كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

سامي مروان مبيّض
أوّل حصّة لي في أوّل يوم دوام في السنة الأولى من دراستي الجامعيّة كانت "مدخل إلى التاريخ"، للبروفيسور الفلسطينيّ الدكتور سمير سيقلي، أحد أساطين قسم التاريخ في الجامعة الأميركيّة في بيروت. بدأت الحصّة في الساعة الثامنة صباحاً، ووصلت متأخِّراً خمس دقائق. منعني من الدخول، وقال: "درسك الأوّل في الجامعة وفي الحياة، هو أن تكون ملتزماً بمواعيدك مع الآخرين. اخرج، وتعلّم احترام المواعيد."
علّمني الدكتور سيقلي الدقّة، ومنذ ذلك اليوم أصبحت شديد الحرص في مواعيدي، أصل إليها باكراً وأنتظر؛ لكيلا ينتظرني الآخرون.
في دراستي الجامعيّة، تعرّفت بالدكتور منير العجلانيّ، النائب والوزير في سورية الأربعينيّات والخمسينيّات، المقيم في السعودية يومها. كان يقضي إجازات الصيف في لبنان، وكنت أزوره بشكل أسبوعيّ ومنتظم، في داره ببيروت أو في فندق البرنتانيا الشهير ببرمانا. كان "منير بك" صانع تاريخ وشاهداً على القرن العشرين، وقد علّمني كلّ ما أعرف عن تاريخ سورية الحديث، وله أفضال عليّ لا تُعدّ ولا تُحصى، منها تشجيعي على وضع كتابي الأوّل "سياسة دمشق" وأنا على مقاعد الدراسة.
كان لا يناديني إلا "استاذ،" تواضعاً منه طبعاً. كان وهو شيخ مُسن لا يستقبل زوراه إلاّ واقفاً، ويُصّر على تقديم الضيافة بنفسه لضيوفه ويخرج معهم إلى عتبة الدار، ليفتح لهم باب المصعد.
علّمني الدكتور العجلانيّ معنى الأخلاق الرفيعة، ومعنى الاحترام.
فتح لي كتابي الأوّل أفقاً واسعاً، وجعلني مُقرَّباً من الكثير من الأساتذة، ومنهم البروفيسور هلال خشّان من قسم العلوم السياسيّة. في السنة الرابعة، قال لي الدكتور خشّان: "أنت معي الآن في مادّة الشرق الأوسط الحديث، ولكنّك أصبحت كاتباً وبإمكانك – نظريّاً – أن تُدرِّس هذه المادّة. لا داعي أن تحضر أيّة حصّة من الآن فصاعداً، ولا أن تُقدّم أيّ امتحان، فكتابك يعفيك من كلّ ذلك."
وبالفعل، أعفاني هذا المعلّم من مقرّر إلزاميّ في الجامعة، تقديراً لجهودي.
تعلّمت منه تقدير تجارب الآخرين، مهما صغر سنّهم، وبدت تجربتهم متواضعة (وكتابي الأوّل كان بالفعل كتاباً متواضعاً للغاية).
عرفت في سنوات الدراسة مُدرِّسين كباراً عملوا في السياسة، أو بالأصح أضاعوا مواهبهم العلميّة في العمل السياسيّ، ومنهم الأستاذ الدكتور فريد الخازن، والأستاذ الدكتور نوّاف سلام، وفي مقدّمتهم كان البروفيسور العلّامة قسطنطين زريق، الذي عرفته في مرحلة متقدِّمة من حياته قبل وفاته سنة 2000.
هو أحد مؤسِّسي الأمم المتّحدة، ورئيس أسبق لكلٍّ من جامعة دمشق، والجامعة الأميركيّة في بيروت.
وقد روى لي هذه القصّة:
"كنت مُدرّساً في دمشق يوم تعيين الدكتور عبد الوهاب حومد وزيراً للمعارف، وكانت الجامعة يومها تتبع للمعارف. بعد اجتماع الحكومة طلب الرئيس الراحل هاشم بك الأتاسي إلى الدكتور حومد الانتظار قليلاً بعد خروج بقيّة الوزراء. ثمّ قال له: أنا لم أطلب طلباً من مخلوق في حياتي، ولكن أريد منك شيئاً مُحدّداً.
ردّ الدكتور حومد: أنت لا تطلب بل تأمرنا جميعاً فخامة الرئيس.
ابتسم الأتاسي وقال: عندكم في المعارف أستاذ "بيسوى ثقلو ذهب" اسمه قسطنطين زريق. طلبي الوحيد هو أن تحافظوا عليه؛ لأنّه قامة علميّة كبيرة، وحالة فريدة لن تتكرّر."

في عيد المعلّم، تحيّة إجلال واحترام لهؤلاء المدرِّسين الكبار جميعاً، من رحل منهم إلى دار الحقّ، ومن بقي يعمل في أنبل مهنة في العالم. لهم في رقبتي دَين لن أنساه ما دمت حيّاً.

احسان عبيد: سورية الحلم
سامر محمد اسماعيل: برسم من يهمه أمرنا
نواطير الكاز ومأجوروهم أحرص على المصلحة الأمريكية من الأمريكان!.. و عن الدولة العميقة
كيف تربح إيران الحرب؟
د. عبد الوهاب أسعد: أساليب وأدوات صراع القوى العظمى!.. مع تعقيب لسامر الحصني
علي سليمان يونس: مجزرة الرفاق...
علي يونس: حركة 23 شباط 1966م
أكبر الأكاذيب التي تم نشرها وتصديقها في التاريخ
د. وليد عبد الحي: اللغز بين سلطنة عُمان.. واسرائيل
احسان عبيد: وليد جنبلاط...
د. بهجت سليمان: بين "التصعيد" "الفرويدي".. و "التسفيل" "الجورج طرابيشي"
السورية علياء غانم والدة أسامة بن لادن تكشف أسرار ابنها: ابني كان خجولاً
عندما بكى الزعيم الخالد "جمال عبد الناصر" فى 1 سبتمبر/ أيلول 1966
بمناسبة عيد ميلاده 69.. “فينكس” يتمنى لسنديان سورية اللواء الدكتور بهجت سليمان الصحة الدائمة والشباب المتجدد والنجاح المستمر
احسان عبيد: "لابد من تجرع السم"