك خيطاً سرياً لا يزال يربطني بكل من مرّ بتلك التجربة؛ بمن عرفتهم، وبمن لم أعرفهم من المعتقلين.أشعر أننا جميعاً نحمل الندبة نفسها، والخسارة نفسها، والتعب نفسه. اشعر ان الحياة ظلمت حبو، وظلمتنا كلنا، داخل السجن وخارجه. حتى بعد أن خرجنا عانينا الظلم الكثير في تدبير شوؤننا وحياة عوائلنا. كثيرون منهم قاوموا، وحلموا، وعملوا، وأتعبوا قلوبهم من أجل حياة أكثر حرية وكرامة، لكن السنوات مرت فوقهم كأنها حرب أخرى. أرى صور بعضهم اليوم، فأكاد لا أعرفهم.
الشعر الذي كان أسود صار أبيض، والوجوه التي كانت مليئة بالحياة امتلأت بالتعب.
وأفكر أحياناً:
هل كبرنا حقاً؟
رحل حَبّو…
لكن صورته ما زالت عالقة في مكان ما داخل ذاكرتي، نتمشى في الممر، او نلتقي في مطعم في دمشق. فلقد بقينا سبعة اصدقاء على تواصل دائم بعد السجن، نلتقي كل شهر مرة. نتبادل الاخبار الخاصة والعامة ونتحدث في كل شيء، وكان حبيب يحمل أخبارا كثيرة، وكنت اشير الى قطع اللحمة في الصحن واقول له: المجدرة تبعك اطيب من كل هالاكل. فيضحك حبيب ضحكته المميزة.