كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"عشرة بحر"... متقاعدون سوريون يواجهون الشيخوخة بـ "صداقة الصنارة" على شاطئ المتوسط

في الستين من العمر، يتقاعد الموظفون الحكوميون السوريون إلزامياً.

لئلا تشيخ الروح باكراً قبل الجسد فتضني الهمة وتذهب بالعافية، يصبح لزاماً عليهم مواجهة الحياة بطريقة مغايرة وأعمال أخرى كل حسب هواياته واهتماماته.
في اللاذقية، المدينة السورية الجميلة على شاطئ المتوسط، يشكّل البحر للمتقاعدين متنفساً وعملاً في آن واحد، فمن جهة يملأ نفوس قاصديه بالسكينة والسلام، ومن أخرى يوفر صيداً (وإن كان شحيحا) يساعدهم على مواجهة الآلام المعيشية التي تعصف بحياة السوريين هذه الأيام، ناهيك عن أن صيد الصنارة للهواة، وسيلة لتصريف ساعات النهار الطويلة.
التردد اليومي لعدد كبير من المتقاعدين إلى البحر لصيد السمك بالصنارة، جعل الوجوه تتآلف والقلوب تتقارب بداية بإلقاء التحية، ومن ثم تجاذب أطراف الحديث، لتغدو اللقاءات اليومية التي كانت في الأمس عابرة، صداقة أسست لها ضحكاتهم وقصصهم الماضية وحتى مناكفاتهم، لتصبح بينهم "عشرة بحر".
على الشاطئ الصخري لمدينة جبلة، ثمة حيز مخصص للمتقاعدين يصيدون فيه السمك، بعيداً عن الشباب واليافعين الذين قد يفسدون بمزاحهم وضحكاتهم الصارخة صمت السكينة التي تعرّش على الهواء وهم يرمون صناراتهم إلى البحر وأعينهم تتحد مع الأفق البعيد.عشرة بحر.. متقاعدون سوريون يواجهون الشيخوخة بـ صداقة الصنارة على شاطئ المتوسط
فرحة عارمة تفاجئ الستيني شحادة حبيب والملقب بأبو مهند، عندما تنبه لاهتزاز الصنارة فسحبها بقوة إليه وقبض بيديه على سمكتين نوع "سمليس" دفعة واحدة قبل أن يدفع بهما إلى الكيس القماشي الأبيض الذي يحمله على جنبه ويضع فيه أدوات الطعم وغلته من الصيد.
يضحك أبو مهند ضحكة "شماتة" برفيق صيده الستيني أبو شادي الذي يقف بجواره، ويقول له: "سمكتين دفعة وحدة، خليك عم تستنى"، ليرد عليه أبو شادي بضحكة واسعة: "اذا أنت اصطدت سمكتين فانا سأصطاد ثلاثة وفوقهما حوت".
البدايات الجميلة ليس من الضروري أن تأتي في بداية العمر، فقد يزهر العمر متأخراً، هكذا يصف العم أبو مهند علاقته مع البحر وصيد الصنارة، ويروي لوكالة "سبوتنيك": بعد تقاعدي من العمل لم أستطع التأقلم مع الجلوس في المنزل طيلة الوقت، فلست من رواد المقاهي ولا من الذين يضيعون أوقاتهم في لعب الطاولة أو المنقلة.
ويضيف أبو مهند: "لذلك قررت أن أتوجه إلى البحر وأمارس صيد الصنارة، بالنسبة لي لا أعتبر الصيد هواية أو تمضية للوقت، بل أراه عملاً كغيره من الأعمال حيث من الجيد أن أستطيع أن أطعم أسرتي السمك في ظل ارتفاع أسعاره في السوق، ناهيك أنني عندما أقصد البحر صباحاً ألتقي بأصدقائي هنا حيث نتحادث ونصطاد ليمضي النهار سريعاً ونقصد بيوتنا وفي حوزة كل واحد منا رزقته".
ويشير أبو مهند أن أكثر أنواع السمك التي يصطادها هي سمليس، سرغوس، وأحياناً حفش، وغلة كل يوم تختلف عن باقي الأيام، ويضيف: نجمع صيد كل يوم في البراد لنهاية الأسبوع حيث تقوم زوجتي بطهي السمك، وإذا كانت الكمية كبيرة وتزيد عن حاجتنا فانها تقوم بتوزيع ما تيسر للجيران.
لا يفسد على أبو مهند سعادته بالصيد، سوى الظروف المناخية، إذ يقول: في الأيام الدافئة أتوجه يومياً للصيد، أما في الأيام الباردة وخاصة الماطرة فانني لا أستطيع النزول إلى البحر، فأشعر بالضيق الكبير ولا يروح عن نفسي سوى مشاهدة التلفزيون أو مطالعة بعض الكتب.
يرفض أبو مهند أن يستسلم للجلوس في المنزل وانتظار الموت بهدوء انطلاقاً من النظرة السائدة بأن المتقاعد قد أدى دوره في الحياة وحان الوقت ليرتاح في منزله، ويعلل رفضه بأن الرجل عندما يصل لسن التقاعد يكون في أوج النضوج بعدما خاض الحياة واستقى عبرها واستفاد من تجاربها، وعليه أن يوظف ذلك بالعمل بالمجال الذي يحب.
يطلق العم فواز صافي الملقب بأبو شادي قهقهة طويلة وهو يحرر السمكة التي اصطادها من حبل الصنارة ويضعها في الكيس، ويقول لأبو مهند: "اصطدت هلأ سمكة والحوت جايي على الطريق".
المناكفات بيننا وقصص "بطولاتنا" أثناء الشباب هي التي تجعل الوقت يمضي سريعاً بدون أن نشعر به، ويضيف أبو شادي: في إحدى المرات وعند اقتراب غروب الشمس، راهنت أبو مهند على غلتنا من الصيد، واتفقنا بأن من يصطاد سمكة أولاً يأخذ غلّة الآخر والمثير حينها أن كلانا لم يصطد ولا سمكة.. الصيد والمنافسة التي تكسر روتين اليوم أصبحت روح حياتنا اليومية.
ويشير أبو شادي إلى أن لقاءاته اليومية برفاق الصيد تذكره بزملائه في العمل والأحاديث المتداولة والمزاح، ويردف: كل مرحلة في الحياة لها نكهتها الخاصة، لكن المهم أن يكون لدى الشخص إرادة قوية للاستمرار بالحياة بقلب الشباب، و"خلي التقاعد والكبر في السن على الورق بس".
ويتابع أبو شادي: أنا اخترت العمل في الصيد للعمل وتأمين أكلة سمك لعائلتي خاصة في ظل ارتفاع اسعار السمك في السوق من جهة، وللهواية والترويح عن النفس من جهة ثانية، فالإنسان عندما يصل إلى سن الستين يجب عليه أن يفكر بفعل الأشياء التي تجعله سعيداً، وبالنسبة لي يمنحني البحر الشعور بالراحة والسكينة.
ويضيف: صحيح أنا غير محترف في صيد الصنارة، لكن البحر يعطيني مساحة جيدة لتفريغ الشحنات السلبية وتجديد النشاط استعداداً لمواجهة الحياة بشكل أفضل، ويتابع: سابقى من الرواد اليوميين للبحر حتى آخر حياتي فنحن بالنهاية أبناء بحر.عشرة بحر.. متقاعدون سوريون يواجهون الشيخوخة بـ صداقة الصنارة على شاطئ المتوسط
أحمد صالح موظف متقاعد، ليس صيد الصنارة هوايته الوحيدة بعد التقاعد، بل مصاحباً لهوايته الأخرى في الكتابة، ولعل البحر كما يقول صالح هو الملهم لكتاباته حيث يغني مخيلته بالكثير من الصور السحرية.
ويضيف صالح: كل عناصر الجمال موجودة في البحر، خاصة في الفجر، حيث تشعر كأنك في لحظة الخلق الأولى، فالحياة بدأت من المياه، وعليه من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالراحة النفسية والسكينة وهو جالس قبالة البحر.
وعدا عن الحاجة للسكينة والراحة، فهو عمل جيد، ويشرح: في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة يعد جلب أكلة سمك إلى المنزل هو إنجاز كبير، مبيناً أن سمك السمليس هو الأكثر توفراً في البحر باعتباره صنف مقيم في البحر.
بعيداً عن أبو مهند ورفاقه، يجلس العم أبو ثائر وبيده صنارته وبجواره كيس صغير لوضع السمك، لم يرد الحديث في البداية، قبل أن تتسلل منه بعض الكلمات وتشي بحزنه وفقدانه لصديقه الذي كان يصطاد معه يومياً طيلة السنوات الأربع الماضية، قبل أن يتوقف عن الصيد بسبب ظروف صحية.
ويضيف: رغم إحساسي بالفقد والحنين لصديقي كلما نزلت صباحاً إلى البحر، إلا أنني أشعر هنا بالسكينة والمتعة فقد أصبحت هذه الهواية جزءاً من الحياة اليومية، والمتعة الكبيرة هي أنك تجد شيئاً من العدم.
الصداقات التي تجمع المتقاعدين على صيد الصنارة أو كما يحبون أن يسموها "عشرة بحر"، جعلت حياتهم بالطريقة التي اختاروها على الشاطئ، محببة ومسلية وقريبة إلى قلوبهم التي تنتظر الصباح حتى ينبلج فتسرّع الخطا نحو الشغف اليومي بالبحر.
سبوتنيك عربي
مثلث الموت في "ضهر مطر" يستجدي تنفيذ جزيرة مثلثية.. والأهالي يطالبون بزيادة عدد المطبات
مدير مشفى المواساة لـ"فينكس": إصابات الفطر الأسود خطيرة على الحياة.. والحالات لا تزال محدودة في سورية
خلال زيارتها مركز زراعة الخلايا الجذعية للأطفال.. السيدة أسماء الأسد: مع الإرادة ليس هناك مستحيل
السيدة أسماء الأسد تزور أول مركز لزرع الخلايا الجذعية الدموية والمعالجة الخلوية للأطفال
دماء الشهداء تدخل على خط استغلال تجار الخضار.. مسؤولو حماية المستهلك والفلاح لـ"فينكس": إنتاج حلب لم يطرح في الأسواق بعد
هل سيطول انتظارنا ليصبح حلم “الحديقة” حقيقة؟
مدرسة جول جمال في اللاذقية.. الذاكرة المنكسرة
إعلاميو طرطوس: سنختار من نجد فيه الضمانة الأكيدة لقيادة سفينة الوطن إلى بر الأمان
السواعد السورية تنجح من جديد وتعيد تشغيل الفرن الرابع بمعمل اسمنت طرطوس
"عشرة بحر"... متقاعدون سوريون يواجهون الشيخوخة بـ "صداقة الصنارة" على شاطئ المتوسط
مفتي الحسكة لفينكس: الانضباط المجتمعي للوقاية من الوباء يجسد مقاصد الشريعة الإسلامية
بعد اجتماعها مع الجمعيات الخيرية وغرف الصناعة والتجارة.. السيدة أسماء الأسد تطلق منصة الكترونية للربط بين المتبرعين والمحتاجين
تحسن مرتقب بواقع الكهرباء بعد زيادة «الفيول» بنسبة 70 بالمئة.. دراسة لزيادة مخصصات السيارات من مادة البنزين خلال الأيام القليلة القادمة
الحلبيون على موعد من الخلاص من كابوس التقنين القاسي.. والصناعيون متفائلون بإنشاء محطة التوليد الكهروضوئية في الشيخ نجار
الأوقاف لفينكس: ملتزمون بقرار التربية بخصوص تعليق التعليم على خلفية الكورونا