كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"اتفاق 17 أيار" في ذكراه

علاء الدين تلجبيني

متل اليوم بـ 17 أيار/مايو 1983
التوصل إلى اتفاق 17 أيار، وهو اتفاق "سلام" جرى التوصل إليه في عهد الرئيس أمين الجميل بين الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية. وقد جاء نتيجةً لمفاوضات بدأت بينهما بعيد مجازر صبرا وشاتيلا، وتحديدًا في 28/9/1982، في فندق “ليبانون بيتش” في منطقة خلدة، ثم في مستوطنة كريات شمونة شمالي فلسطين المحتلة.
ومن أبرز بنوده:
1- إلغاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل.
2- الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان خلال فترة تتراوح بين 8 و12 أسبوعًا.
3- إنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تتعهد الحكومة اللبنانية بأن تنفذ ضمنها الترتيبات الأمنية المتفق عليها في ملحق خاص بالاتفاق.
4- تكوين لجنة أمريكية - إسرائيلية - لبنانية تقوم بالإشراف على تنفيذ بنود الاتفاقية، وتنبثق منها لجنة الترتيبات الأمنية ولجان فرعية لتنظيم العلاقات بين البلدين.
5- تكوين مكاتب اتصال بين البلدين والتفاوض لعقد اتفاقيات تجارية.
6- امتناع كل من إسرائيل ولبنان عن أي شكل من أشكال الدعاية المعادية للطرف الآخر.
اجتمع المجلس النيابي يومي 13 و14 حزيران 1983 للنظر في الاتفاق، وذلك بحضور 72 نائبًا وغياب 19. وجاء التصويت كالآتي: 65 مع الاتفاق، 3 امتنعوا، واحد تحفظ عنه، و2 عارضاه هما النائبان زاهر الخطيب ونجاح واكيم.
في اليوم نفسه انعقد الكنيست الإسرائيلي وصادق على مشروع الاتفاق بأكثرية 57 صوتًا، وامتناع 45، ومعارضة 6.
ترافقت هذه المفاوضات مع انتفاضة شعبية، ومع مقاومة وطنية عسكرية كادت إحدى عملياتها أن تطول جولة من جولات المفاوضات. آنذاك تمسك رئيس الجمهورية أمين الجميل وحكومته بالاتفاق، ورفضته في المقابل “جبهة الإنقاذ الوطني” المدعومة من الحكم في سوريا ومن قوى المعارضة الفلسطينية.
اعتبرت سوريا أن هذا الاتفاق هو اتفاق إذعان يهدد استقلال لبنان وأمن سوريا ومصالحها. في الحقيقة، كان تجاهل أمريكا لدور سوريا في الاتفاق ومصالحها قد دفع السوريين إلى معارضته بشدة.
كانت قد اندلعت بعد يومين من الاتفاق، في 19 أيار، حرب الجبل التي انتهت في 19 أيلول 1983 بسيطرة الحزب التقدمي الاشتراكي المدعوم من سوريا على كل القرى الجبلية.
تحركت على الأثر المبادرات الخارجية لوقف القتال، وكان أبرزها المبادرة السعودية. وقد أوفدت المملكة الأمير بندر بن سلطان ورجل الأعمال رفيق الحريري، كما ذكرت وكالة الأنباء والصحف آنذاك، للقيام بوساطة مع سوريا انتهت بإعلان من دمشق في 12 أيلول يقضي بوقف إطلاق النار.
في 26 أيلول قدم رئيس الحكومة شفيق الوزان استقالته، فتريث رئيس الجمهورية في البت بها، فيما أعلن وليد جنبلاط نص وقف إطلاق النار من دمشق بحضور وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام والأمير بندر.
في 23 تشرين الأول أدى تفجير مجموعتين انتحاريتين مقر قيادة المارينز الأميركية ومبنى فرقة المظليين الفرنسيين إلى سقوط مئات القتلى والجرحى.
أمام تدهور الأوضاع في بيروت، اتصل أمين الجميل بالرئيس السوري حافظ الأسد وبالملك السعودي فهد بن عبد العزيز، موجهًا إليهما الدعوة لحضور مؤتمر الحوار الوطني في جنيف، الذي تقرر عقد أول اجتماعاته عصر يوم 31 تشرين الأول 1983، بمشاركة: الرئيس أمين الجميل، كميل شمعون، سليمان فرنجية، عادل عسيران، صائب سلام، رشيد كرامي، بيار الجميل، وليد جنبلاط، ونبيه بري، وبمراقبة وفد سعودي برئاسة وزير الدولة السعودي محمد إبراهيم مسعود، وقوامه السفير السعودي في بيروت الشيخ أحمد الكحيمي ورفيق الحريري، ووفد سوري قوامه نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية السوري آنذاك عبد الحليم خدام.
وتركز البحث يومئذ على إلغاء اتفاق 17 أيار كشرط لإنجاح الحوار اللبناني - اللبناني.
في جنيف اجتمع عبد الحليم خدام مع الرئيس اللبناني أمين الجميل (الصورة) لمدة ساعتين في جناح علوي في فندق إنتركونتيننتال، وقال مسؤول لبناني رفيع المستوى إن الأمور لم تسر على ما يرام على الإطلاق.
طلب خدام من الرئيس اللبناني إلغاء الاتفاق مع إسرائيل إذا كان يريد السلام في بلاده. وأعلن خدام أن المصالحة بين الفصائل السياسية والدينية المتحاربة في لبنان لن تكون ممكنة إلا إذا ألغى الجميل اتفاق 17 أيار لسحب القوات مع إسرائيل.
يقول الرئيس الجميل في لقاء مع صحيفة الشرق الأوسط:
“بقدر ما كان الأسد ودودًا معي ويتصرف معي باحترام، بقدر ما كان بحاجة إلى فريق آخر يحرك العصا، والعصا كان خدام. يعني كل الضغوطات التي كانت تمارس عليّ، والتي كانت بمعرفة الأسد، كان ينفذها عبد الحليم خدام. كان خدام بلا تهذيب، وكان وقحًا إلى درجة تبتعد عن المنطق والتهذيب. لكن معي أنا، كان يعرف أن أي كلمة خارج الحدود سيتلقى جوابًا عليها”.
أعلن الرئيس الأميركي رونالد ريغان سحب وحدات المارينز، وانسحبت وراءها الوحدات المتعددة الجنسيات من لبنان. وأمام الرفض الشعبي والعمليات العسكرية والضغوط السورية، ألغى مجلس النواب اللبناني الاتفاق بعد أقل من سنة على اعتماده، وتحديدًا في 5/3/1984، بعد لقاء الجميل مع حافظ الأسد في دمشق بثلاثة أيام.
يقول جوزيف أبو خليل في كتاب “قصة الموارنة في الحرب”:
“فشلت المحاولة الأولى واليتيمة لفصل أزمة لبنان عن أزمة الشرق الأوسط، لا لأن الأزمتين لا تنفصلان، بل لأن الفصل نفسه يقضي بإنهاء حال الحرب بين لبنان وإسرائيل، وهذا ما اعتبرته سوريا ثمنًا باهظًا”.