كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

طفولة في قرية لا يصل إليها سوى الطير.. الدنبيّة ناحية القدموس

محسن سلامة
١ ـ رفيقي حسن يتيم يعيش في بيت طينيّ من غرفة واحدة أمامها فسحة صغيرة جدّاً من أعواد السنديان الصلبة.

أذهب إليه يوميّاً بعد غياب الشمس في ليالي الشتاء الباردة الماطرة من عام ١٩٥٣م ومعي المشعل (عود القيسي اليابس ندقّ رأسه ليتشظّى أليافاً هشّة تشتعل بتوهّج شديد إذا ما لامست النار).

نحفظ معاً دروس التاريخ والعلوم و قصائد الشعر، و نحلّ مسائل الحساب المركّبة العسيرة الحلّ، صفّ الخامس، كان المعلّم القدير النبيل أنور الجنديّ بانتظارنا في كلّ صباح ليرى بحزم أبويّ حلّ تلك الوظائف وحفظ الدروس.

كان يُقال: مناهج الخامس في صعوبة مناهج الثانويّ هذه الأيّام،

كان الصفّ الخامس شهادة اسمها السرتڤيگا، كانت تؤهّل حاملها ليكون معلّماً مُكلَّفاً في المحافظات النائيّة.

٢ ـ كرة النار في فم الوحش

ذات يوم و أنا عائد إلى البيت من عند رفيقي حسن في ليلة شديدة الظلمة، وفي الزاروب الأشدّ ضيقاً، انتصب أمامي وحش لوَّنَهُ الليلُ بالسواد، كانت كرة النار المتوهّجة بشدّة أسرع إلى فمه الفاغر وعينيه اللامعتين، أطلقت بعدها في ثوان ساقيّ للريح، لم يبقَ جدار إلّا وارتطمت به إلى أن وصلت البيت واختبأتُ تحت الفراش أرتجف من الرعب والذعر والهلع والخوف،

لم أجرؤ على رواية القصّة إلى اليوم لأحد من الأنس والجنّ

٣ ـ استراحة في النهر

في الصيف على جميع فتيان القرية أن يتحوّلوا إلى رعاة للماشية بكلّ أنواعها المعز الأغنام الأبقار،

وعند الظهيرة يكون الجميع على النهر:

المعز والغنم سرعان ما تختفي في مغارة صخريّة عمقها عشرة أمتار تقريباً، وامتداد طوله خمسمئة متر تقريباً قيلولة الظهيرة.

و ينطلق جميع الرعاة عند الوصول إلى النهر في لحظة جنونيّة ينزعون عن أجسادهم ذلك القميص الوحيد لا فوقه ولا تحته، يرفعونه في الهواء رايات فرحهم و ذروة سعادتهم عراة كما خلقهم ربّهم.

ساعتان من السباحة في مجرى مائيّ صخريّ امتداد عشرين متراً، ينتهي بتجمّع مائيّ ليكون بحيرة صخريّة صغيرة نسمّيه (الغبّيط).

الجميع عراة تماماً،

الأطفال يسبحون في مجرى الماء الصخريّ،

والفتيان يتبارون، مَنِ الأقدر على الوثوب من على تلك الصخرة العالية جدّاً إلى ذلك الغبّيط المهيب في زرقته الداكنة جدّاً؟!

٤ ـ كان النهر غنيّ بشتى أشكال اللعب غير السباحة،

كنّا جميعاً نتّخذ من أعواد الدِّفلى القويّة المستقيمة بنادق للعب، ندلك عود الدّفلى اللدن بخبرة و قوّة على قدر الكفّ من الأعلى إلى الأسفل، فسرعان ما ينزلق غلافه الخارجيّ و يتحوّل إلى أسطوانة فارغة من الداخل نسمّيها سبطانة، نقطع بالسكّين من رأس العود قطعة صغيرة لتكون القذيفة، نضعها في الفوّهة الأماميّة للغلاف، وعندما ندفع العود في الغلاف بقوّة تنطلق القذيفة الخشبيّة و تصدر صوتاً قويّاً جدّاً، قد تصطاد عصفوراً أو تفقأ عين أحد.

٥ ـ ينطلق الجميع إلى المراعي في سفوح قرية خربة مكّار غالباً، بعد القيلولة الطويلة.

وتبدأ قصص جديدة للعب

كيف جرى حديث العشق، أشعل ناره أصغرهم باح بسرّ عشقه ومعشوقته، وليته لم يفعل، الجميع يعشق تلك الصبيّة،

جرت معركة لم أشهد لها مثيلاً في حياتي، كيف حضرت العصيّ الغلاظ، وكيف حضر الصخر الأصمّ، في دقائق كانت الدماء تخفي الوجوه لغزارتها، وكان شعر الرأس أحمر قانياً، وكانت الأجساد تهوي من فوق الحفاف والصخور، يُداس على الرؤوس و الأجساد، أصوات التهديد والوعيد تردّد صداها الوديان والأنهر والصخور.

وقفت أنا ورفيقي حسن كطفلين جزعين، لا نملك من قوّة سوى الهرب كلّما اشتدّ وطيس تلك المعركة الغراميّة.

ساعة من الزمن هدأ كلّ شيء تماماً، كلٌّ بدأ يمسح جراحه بيديه وثوبه، وجاء دور الضحك والهرج والمرج واللعب.

سمع مختار القرية بالقصّة، فقال:

نعم البقر في هذا الفصل يدبدب و يخرج عن طوره حتّى صاحبه يصعب عليه الاقتراب منه إلى أن يهدأ تلقائيّاً.

قيل كان لا بدّ أن تجري هذه المعارك لسبب أو دون سبب مع بدء جريان الدمويّة في هذه الفصول عند الفتيان.

ــــــــــــــ

الدّكتور علي سليمان الأحمد طبيب وشاعر وفقيَه سوري
طفولتي القروية وبيتنا الترابي: «حين كان الحب أغنى من الفقر»
عالم الاقتصاد سمير أمين
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867م- 1967م)- ج7
المربي شاكر ابراهيم.. طَلّةٌ بهيّة وابتسامةٌ لا تُنسى وحضورٌ يأسر القلوب
الشيخ عبد اللَّه المغاوري - العلوي
رجالٌ جعلوا من التعليم رسالة ومن الانضباط خُلُقًا.. المربي محمد جنوب مثالاً
المُقدَّمُ أحمد بن مخلوف
الشَّيخ حسن العرمي (ق).. عكّار/ لبنان
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867م- 1967م)- ج6
من ذاكرة إعدادية وثانوية بحنين.. قصة كفاح تُروى وحكاية رجل انتصر بالإرادة على كل الصعاب
وليّ الله الشيخ يوسف الردّاد - الريحانية
قبر العجمي في اللاذقية.. زاروبة القبر
المدرّس صالح ديب.. من ذاكرة إعدادية وثانوية "بحنين" النابضة بالذكريات والعطاء والطموح
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج5