كوميديا المأساة.. لقاء السجين مع السجان
2026.08.31
مروان حبش
تبدو عبارة "كوميديا المأساة" للوهلة الأولى متناقضة: كيف يمكن لمأساة أن تكون كوميديةً؟ لكن المفارقة هي جوهر هذا المفهوم؛ فالكوميديا المأساوية لا تجعل الألم موضع ضحك، وإنما تكشف أحياناً عن عبث الواقع حين تجتمع فيه ظروف يستحيل جمعها منطقياً. إنها اللحظة التي يضحك فيها الإنسان، لا لأن ما حدث مضحك، بل لأن شدة التناقض تصبح أكبر من قدرة العقل على استيعابها.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى لقاء معتقل سياسي بعد ما يقارب ربع قرن من الاعتقال من غير تهمة أو محاكمة، بالسجان الذي أمر باعتقاله، بوصفه مشهداً بالغ الدلالة من "الكوميديا المأساوية".
فالمشهد، في جوهره، مأساوي بكل المقاييس. هناك إنسان انتُزعت من حياته سنوات طويلة، وحُرم من حريته وحقوقه، ثم يجد نفسه، بعد ربع قرن تقريباً، وجهاً لوجه أمام الرجل صاحب القرار السياسي الذي أمر باعتقاله. الزمن هنا ليس مجرد خلفية للِّقاء، إنه أحد أبطاله. فما يقارب ربع قرن يكفي لتتغير حياة الإنسان، والبلاد، وحتى ملامح الوجوه.
لكن المفارقة تكمن في أن الرجلين يلتقيان في لحظة جديدة، وكأن التاريخ قد قرر أن يضعهما أمام بعضهما من جديد، أحدهما ما زال صاحب السلطة والآخر خلف القضبان. هنا يظهر الجانب الكوميدي بمعناه المرير: المفارقة بين ضخامة ما حدث وبساطة المشهد الذي يجمع الضحية وصاحب القرار بعد كل تلك السنوات.
قد يتصافح الرجلان، وقد يتبادلان الكلمات، وقد يسود اللقاء هدوء البروتوكول أو المجاملة. لكن خلف المصافحة تقف سنوات السجن، وخلف الكلمات أسئلة لم تُجب عنها، وخلف الهدوء حياة كاملة لا يمكن استعادتها. وهنا يصبح المشهد أشبه بمسرح عبثي: الشخص الذي يملك سلطة سلب الحرية يلتقي مع مَن سُلبت حريته، وكأن التاريخ يريد أن يختبر قدرة الإنسان على التعامل مع مفارقة لا يمكن إصلاحها بمجرد اللقاء.
ومع ذلك، فإن وصف المشهد بالكوميديا المأساوية لا يعني إلغاء المسؤولية أو تحويل الاعتقال إلى طرفة. على العكس، ربما تكون السخرية هنا أكثر إدانة من الغضب المباشر، لأنها تكشف عبث السلطة حين يصبح مصير الإنسان قراراً بلا تهمة، ثم يصبح اللقاء بعد عقود أمراً ممكناً وكأن الزمن يستطيع أن يمحو ما حدث.
لذلك، فإن أكثر ما يثير "الابتسامة المرة" في هذا اللقاء ليس أن المعتقل التقى بمن أمر باعتقاله، من دون أن يستطيع أي لقاء أن يعيد السنوات التي ضاعت.
إنها، في النهاية، كوميديا مأساوية بالمعنى الأكثر مرارة للكلمة: مأساة في أصلها، وكوميديا في مفارقتها، وعبث في نهايتها. فالضحكة التي قد يولدها المشهد ليست ضحكة الفرح، وإنما تلك الابتسامة التي ترافق إدراك الإنسان أن بعض الوقائع أكبر من أن تُروى بوصفها مأساة خالصة، وأشد عبثاً من أن تُروى بوصفها حدثاً عادياً.
بعد ثلاثة وعشرين عاماً خلف القضبان، خرجتُ من المعتقل، لكنني لم أخرج من ذاكرة السجن. وفي 30 تشرين الأول 1994، وجدتُ نفسي وجهاً لوجه أمام الرجل الذي ارتبط اسمه بسنوات اعتقالي الطويلة: حافظ الأسد "أبو سليمان".
كان لقاءً تتجاور فيه المفارقة مع الألم؛ لقاء السجين بمن هو صاحب القرار في سجنه، والعناق فيه لا يمحو ثلاثة وعشرين عاماً من الحرمان، والكلمات الودودة لا تستطيع أن تستعيد ما مضى.
أُطلق أعضاء القيادة من المعتقل على دفعات متتالية. كان قد أُطلق الرفيق عضو القيادة القومية حاكم الفايز من الأردن، ثم أُطلق الرفيق عضو القيادة القومية سلمان عبد الله من العراق.
وبعد أن أكدت التقارير الطبية، بصورة قاطعة، أن حياتهم لم يعد يُرجّح أن تمتد أكثر من بضعة أشهر، جاء إطلاق الرفيق الدكتور نور الدين الأتاسي، ثم الرفيق محمد رباح الطويل، وبعده الرفيق يوسف البرجي من فلسطين، "عضو القيادة القطرية للتنظيم الأردني -الفلسطيني الموحد".
وكان الرفيق المرحوم محمد رباح الطويل بعد اطلاقه، قد قابل حافظ الأسد، طالباً منه منحه جواز سفر يتيح له العلاج في الخارج، لكنه لم يحصل عليه. وحين سأله عن مصير بقية الرفاق المعتقلين من أعضاء القيادة، أجابه بأنهم سيُطلق سراحهم على دفعات، من دون تحديد موعد لذلك.
كان ذلك في حزيران 1993، وفي إحدى أمسياته، دخل المسؤول في السجن، المعروف باسم «رئيس اليومية»، إلى مكان اعتقالنا، وأبلغ الرفيق عضو القيادة القومية مجلي نصراوين، من الأردن، أن "يَضُب" أغراضه خلال نصف ساعة، من دون أن يقدم أي تفسير.
استغربنا الأمر. فمثل هذا الطلب كان يمكن أن يعني نقله إلى سجن آخر، أو نقله إلى الزنزانة الانفرادية. لكن بعد يومين، وفي المساء، جاء «رئيس اليومية» وأبلغ الرفيق عضو القيادة القطرية محمد سعيد طالب أن «يَضُب» أغراضه فوراً. عندها بدأنا ندرك أن قرار الإفراج قد دخل حيّز التنفيذ.
وتكرر المشهد مساء كل يومين. أُبلغ الرفيق حسن الخطيب، من فلسطين، "عضو القيادة القطرية للتنظيم الأردني ـ الفلسطيني الموحد"، ثم أُبلغ الرفيق كامل حسين، كان عضواً في قيادة الحزب، ثم سفير سورية في فرنسا. وبعد ذلك، وفي الموعد الذي اعتدنا فيه انتظار التبليغ، لم يأت أحد.
اعتقدنا نحن الباقون من أعضاء قيادة الحزب أن دفعة الإفراج هذه قد انتهت، وأن علينا انتظار دفعة أخرى، في موعد لا يعرفه أحد.
وفي صباح اليوم الثالث، قرابة التاسعة، حضر «رئيس اليومية» وأبلغني أن أُجَهز نفسي خلال نصف ساعة.
كانت شعبة المخابرات العسكرية تستضيف من يُفرج عنه مساءً، لليلة واحدة، في مقرها. وفي صباح اليوم التالي يلتقيه رئيس الشعبة، اللواء حسن خليل، وبعد أحاديث لا يُبنى عليها، إنما لتمضية الوقت تنتهي بطرح سؤال تقليدي من رئيس الشعبة على المفرج عنه: هل تريد الاجتماع بأحد المسؤولين؟
ويكون الجواب المعتاد: لا مانع من أن ألتقي بمن يريد لقائي.
وبما أنني أُطلقت صباحاً، التقيت اللواء حسن خليل، وكانت معرفتي به تعود إلى أيام كان فيها برتبة ملازم أول في معسكر القطيفة، وبعد دردشة طويلة طرح عليَّ السؤال نفسه، فأجبته: لا مانع عندي من لقاء من يريد لقائي. وأخبرني أنني آخر من يُطلق سراحه في تلك الدفعة حسب القائمة التي وصلته من الرئيس. وكان يَرفع تقريراً عمَّا دار في اللقاء إلى مكتب الرئيس.
غادرتُ بعد ذلك إلى منزل الأهل.
كان ضحى يوم 30 تشرين الأول 1994. كنت قد غادرت المنزل باكراً، وكنت على موعد مع رفيقي محمد سعيد طالب في مكتب أحد الأصدقاء عند مدخل سوق مدحت باشا.
وما إن وصلت حتى بادرني قائلاً:
إن حسن خليل يبحث عنك، وقد اتصل هاتفياً بمنزل كل أصدقائك لعله يجدك.
استغربت الأمر، واتصلت بحسن خليل، الذي كان قد زوّد المفرج عنهم برقم هاتفه الخاص. سألني عن مكاني، وقال إنه سيرسل سيارة تقلني إلى مكتبه.
اعتذرت، وأبلغته أنني سأوافيه بنفسي.
وصلت إلى مبنى المخابرات العسكرية، فإذا به ينتظرني عند الباب. بادرني قائلاً: إن الرئيس يريد اللقاء معك وحدد موعداً في الساعة العاشرة، وكانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة.
انطلقت بنا السيارة بأقصى سرعة نحو قصر الشعب.
وفي الطريق، بدأت خيوط ذكريات مؤلمة، طالما دفنتها في أعماقي، تتجمع من جديد. مجرد التفكير في أنني سألتقي حافظ الأسد كان يثير في داخلي رفضاً عميقاً. ظل الوجوم يرافقني طوال الطريق.
لكن الرئيس لم يكن في قصر الشعب.
سألت حسن خليل:
كيف لا تعرف أين يوجد الرئيس، وأنت رئيس شعبة المخابرات العسكرية؟
أجابني، بشيء من الحرج، أن أمن الرئيس من مسؤولية مخابرات القوى الجوية.
اتجهت بنا السيارة إلى مقر الرئيس في نهاية شارع أبو رمانة.
كانت الساعة تقارب الحادية عشرة والنصف.
استقبلني مدير المراسم، وغادر حسن خليل. وقادني فوراً إلى قاعة كبيرة كان الرئيس يلتقي فيها زواره، وأوصاني بأن مدة المقابلة ساعة واحدة.
جلست على الأريكة.
وما إن استقررت في مكاني حتى دخل حافظ الأسد من الباب الذي يصل القاعة بمكتبه، وكان يحمل في يده ظرفاً أصفر كبيراً.
كان اللقاء بالعناق، وكان الترحيب حاراً.
جلسنا إلى جانب بعضنا.
ومن الناحية الأخلاقية، رأيت أن من واجبي أن أقدم له التعزية بوفاة ابنه باسل.
بادرني "أبو سليمان" بالقول:
"تعلم كم أنا أحبكم؟ أنتم رفاقي ـ يقصد القيادة ـ وتاريخنا النضالي مشترك، ولكن الظروف السياسية اقتضت ما حدث. ونادراً جداً ما ألتقي بأعضاء القيادة. يقصد قيادة حزبه".
ثم انتقل للحديث عن وضعه الصحي، وعن ممارسته الرياضة منذ أيام الدراسة، وأنه لا يزال يمارسها بما يتلاءم مع عمره، وأن الاجتماعات الطويلة باتت ترهقه.
بعد ذلك سألني عن صحتي وعن حال والديّ. وعمَّا إذا كنت أملك شقة سكن.
أخبرته أن والدي توفي في حزيران 1991، وأن أحد أشقائي بعث برقية إلى مكتبه، طالباً إطلاق سراحي لبضعة أيام حتى أتمكن من المشاركة في تشييع والدي إلى مثواه الأخير، كما جرت العادة بالنسبة إلى المعتقلين السياسيين.
نفى أن تكون البرقية قد وصلته. واقترح أن أُسجل في جمعية سكنية، بعدما أطلعته أنني لا أملك شقة للسكن.
وادعى كذلك أن أحداً لم يبلغه بتطور مرض الدكتور نور الدين الأتاسي، وأنه كان قد اجتمع به ووعده بأن يجتمع معه مرة أخرى بعد أن يستريح.
ثم تحدث طويلاً عن بعض الرفاق، ولا سيما العسكريين منهم، فتناول عبد الكريم الجندي، ومحمد رباح الطويل، وأحمد السويداني، لكنه تغاضى الحديث عن المرحوم اللواء صلاح جديد وسبب وفاته.
وتحدث بإسهاب عن قوة الحزب في الخمسينيات، وعن مشاركته، عندما كان طالبا في اللاذقية، في التصدي للإخوان المسلمين، وقال إنهم "البعثيين" كانوا ينتصرون عليهم دائماً.
شرحتُ له الظروف الصحية الصعبة للرفاق الذين ما زالوا في المعتقل.
أجابني بأنه قرر إطلاق سراحهم، لكنه لم يحدد موعداً لذلك.
أسهب طويلاً في حديثه عن المنجزات التي تحققت، ومن دفتر صغير قرأ أرقاماً عن نسب النمو وزيادة الدخل القومي .....
وتحدث عن:
-دخول القوات السورية إلى لبنان لمنع وقوع مجزرة بالمناطق المسيحية في حال دخول قوات الحركة الوطنية اللبنانية مع قوات منظمة التحرير الفلسطينية.
-الوحدة السورية العراقية ووأدها من قبل صدام حسين بانقلابه على الرئيس أحمد حسن البكر، وإعدامه لعدد من كبار القادة البعثيين مِنْ عسكريين ومدنيين.
ثم انتقل بالحديث إلى أسباب اعتقال رياض الترك وجماعته، وتحالفهم مع الإخوان المسلمين وتسليح أعضاء حزبه.
وتحدث مطولاً عن نشاط الإخوان المسلمين، مدعياً أنه بعد استلامه السلطة أصدر توجيهاته إلى أجهزة الأمن بعدم التعرض لأي مواطن، واستغل الإخوان ذلك، وأنه استقبل وفداً منهم برئاسة المراقب العام حسن هويدي، ومعه عدد من قادتهم من حلب.
وقال إن الحلبيين غادروا سوريا بعد ذلك إلى الأردن مباشرة، وإنه فهم من ذلك أن هناك أوامر لتنظيمهم بالاستمرار في أعمال الشغب والاغتيالات.
وتحدث عن مجزرة مدرسة المدفعية بحلب التي خطط لها الإخوان المسلمون. وعن عمليات الاغتيال التي قال إن عدد ضحاياها بلغ 125 شخصاً، وعن العصيان المسلح في حماة ومناطق أخرى من سوريا، وعن دور بعض الدوائر في الولايات المتحدة في إمدادهم بأجهزة متطورة، مشيراً إلى أن الرئيس ريغان كان قد نبه السفير فيليب حبيب إلى أن تغيير الأنظمة لا يتم من الخارج.
ثم تحدث عن الفترة التي أعقبت القضاء على التمرد المسلح للإخوان المسلمين.
قال إن وفداً من محافظة حماة، برئاسة مطران محردة، زاره، وشرح له المجازر والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها القوات العسكرية بحق الأبرياء في حماة.
وأضاف أي "حافظ" أبديت دهشتي مما سمعت، وسألت المطران عن مصدر معلوماته، وإن أياً من القادة العسكريين أو الأمنيين الذين شاركوا في قمع التمرد لم يذكر لي شيئاً مما أوردته أنت وأعضاء الوفد، مؤكداً لهم أن معلوماتهم خاطئة ومضللة.
ثم تابع حديثه عن زيارة السفير الأميركي المتقاعد مورفي، الذي سبق أن شغل منصب السفير في سوريا أكثر من مرة، و"كان من محبي العرب".
قال إن السفير مورفي تحدث معه عن الأصولية وتطورها عالمياً، وأضاف أنني ناقشته في الأصولية في أوروبا وفي الأصولية اليهودية. ثم تطرق مورفي إلى أحداث حماة، وعن القسوة والوحشية الكبيرة التي تعاملت بها السلطة مع السكان في حماة والمدن السورية الأخرى.
ثم داعبه الأسد قائلاً:
"لا أستغرب في زيارتك اللاحقة لسوريا أن أراك ملتحياً وعضواً في حزب الإخوان المسلمين".
بعد ذلك سألني "أبو سليمان":
لماذا أبو موسى " ضافي الجمعاني، الأمين القطري للتنظيم الأردني- الفلسطيني الموحد وقائد قوات الصاعقة" ـ لا يترك فرصة، وحتى بحضور الحراس، إلا ويهاجمني؟
أجبته:
وهل تتوقع منه غير ذلك؟
إنه ضابط بعثي في الجيش الأردني، وعضو في تنظيم الضباط الأحرار، وقد اتُهم هذا التنظيم أوائل عام 1957 بالعمل على الانقلاب على الملك حسين. وحُكم على أعضائه بعقوبات، أقلها خمسة عشر عاماً.
ومع ذلك، كانت توجيهات الملك تقضي بإحضار هؤلاء المحكومين من سجن الجفر الصحراوي، سيئ الصيت، إلى سجن في عمان كلما حان موعد زيارة أهلهم لهم، حتى لا يتحمل ذووهم مشقة السفر إلى سجن الجفر.
وهكذا استمر الأمر.
وبعد خمس سنوات صدر عفو عنهم، وأعيد توزيعهم على وظائف في المؤسسات المدنية.
أما "أبو موسى"، فقد مضى على اعتقاله نحو ثلاثة وعشرين عاماً، في عهد يدّعي أنه عهد "البعث"، وسبب ذلك لأنه رفض ورفاقه العمل معكم.
ثم سألته:
ماذا تريد أن يكون موقفه؟
قال حافظ الأسد:
لقد استقبلت صباح اليوم زيد الرفاعي، رئيس الديوان الملكي، موفداً من الملك حسين، راجياً إطلاق "أبو موسى"، وقد أصدرت أوامري بذلك.
ثم تابع:
إنني على اطلاع على الظروف المادية، لأعضاء القيادة، وسأوفر لكم حياة كريمة، ولن أسمح لأحد- يقصد الأجهزة الأمنية- بالإساءة إليكم.
ثم أضاف:
خصصتُ لك راتباً شهرياً من القصر قدره عشرة آلاف ليرة. وقدم لي الظرف الأصفر، قائلاً: وهذا المبلغ لتستعين به مؤقتاً. وسوف أعطي أوامري لـ "أبو سليم دعبول" لتلبية كل ما تحتاج إليه.
اعتذرت عن قبول الراتب الشهري، كما اعتذرت عن قبول الظرف الأصفر.
وقلت له:
إن متطلباتي الشخصية محدودة، وراتبي التقاعدي، الذي استهلك التضخم جزءاً كبيراً من قيمته، يلبي حاجاتي. لكن المشكلة ليست مشكلة فردية، وإنما تشمل جميع أعضاء القيادة المعتقلين، وبعضهم لم يكن موظفاً أصلاً ولا يملك دخلاً.
وإذا كنت ترغب في حل المشكلة المادية لأعضاء القيادة، فهناك عدة سبل متاحة وهي من صلاحياتك.
امتقع وجه حافظ الأسد، وهو اللئيم والحقود، عندما رفضت قبول ما قدمه لي باعتباره "مكرمة".
كنت أعرف أن رفضي سيغلق الباب أمام أي اقتراح آخر يمكن أن أقدمه. وأدركتُ في تلك اللحظة وأنا الذي أعرفه، أن وعوده بتوفير حياة كريمة لنا، وعدم السماح لأحد بالإساءة إلينا، لن تكون أكثر من كلمات قيلت في قاعة مغلقة، ولن يكون لها انعكاس حقيقي على أرض الواقع.
كان مدير المراسم، كلما مرت ساعة، ينقر على باب القاعة نقرة خفيفة ثم يفتخه قليلاً، مذكراً بالوقت.
وكان "أبو سليمان" يصرفه بإشارة من يده.
مرت الساعة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
لكن اللقاء لم ينتهِ.
استمر الحديث حتى الساعة الثالثة والنصف، أي نحو أربع ساعات كاملة.
أربع ساعات جلس فيها السجين السابق بتوتره النفسي إلى جوار سجّانه، وتبادلا الذكريات والعتاب والوعود والحديث عن الماضي، وكأن ثلاثة وعشرين عاماً من السجن يمكن أن تختصرها مصافحة، أو عناق، أو ظرف أصفر.
لكن السنوات لا تختفي بالعناق، والزنزانة لا تُمحى بالكلمات.
كان ذلك، في النهاية، لقاءً تختصره مفارقة قاسية:
السجين خرج من السجن، لكنه جلس أمام الرجل الذي كان يملك مفاتيح سجنه؛ أما ثلاثة وعشرون عاماً، فلم يكن أحد يملك مفتاحاً لإعادتها.