كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. عبد الله حنا: ثورة فلاحي الشمال الوطنية بقيادة ابراهيم هنانو

القسم الثاني
الثورة ، تنظيمها ، حلفاؤها ، وأوضاعها ، من ابطالها
ومن أجل سهولة قيادة الثورة اتخذ هنانو مركزين لاقامته الأول في قرية كللي، التي تتوسط جبلي باريشا والوسطاني، والمركز الثاني في جبل الزاوية لاتصاله جنوبا بمنطقة الغاب وغربا بجبال الساحل، حيث نشطت ثورة الشيخ صالح العلي. وفي جبل الزاوية برز المجاهد مصطفى الحاج حسين وأعوانه.
في خريف / 1920 / قسم هنانو المناطق الثائرة إلى ثلاث مناطق:
1 – منطقة القصير وتضم / 400 / متطوع بقيادة الشيخ يوسف السعدون الذي اشتهرت اسرته بالنفوذ الديني والسياسي (المحلي).
2 – منطقة كفر تخاريم وتضم / 250 / متطوعا بقيادة نجيب عويد المعروف بتشدده ازاء الفوضويين والنهّابين ومستغلي الثورة ومرتكبي الأعمال المنكرة وقد اعدم / 86 / شخصا من الخونة والجواسيس والذين اشتركوا في السلب والنهب وارتكبوا الأعمال المنكرة. وكان يعيش عيشة الكفاف من ريع ايراده الضئيل. ونجيب وعويد نموذج للفلاح الثوي الحازم العصامي الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم ، وكان الساعد الأيمن الوفي للثورة وقائدها .
3 – منطقة جبل الزاوية وتضم حوالي / 200 / متطوع بقيادة مصطفى الحاج حسين.
اضافة إلى متطوعة الحفة بقيادة عمر البيطار.
***
قام هنانو بعد عودته من تركيا بإذاعة بيان على الشعب معلنا الثورة، كما وجه بيانا آخر إلى قناصل الدول الأجنبية رمى من ورائه إلى كسب الرأي العام العالمي إلى جانب الحركة الوطنية، وهذا دليل على ما ذكرنا من تمتع هنانو بالشخصية الثورية واهتمامه بالشؤون الدولية في اطار ظروف ذلك العصر.
ومن أجل أن يقيم جسرا مع ثورة الشيخ صالح العلي، الذي أرسل له رسولا من أجل تعاون الثورتين احتل متطوعة هنانو جسر الشغور في / 28 / تشرين الثاني / 1920 / بعد معركة استسلمت على أثرها الحامية الفرنسية. كما صد المتطوعة بقيادة نجيب عويد الحملة الفرنسية في ادلب القادمة من حلب لاستعادة جسر الشغور، التي احتلها الفرنسيون سبع عشرة مرة، وفي كل مرة كانت العصابات الثائرة تجليهم عنها نظرا لأهمية موقعها الاستراتيجي على نهر العاصي، وهي الطريق الأساسي بين حلب واللاذقية.
ومن أجل ضرب الثورة قام الفرنسيون بتعبئة القوى واحتلال كفر تخاريم أحد مراكز الثورة الهامة. ولكن نجيب عويد تمكن مع اخوانه من استرداد كفر تخاريم في أوائل كانون الأول 1920.
وشهدت الأشهر الاولى من عام 1921 عددا من الصدامات بين الفلاحين الثوار وجنود الاستعمار الفرنسي كان أبرزها معركة جبل الأربعين في أعالي منطقة جبل الزاوية. وفي تلك المعركة اشتركت فلاحات جبل الزاوية في المعركة اشتراكا فعليا وكنّ يُثِرْنَ الحماس بزغاريدهن وأهازيجهن ويجلبن الماء والعتاد للمقاتلين. وقد استشهدت في تلك المعركة شقيقة الشهيد أبوعدلة. وكانت نتيجة المعركة سقوط أربعين قتيلا من جنود الاحتلال واستشهاد حوالي أربعين فلاحا ثائرا .
وفي نهاية شهر آذار / 1921 / قذف الفرنسيون بقوات كبيرة تحميها الطائرات وتتقدمها المصفحات. وكان الثائرون يشكون عجزا فادحا بالعتاد والذخيرة – بعد أن سدت تركيا السبل بوجوههم، وحالت بينهم وبين التزود بالسلاح منها .
بعد أن تراجعت قوى الثورة واضطر المجاهدون للانسحاب من جبل الأربعين في ربيع / 1921 / وانقطعت المعونة العسكرية التركية ، أرسل هنانو ساعده الأيمن نجيب عويد إلى جهات حماه لتدبير بعض الأسلحة والذخيرة، ولكنه عاد دون الوصول الى مبتغاه. مما أضعف الثورة، التي حرمت امدادات الشمال (تركيا) وامدادات الداخل. اذ أن التبرعات والجبايات الداخلية لم تكن تكفي لسد احتياجات الثورة إلى الأسلحة والذخيرة والنفقات المختلفة.
ومن العوامل، التي أدت إلى ضعف الثورة وانعزالها في الأشهر الأخيرة من أيامها عدم تمكن النواة الثورية من المحافظة على نقاء الثورة وأهدافها النبيلة في طرد المحتلين المستعمرين . ومع أن هنانو وبخاصة نجيب عويد كان شديدا ضد أعمال الشقاوة السلب والنهب وقام بإعدام عدد من المخربين الجواسيس والنهّابين واللصوص اللذين ارتكبوا أعمال الشقاوة باسم الثورة . وكان في طليعة من أعدمهم نجيب عويد التركي عاصم بك، الذي قام بمهاجمة قرية الصقيلبية الواقعة قرب حماه ونهب منها كل ما استطاع نهبه. مما دفع نجيب عويد إلى استدراجه واعدامه .
***
من أبطال ثورة هنانو
أ – هزاع أيوب
أصله من قرية جبالا التابعة لمنطقة معرة النعمان، ولد عام / 1896 / وبعد مقتل والده على يد العثمانيين رحل مع أهله إلى عشيرة الموالي واشترك مع هذه العشيرة في مناهضة الفرنسيين. وبعد أن اعتقل بسبب تهريبه للسلاح سعى رئيس ديوان ولاية حلب أيام الحكم الفيصلي ابراهيم هنانو إلى اطلاق سراحه، ومنذ ذلك الحين توطدت علاقته مع ابراهيم هنانو واشترك في معارك الشمال، وأبدى بطولات مشهودة. وكان ، كما سنرى في حلقة قادمة ، برفقة هنانو عندما قرر اجتياز البادية إلى شرقي الأردن. وكان رسول الثوار بين الأردن وسورية ومن التجأ إلى تركيا من مجاهدي ثورة الشمال. وكان يجتاز البادية الشامية في ذهابه وإيابه مما عرضه للمخاطر.
وفي عام / 1926 / قبض الفرنسيون على المجاهد هزاع أيوب في حارم. وسيق مكبلا بالحديد إلى سجن خان الكمرك في حلب، وكان يحمل هوية باسم مستعار، فتقدم بعض الشهود وعرفوا الفرنسيين بأنه هزاع أيوب نفسه، وبقي مصرا على انكاره، ولقي في السجن أشد أنواع الضرب والتعذيب، وكان يحمل بعض الرسائل الخطيرة منها رسالة بخط هنانو موجهة إلى رضا باشا الركابي، وفي الطريق أوقع نفسه في قناة ماء فأتلف ما يحمله من أوراق كانت كافية لاعدامه . وأخيرا قرر الفرنسيون اعدامه، وأنيطت حراسته بالدركي العريف المرحوم يوسف الصدير من أهالي معرة النعمان، فأشفق عليه وهربا سوية وتمكنا من الوصول إلى عمان، وقد حُكم العريف بالسجن خمسة عشر عاما، وتوفي متوطنا في شرقي الأردن.
ب – الضابط البلغاري خريستو
أثناء ثورة الشيخ صالح العلي أسر المجاهدون في معركة مصابين (شرقي قلعة الخوابي) اثنين من الجنود البلغار يعملون في الفرقة الأجنبية الفرنسية . وبعد تراجع ثورة الشيخ صالح العلي التحق الجنود البلغار بثورة ابراهيم هنانو.
وفي شباط / 1921 / أرسل ابراهيم هنانو المراسل الشهم هزاع أيوب بمهمة من منطقة الثورة إلى اللاذقية، يحمل رسالة من جندي بلغاري وقع أسيرار في يد ثوار هنانو رفيق بلغاري له الضابط خريستو في الفرقة الأجنبية الفرنسية، فذهب متنكرا يسوق حمارا يحمل بيضا وغير ذلك من الأشياء التي تلفت النظر إلى أنه بائع متعيش . وصل هزاع أيوب فوقف أمام الثكنة العسكرية، واتصل برفيق الجندي البلغاري وسلّمه الرسالة، وقد قبض الضابط خريستو على هزاع أيوب وهدده بالقتل للاقرار بالحقيقة، وكان الضابط قد خشي مغبة الأمر، وان يكون من وراء ذلك دسيسة تودي بحياته، ولما أيقن الضابط البلغاري صدق هزاع أيوب اتفق واياه ، وكان الضابط الوكيل من أصل مغربي اسمه صادق يقوم بالترجمة بين خريستو وهزاع . وأخيرا اتفقوا على اللحاق بهزاع ليلا في موقع على بعد ثماني كيلو مترات جنوبي الطريق العام من اللاذقية . وبعد العشاء حضر الضابط خرستو برفقة صادق المغربي ومعهما تسعة عشر جنديا، وهم يسوقون بغالا محملة بصناديق العتاد الحربي والرشاشات، فألحوا بالمسير كيلا تلحق بهم القوات الفرنسية، فتفشل الخطة المرسومة، وأوصلهم هزاع إلى هنانو وكان آنئذ في قرية (قيماس) في الجبل الوسطاني فاستقبلهم هنانو واستبشر بمقدمهم خيرا.
وقد حضر الضابط خريستو ورفاقه المعارك الحربية، ولما انتهت الثورة انسحبوا كما سنرى ، مع هنابو إلى البادية في تموز / 1921 / حيث شاركوا في معركة (مكسر الحصان) بالقرب من جبل البلعاس وأحاط بهم العربان وقد أغرتهم الجوائز المالية الفرنسية بمطاردتهم، فدافعوا عن أنفسهم دفاع المستميت، وقد قتل الضابط خريستو برصاص مسدس أحد مشايخ البدو المهاجمين وكان نصيب هؤلاء الجنود البلغار القتل ولم ينج منهم إلا اثنان استسلما إلى الفرنسيين.
***
انسحاب هنانو ومن بقي معه من شمال سورية إلى الاردن
في تلك الأيام الحالكة من أوائل صيف / 1921 / وبعد أن تبين أن الثورة تجتاز أيامها الأخيرة ، دعا ابراهيم هنانو لمؤتمر عام حضره جميع قادة الثورة للبحث في أفضل السبل الواجب اتباعها بعد أن نفذت الذخيرة وشح المال وانعدم مصدر وصول الأسلحة والذخيرة وشدد الفرنسيون النكير على النواة الثورية. وعندما اقترح نجيب عويد الالتجاء للأراضي التركية المتاخمة أدرك هنانو بثاقب بصره أن التجاءه لتركيا سيجعل من الممكن وصم ثورته بالتعاون مع رجال هذه الدولة ولذا فقد رد على عويد بقوله :
" والله لو خيرت على أن أكون مسلما تركيا أو مسيحيا عربيا لاخترت الثانية، ولذا فإني أفضل اجتياز الصحراء الشاسعة إلى شرقي الأردن لأعيش في كنف حكومة عربية".
وبعد المداولة انشطر المؤتمرون إلى فئات ثلاث:
القسم الأول: - أقعده كبر السن وكثرة الأولاد ففضل البقاء في الوطن.
القسم الثاني: - انطلق إلى تركيا واستقر في القرى الجنوبية، وفي مقدمة هؤلاء نجيب عويد والشيخ يوسف السعدون ومصطفى الحاج حسين، ولوحظ أن عويد والسعدون لم يقوما بأي عمل من أعمال اخلال الأمن في سورية تستغله تركيا لمصلحتها أو يفسره الأهلون بأنه من أعمال الشقاوة والسطو وابتزاز المال من الأثرياء وعلى العكس فإن عددا آخر من اللاجئين كانت الحكومة التركية تستخدمهم كوسيلة للضغط كلما تعكر صفو العلاقات بين فرنسا وتركيا .
القسم الثالث: - الذي أخذ برأي هنانو بالذهاب لشرق الأردن وبلغ عدده ستين مجاهدا ضم عددا من الضباط الوطنيين والجنود البلغار، الذي التحقوا بثورة هنانو بعد أن هربوا من الجيش الفرنسي وقدموا حياتهم في سبيل القضية الوطنية لشعب آخر غير شعبهم.
***
الحلقة القادمة : الإنسحاب الأسطوري لإبراهيم هنانو
من شمال بلاد الشام إلى جنوبها
وفي فلسطين يُسلّمه الإنكليز إلى الفرنسيين