كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من التغيير في المؤسسات إلى التغيير بالمؤسسات

١- التغيير في المؤسسات:
مع بداية الألفية الجديدة، تمّ تأسيس مكتباً للتنمية الإدارية في سورية ضمن برامج التطوير الإداري المقدمة من الاتحاد الأوروبي آنذاك.
حالفني الحظ بالحصول على نسخة من كتاب صدر عن الاتحاد الأوروبي وتمّ توزيعه عبر مكتب دمشق، عنوانه "التغيير في المؤسسات"، يشرح بشكل أكاديمي عن أسس التغيير في المؤسسات بغية تطوير مفاهيم العمل التي كانت سائدة آنذاك وعلى رأس هذه المفاهيم ضبط الجودة وفق المعايير العالمية(ISO 9001 أو أيزو 27001) وفق شهادة خاصة للجودة والتي نشرت لأول مرة في العام ١٩٨٧ لتكون معياراً لعلم إدارة الجودة.
التسويق، كان المفهوم الثاني؛ الذي بدأ كنشاط تجاري قديم قدم الحضارة الإنسانية، مقتصراً على مقايضة السلع في تلك الحقب.
ظهر مصطلح "تسويق" للمرة الأولى في القرن السادس عشر ، وأشار حينها إلى عمليات البيع والشراء في السوق. أما التعريف المعاصر للتسويق، كعملية نقل للبضائع من المنتج إلى المستهلك مع التركيز على المبيعات والإعلانات عنها، كان ظهوره للمرة الأولى وفق هذا المفهوم في العام ١٨٩٥.
أما التسويق، بمفهومه الحديث، كعلم مستقل من علوم الإدارة يعتمد على: الإحصاء والتحليل، والتخطيط ،والضبط، كان على يد أبو علم التسويق الحديث، العالم الأمريكي "فيليب كوتلر" المولود في شيكاغو ١٩٣١ (٩٥ عاماً) الذي درّسَ لمدة خمسين عاماً و ألف كتابه الأكاديمي الأوسع انتشاراً في العالم "إدارة التسويق" الذي جمع بين البيانات والإحصاءات ،والحاجات والرغبات الإنسانية.
٢- التغيير بالمؤسسات أو عبر المؤسسات:
شدّني العنوان، لأنه يلامس حاجة سورية عامة وملحّة إلى إيجاد حلول واقعية للخروج من الكارثة التي عصفت ببلدنا ومجتمعنا. ويأتي التسامح في مقدّمة هذه الحلول، لا باعتباره شعاراً أخلاقياً مجرداً، وإنما باعتباره مساراً يحتاج إلى فهمٍ واضحٍ وإلى آليات عملية، تمهّد للاندماج وإعادة التأهيل، وتساعد السوريين على استعادة إمكانية قبول بعضهم بعضاً، رغم عمق الانقسامات والجراح التي خلّفتها الأزمة.
لقد كانت الأزمة التي عصفت بسوريا عنيفة ومدمّرة إلى حدّ بات يهدّد وحدة المجتمع ومستقبل الدولة، وربما وجود البلد نفسه. والأشدّ إيلاماً أن السوريين لم يكونوا مجرد ضحايا لتدخلات وصراعات الخارج، بل أسهم أبناؤه، بدرجات متفاوتة، في تعميق جراحه وتمزيق نسيجه، حتى أصبح خطر التلاشي والانهيار أكثر واقعية من أي وقت مضى. ومن هنا تبرز أهمية البحث الجاد في سبل المصالحة والتسامح وإعادة بناء الثقة، باعتبارها شروطاً أساسية لاستعادة سوريا عافيتها ومستقبلها.
عنوان الكتاب موضوع الحديث.
صدر في تموز ٢٠٢٦ عن دار جامعة برينستون جنوب غرب نيويورك ، وهي من أعرق الجامعات الأمريكية(تأسست ١٧٤٦)هو:
"Delivering Tolerance: How Unintended Institutional Inclusion Reduces Prejudice"
وترجمته الحرفية:
" تقديم التسامح، كيف يسهم الإدماج المؤسسي غير المقصود في تقليل التمييز"
أما المؤلف فهو Chagai M. Weiss (تشاغاي م. وايس) هو أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة تورنتو، وهو أبضاً أستاذ ذو كرسي، في معهد" أندريا وتشارلز برونفمان " الإسرائيلي للدراسات والأبحاث . وهو باحثٌ مختص في العلاقات بين الجماعات والاقليات، والحد من التميز.
ينطلق الباحث من واقع العلاقة بين اليهود والعرب داخل إسرائيل، متخذاً من العلاقة بين المواطنين الإسرائيليين والفلسطينيين حالةً رئيسية لدراسة الكيفية التي يمكن من خلالها تعزيز التسامح والحد من التحيز بين الجماعات المختلفة، مع التركيز على دور المؤسسات في تشكيل مواقف الأفراد تجاه الجماعات الأخرى.
يحاول الباحث الإجابة عن السؤال الجوهري الذي يدور حوله بحثه المميز :
هل يمكن أن يؤدي إدماج الأقليات داخل المؤسسات العامة إلى تقليل التحيّز ضدها، حتى لو لم يكن الهدف الأساسي من هذا الإدماج هو تغيير مواقف الأغلبية؟ ويجيب المؤلف : نعم يمكن.
قبل أن نغوص في الجواب، لابد من لفت نظر القارئ إلى المفردة الأكثر إثارةً في العنوان والتي يمكن أن تكون مفتاحاً لفهم ما يرمي إليه خلال الإبحار بين دفتي الكتاب.
المفردة هي "Unintended" في عنوان الكتاب وتعني حرفياً" غير المتعمّد، أوغير المقصود" لشرح المفهوم الذي يرمي إليه في بحثه، وهو أن المؤسسات قد لا تُنشأ أصلاً بهدف المصالحة بين الطوائف أو الجماعات. ولكن في المؤسسات القائمة. فعلى سبيل المثال، وفي المؤسسات الطبية كالمشافي، تظهر الحاجة إلى أطباء أكفاء بغض النظر عن أصولهم العرقية والإثنية، وحتى الطائفية. فإذا وحد ضمن هؤلاء أطباء وممرضين من أقلية معينة، فإن المؤسسة تقوم عملياً بخلق اندماج يؤدي إلى تسامح غير مقصود وغير مباشر.
بمعنى أكثر وضوحاً يمكن القول: إن الحاجة إلى تقديم الخدمة،عبر توظيف أفراد من الأقليات ، يؤدي إلى احتكاك مباشر مع الأغلبية، ويخلق معرفة شخصية أفضل، ممايؤدي بالضرورة إلى تراجع بعض الأحكام المسبقة.
ويسمي المؤلف هذا نوعاً من “تقديم التسامح غير المتعمّد” عبر المؤسسات.
أهمية الكتاب، تكمن في أن المؤلف لا يتحدث فقط عن تغيير القوانين، أو إطلاق حملات إعلامية ضد العنصرية؛ بل يقترح أن تصميم المؤسسات نفسها يمكن أن يكون أداة لتغيير العلاقات بين الجماعات.
وهو يختبر الفكرة أيضاً خارج الحالة الإسرائيلية، بما في ذلك أمثلة من الولايات المتحدة وألمانيا. وأيضاً عبر مؤسسات أخرى غير المشافي. مثل التدريس، الشرطة، القضاء….الخ.
بالعودة إلى الحالة الفلسطينية-الإسرائيلية
عرض المؤلف نتيجة، وهي أن تعامل المرضى اليهود مع أطباء فلسطينيين يمكن أن يؤدي إلى انخفاض التحيز تجاه الفلسطينيين، حتى عندما يكون التفاعل قصيراً لكنه حقيقيّاً، وذا أهمية بالنسبة للمريض. كما وجد أن مجرد معرفة الناس بوجود نسبة مهمة من الفلسطينيين داخل مؤسسة للرعاية الصحية( مشافي ، مستوصفات) يمكن أن تقلل من حالة العداء بين الجماعتين .
٣- محاولة شخصية لمقاربة نظرية الكاتب على الحالة السورية:
بالتأكيد. يمكن أن تكون نظرية الكتاب مفيدة جداً عند إسقاطها على الحالة السورية، لكن يجب الحذر من نسخ نتائجها آلياً من حالة إسرائيل إلى سورية عبر منطق قص ولصق السائد هذه الأيام في الفضاء الافتراضي العجيب.
نعود إلى مقاربة الفكرة على الحالة السورية، في أن الاندماج داخل المؤسسات قد ينتج أثراً اجتماعياً يتجاوز الهدف الأصلي للمؤسسة.
فإذا كان جهاز الدولة يضم بشكل متوازن ومعقول ، أفراداً من كافة الأطياف والمشارب السورية، فإن المواطن لا يتعامل مع الآخر باعتباره مجرد «طائفة»، بل باعتباره طبيباً، قاضياً، ضابطاً، مدرساً، موظفاً أو مديراً.
وهنا تحدث عملية مهمة:
تتمثل في الاحتكاك المؤسسي ، الذي يؤدي إلى المعرفة الشخصية، التي تقود حتماً إلى تراجع الصور النمطية وإلى انخفاض التحيز ، لتبدأ بوادر عودة الثقة المتبادلة، ويأتي التسامح غير المقصود كنتيجة لهذه الآلية.
إسقاط الدراسة على واقع العلويين في سورية:
بعد عقود من الصراع، تحولت صورة العلوي في ذهن بعض السوريين من مواطن له هوية دينية واجتماعية محددة، إلى صورة مرتبطة حصراً بـالنظام السابق وأجهزته الأمنية والعسكرية.
هنا يمكن أن يكون الإدماج المؤسسي وسيلة فعالة لفك هذا الارتباط بين العلويين والنظام السابق.
فعندما يرى المواطن السني، مثلاً، قاضياً أو طبيباً أو أستاذاً جامعياً أو ضابط شرطة علوياً يعمل ضمن مؤسسة وطنية ويحمي حقوق الجميع، فإن العلاقة تصبح شخصية ومؤسسية بدلاً من أن تكون علاقة جماعات متصارعة.
يقودنا الحديث إلى سؤال غاية في الأهمية، وهو: هل الإدماج في المؤسسات في حالتنا السورية يكفي وحده؟ ماذا إذا كانت المؤسسة نفسها منحازة أو قمعية؟
في هذه الحالة يؤدي وجود الأقليات فيها إلى النتيجة العكسية تماماً.
ففي الحالة السورية لدينا جهاز أمني وعسكري يُنظر إليهما على أنهما يمثلان جماعة معينة، ولذلك فإن مشاركة أفراد تلك الجماعة فيه قد عززت الصورة النمطية ومنحتها بعض الشرعية الزائفة بوجود أفرادا من جماعات أخرى ، مما يؤدي إلى تلاشي مانسعى إليه في تعزيز التسامح غير المتعمّد الذي هو أساس البحث.
لذلك يجب أن يكون الإدماج ، مؤسسياً، وطنياً، قائماً على القانون، غير مرتبط بهوية طائفية. ويضمن وجود أفراد من مختلف المكونات داخل هذه المؤسسات، مع تطبيق قانون واحد على الجميع، يمكن أن يؤدي إلى بناء ثقة عابرة للطوائف.
أي أن أن التسامح غير المتعمّد هو أن يجد المواطن نفسه يبدأ تدريجياً في رؤية نفسه والآخرين من خلال عضويتهم في المؤسسة الوطنية، وليس فقط من خلال انتمائهم الطائفي أو الإثني.
وهذا مهم جداً في سورية، لأن أحد أكبر التحديات بعد سنوات الصراع هو إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وليس مجرد إعادة بناء مؤسسات الدولة.
خاتمة:
كلما ازداد التمثيل المتوازن للمكونات السورية داخل المؤسسات الوطنية، وازداد الاحتكاك المؤسسي اليومي بينها، كلما انخفضت الصور النمطية والتحيزات المتبادلة، بشرط أن تعمل المؤسسة وفق قواعد قانونية وطنية محايدة.
أخيراً، يمكن لأي مواطن إجراء الاختبار ميدانياً على ذاته وفي محيطه، من خلال مقارنة نظرته للآخر في حال وجود احتكاك مؤسسي ، وعند عدم وجود هذا الاحتكاك مع أشخاص آخرين من جماعات أخرى. وسيظهر مباشرة الفارق في مواقف أشخاص يتعاملون بانتظام مع أفراد من مكونات أخرى داخل المستشفيات والجامعات والمحاكم والشرطة والإدارة المحلية، مع أشخاص لا يحدث بينهم هذا النوع من التفاعل.
للمهتمين أقول: يمكن اعتبار نظرية الكتاب أداة مهمة جداً لدراسة مستقبل التعايش السوري، وليس مجرد كتاب عن إسرائيل.
مركز أرواد للبحوث السياسية،
أوهايو ، الولايات المتحدة الأمريكية
الثلاثاء ١ أيلول ٢٠٢٦
المهندس لؤي أحمد سلمان