كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

داعش بين الانحسار ومحاولة العودة الى سورية

مصطفى المقداد
تقديم: يأتي البيان الأخير الصادر عن المتحدث باسم تنظيم “داعش” في لحظة سورية دقيقة، تتسم بإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني، ومحاولات تثبيت مركزية الدولة، وتوسيع الانفتاح الدبلوماسي الخارجي. فقد تضمّن البيان تكفير الحكومة السورية واعتبارها “علمانية”، والتحريض الصريح على قتالها، ومهاجمة الرئيس أحمد الشرع شخصياً، وصولاً إلى إعلان دخول سورية “مرحلة عمل جديدة”.
لا يمكن قراءة هذا البيان بمعزل عن التحولات التي يشهدها الداخل السوري، ولا عن التراجع البنيوي في القدرات الميدانية للتنظيم. فالخطاب لا يعكس قوة صاعدة بقدر ما يعكس محاولة لإعادة التموضع السياسي–الأمني، واستعادة دور في مشهد يتجه نحو إعادة الاستقرار النسبي.
السؤال المركزي لا يتعلق فقط بمضمون البيان، بل بتوقيته، وبما إذا كان يمثّل مقدمة لتحرك ميداني فعلي أم أنه في جوهره خطاب تعبوي يهدف إلى منع تآكل حضور التنظيم في الوعي الجهادي العالمي.
تحليل:
أولاً: سياق الانحسار الميداني ومحاولة تعويضه خطابياً:
يعكس البيان إدراكاً واضحاً لدى قيادة التنظيم بتراجع قدرته الميدانية مقارنة بمرحلة “التمكين” السابقة. فالمتحدث الداعشي استخدم صياغات تؤكد أن الصراع لم ينتهِ وأن “الجولة لم تُحسم”، في محاولة لنفي صورة الانحسار. هذا الأسلوب شائع في خطاب التنظيم بعد خسارة الجغرافيا، حيث ينتقل من خطاب “الدولة القائمة” إلى خطاب “الاستنزاف الطويل”.
كما أن تركيز البيان على أن “المرحلة المقبلة” تتطلب صبراً وثباتاً من الأنصار، يوحي بوعي داخلي بأزمة تعبئة ومعنويات، ومحاولة منع التفكك التنظيمي عبر إعادة شحن القاعدة بخطاب عقائدي صدامي. هذا التحول من إعلان السيطرة إلى إعلان “مرحلة عمل” يدل على انتقال التنظيم من نموذج التمكين إلى نموذج الخلايا المتفرقة ذات العمليات المحدودة.
ثانياً: تكفير السلطة واستهداف الرئيس بوصفه استراتيجية تصعيد رمزي:
أعاد البيان تصنيف الحكومة السورية باعتبارها “سلطة مرتدة” وفق أدبيات التنظيم، وهي صيغة تُستخدم تاريخياً لتبرير استهداف المؤسسات الرسمية والعاملين فيها. هذه العودة إلى التكفير السياسي الصريح ليست تفصيلاً لغوياً، بل تمثل أرضية شرعنة لأي هجوم محتمل على البنية الإدارية أو الأمنية للدولة.
أما ذكر الرئيس أحمد الشرع بالاسم، فهو تصعيد غير اعتيادي نسبياً في المرحلة الراهنة، ويهدف إلى:
• تحويل الصراع من مستوى أمني إلى مستوى شخصي–رمزي.
• إعادة استحضار صورة “الطاغوت” في المخيال الجهادي.
• محاولة استدراج رد فعل أمني موسّع قد يُعيد إنتاج مناخ الاستقطاب الذي ازدهر فيه التنظيم سابقاً.
من الناحية العملياتية، هذا النوع من الخطاب لا يعني بالضرورة قدرة على تنفيذ استهداف مباشر، لكنه يرفع منسوب التهديد ويخلق بيئة نفسية ضاغطة.
ثالثاً: توظيف سردية “الهيمنة الخارجية” في التعبئة:
تضمّن البيان توصيفاً للحكم القائم باعتباره امتداداً لنفوذ “تركي–أمريكي”، في محاولة لإعادة تأطير الصراع كحرب “تحرير” لا كصراع داخلي. هذه السردية تستثمر الحساسية الوطنية تجاه التدخلات الخارجية، وتعمل على توسيع قاعدة الاستقطاب عبر الجمع بين خطابين: الجهادي العقائدي، والقومي الرافض للنفوذ الخارجي.
لكن اللافت أن هذا التوصيف يعكس أيضاً إدراك التنظيم لخطورة الانفتاح الدبلوماسي الذي تشهده دمشق، إذ يسعى إلى تقويض أي مسار يمنح الدولة شرعية خارجية أو يعزز صورة الاستقرار.
رابعاً: تقدير مسار “مرحلة العمل الجديدة” :
إعلان الدخول في “مرحلة عمل جديدة” لا يعني بالضرورة انتقالاً فورياً إلى تصعيد واسع، بل يُرجَّح أن يتجسد في نمط عمليات منخفض الكلفة وعالي الأثر الإعلامي. من المرجح أن يسعى التنظيم إلى تفعيل خلايا نائمة في البادية والمناطق الهشة أمنياً، وتنفيذ عمليات متفرقة تستهدف نقاطاً أمنية أو شخصيات محلية، بهدف إثبات الحضور لا السيطرة.
كما قد يحاول تنفيذ عملية نوعية ذات صدى إعلامي كبير لإعادة تثبيت اسمه في المشهد، غير أن قدرته على توسيع نطاق العمليات أو استعادة جغرافيا نفوذ تبدو محدودة في ظل تماسك المؤسسة الأمنية وتحسن التنسيق الإقليمي.
بعبارة أخرى، “مرحلة العمل الجديدة” تُقرأ أقرب إلى استراتيجية استنزاف رمزي وإعلامي، لا إلى عودة نموذج “الدولة” أو السيطرة المكانية. والهدف الأساسي يبدو منع ترسخ صورة الهزيمة النهائية، والحفاظ على مكانة سورية كساحة مفتوحة في المخيال الجهادي العالمي.
- الرسائل الإقليمية والدولية:
• إلى الدول الداعمة للاستقرار في سورية:
التنظيم يسعى لإظهار أن البيئة السورية ما تزال هشة، وأن الاستقرار غير مكتمل.
• إلى الولايات المتحدة وتركيا:
تحميلهما مسؤولية “الشرعية القائمة” لتأجيج خطاب العداء واستقطاب جمهور ناقم.
• إلى التنظيمات المتطرفة عالمياً:
تأكيد أن “الساحة السورية” لا تزال مفتوحة وقابلة للاشتعال، في محاولة للحفاظ على مكانتها الرمزية ضمن الخريطة الجهادية.
التقدير النهائي:
- البعد الحاسم في تقليص هوامش التنظيم يتمثل في استمرار مسار المشاركة السياسية والاندماج المؤسسي لجميع المكونات السورية، دون استثناء. فكلما توسعت قنوات الإدماج في مؤسسات الدولة، وتعززت الشراكة الوطنية على قاعدة المواطنة المتساوية، تضاءلت البيئة التي يتغذى عليها خطاب التنظيم القائم على التكفير والاستقطاب.
- إن الخطوات التي بدأت مع “قسد” والمكوّن الكردي باتجاه ترتيبات سياسية–أمنية ضمن إطار الدولة، تمثل مؤشراً على إمكانية تفكيك بؤر التوتر البنيوي التي طالما استثمرها التنظيم. فنجاح هذا المسار لا يقتصر على معالجة ملف بعينه، بل يبعث رسالة استراتيجية مفادها أن الدولة قادرة على استيعاب التنوع ضمن بنيتها، وأن الخلافات يمكن إدارتها سياسياً لا عسكرياً.
- في المقابل، أي تعثر في هذا المسار أو شعور بالتهميش لدى أي مكوّن، قد يفتح ثغرات تستغلها التنظيمات المتطرفة لإعادة إنتاج خطاب “المظلومية” و”الفراغ الشرعي”. لذلك، فإن ترسيخ عقد وطني جامع، وتوسيع المشاركة السياسية، وضمان تمثيل فعّال ومتوازن في مؤسسات الدولة، يشكل خط دفاع استراتيجي لا يقل أهمية عن الإجراءات الأمنية والاستخباراتية.
الخلاصات:
**يمثل البيان محاولة واضحة لإعادة تعريف دور التنظيم بعد انحسار نفوذه الجغرافي. إنه خطاب يعكس إدراكاً لدى القيادة بأن استمرار مسار الاستقرار السياسي والانفتاح الخارجي يهدد بإغلاق المجال الذي يتغذى عليه التنظيم.
**غير أن الفجوة بين الخطاب والقدرة التنفيذية تظل كبيرة. فالمؤسسات الأمنية أكثر تماسكا، والتنسيق الإقليمي أكثر فاعلية، والبيئة المجتمعية أقل تقبلاً لعودة نموذج الفوضى.
**إن فعالية هذا الإعلان ستبقى رهينة بقدرة التنظيم على تحويل الخطاب إلى فعل ميداني مستدام، وهو احتمال قائم لكنه محدود. أما العامل الحاسم في تقليص هامش التنظيم، فيكمن في:
• تعزيز الإجراءات الوقائية في المناطق الرخوة أمنياً.
• تكثيف العمل الاستخباراتي المجتمعي لتفكيك البيئات الحاضنة.
• ترسيخ خطاب وطني جامع يعزز شرعية الدولة.
• دفع المسار التنموي في المناطق الهشة لتجفيف منابع التجنيد.
• توسيع التنسيق الإقليمي في مكافحة الإرهاب.

في المحصلة، يقف تنظيم داعش اليوم أمام مفترق: إما أن يبقى لاعباً تخريبياً محدود القدرة يعتمد على الصدمة الإعلامية، أو أن ينجح – وهو احتمال أقل – في استثمار أي ثغرة سياسية أو أمنية. والنتيجة ستتحدد بمدى صلابة الدولة، لا بحدة خطاب التنظيم. 

مركز تقدم للسياسات - دمشق