كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الإمارة التنوخية في اللاذقية (حوالي 249-477هـ / 863-1084م)

سيمون خالد علي

لم تكن الإمارة التنوخية في اللاذقية حدثاً تاريخياً معزولاً أو وليد الصدفة، بل كانت التجسيد المنطقي لدور تاريخي امتد لقرون، لعب فيه التنوخيون دور طبقة أرستقراطية عسكرية متخصصة في الدفاع عن الحدود. لقد كانت بمثابة إعادة تفعيل لنموذج جيوسياسي أثبت نجاحه، تم تكييفه من سياق بيزنطي-مسيحي ما قبل الإسلام إلى سياق عباسي-إسلامي جديد.

يعود تاريخ التنوخيين، كحلف قبلي عربي، إلى القرن الثاني الميلادي في شرق شبه الجزيرة العربية، ومنها هاجروا لاحقاً ليستقروا في بلاد الرافدين والشام. وفي القرن الرابع الميلادي، برزوا كقوة محورية على حدود الإمبراطورية الرومانية الشرقية، حيث أصبحوا أول حلفاء عرب (foederati) للروم، مشكلين دولة حاجزة لحماية حدود الإمبراطورية ضد الإمبراطورية الساسانية الفارسية وحلفائها من المناذرة.
إن وجودهم ككيان سياسي منظم هو حقيقة تاريخية أثبتتها الاكتشافات الأثرية. ويُعد نقش أم الجمال النبطي-اليوناني من القرن الثالث الميلادي، الذي يذكر جذيمة ملك تنوخ، ونقش النمارة المؤرخ بعام 328 م، الذي يُعد شاهد قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم، من أقدم الأدلة المادية على وجود مملكة عربية قوية ومركزية في بلاد الشام قبل الإسلام. لم تقتصر هويتهم على البعد العسكري، بل كانوا مسيحيين أرثوذكس متدينين، حتى أن ملكتهم الشهيرة ماوية قادت في القرن الرابع ثورة ضد الإمبراطور الروماني الآريوسي فالنس، للمطالبة بتعيين أسقف أرثوذكسي على رعيتها.
هذا الإرث العميق يفسر القرار العباسي اللاحق بالاعتماد عليهم. ففي مواجهة التهديد البيزنطي البحري المستمر على سواحل الشام، لم يلجأ العباسيون إلى تجربة جديدة، بل استعانوا بـ تقنية مجربة في إدارة الحدود. فكما استخدم الرومان التنوخيين كدرع ضد الفرس، استخدم العباسيون أحفادهم كدرع ضد الروم. وبهذا المعنى، لم تكن نشأة إمارة اللاذقية مجرد هجرة قبلية، بل كانت إعادة تفعيل لنموذج سياسي-عسكري أثبت فعاليته، مما يفسر الاستقرار والقدرة العسكرية التي أظهرتها الإمارة منذ تأسيسها.
بعد استقرار حدود الخلافة الإسلامية مع الإمبراطورية البيزنطية في شمال الشام وكيليكية، تبنى العباسيون، خاصة في عهد هارون الرشيد، سياسة دفاعية منظمة عُرفت بنظام الثغور والعواصم. وقد قسم هذا النظام المنطقة الحدودية إلى خطين دفاعيين: خط أمامي متقدم من الحصون والقلاع عُرف بـ الثغور، وخط خلفي للدعم والتموين عُرف بـ العواصم. كانت هذه السياسة تهدف إلى تحويل المنطقة الحدودية من فراغ عسكري إلى جدار دفاعي مأهول، وذلك عبر إعادة بناء الحصون البيزنطية المهجورة وتوطين الجنود والمستوطنين من مختلف أنحاء الخلافة، بما في ذلك الشام وخراسان وفارس.
كانت اللاذقية، بمينائها الاستراتيجي وتاريخها الممتد منذ العصرين الهلنستي والروماني، جزءاً حيوياً من الثغور الشامية، ونقطة ضعف رئيسية أمام الغارات البحرية البيزنطية المدمرة. في هذا السياق، جاء توطين التنوخيين في المنطقة. فبعد سقوط حلفائهم الأمويين وصعود العباسيين الذين اتخذوا من العراق مركزاً لهم، تراجع نفوذ التنوخيين بشكل كبير، وبلغ هذا التراجع ذروته عام 780م عندما أُجبروا على اعتناق الإسلام. ونتيجة للضغوط والحروب الأهلية في أوائل القرن التاسع، تحول مركز استيطانهم تدريجياً نحو الجنوب الغربي، ليستقروا في جبال اللاذقية وطرطوس، والتي أصبحت تُعرف في القرن العاشر بـ جبل تنوخ.
هذا التحول يمثل مفارقة تاريخية عميقة. ففي حين كان انتقالهم إلى الساحل نتيجة لتهميشهم السياسي من قبل المركز العباسي، إلا أنه منحهم في الوقت نفسه دوراً جديداً ومحورياً. لقد تحولوا من حلفاء مسيحيين على أطراف إمبراطورية إلى لاعبين أساسيين في قلب المشروع العسكري والأيديولوجي للخلافة العباسية، الجهاد والدفاع عن دار الإسلام. وبهذا، أُعيد دمجهم في بنية الدولة، ليس كقوة قبلية هامشية، بل كعنصر وظيفي لا غنى عنه في واحدة من أكثر جبهات الخلافة حساسية.
امتد عمر الإمارة التنوخية لأكثر من قرنين، وقد كان بقاؤها نتاجاً لبراغماتية سياسية لافتة. لقد عملت ككيان شبه مستقل، لم يكن ولاؤه الأول للخلافة البعيدة أو لمفهوم مجرد، بل كان للحفاظ على وجوده الذاتي، مما تطلب قدرة فائقة على المناورة بين القوى الإقليمية المتصارعة (الخلافة العباسية، والدولة الحمدانية، والإمبراطورية البيزنطية).
شكل بنو الفصيص، وهم فرع من تنوخ، الأسرة الحاكمة للإمارة. وتكشف المصادر، وعلى رأسها شعر المتنبي، عن أسماء عدد من أمرائها، مثل المؤسس يوسف بن محمد، وأبنائه إسحاق وإبراهيم، وحفيديه محمد والحسين ابني إسحاق، وابن عمهما علي بن إبراهيم بن يوسف.
ويشير تتابع هؤلاء الأمراء إلى وجود توتر بنيوي في آلية انتقال السلطة. فبينما كان التنوخيون يعملون تاريخياً كحلف قبلي قد تكون فيه الزعامة جماعية أو متنازعاً عليها، فإن تأسيس إمارة إقليمية مستقرة تطلب الانتقال إلى نظام حكم وراثي أكثر مركزية. ويبدو أن هذا التحول لم يكن سلساً. فالصراع المحتمل بين فرعي إسحاق وإبراهيم على السلطة لم يكن مجرد خلاف عائلي، بل كان انعكاساً لهذا التحول السياسي الصعب. إن غياب آلية واضحة ومستقرة لانتقال السلطة جعل الإمارة عرضة للضغوط الخارجية، كما حدث عام 319 هـ / 931 م عندما استغل القائد العباسي مؤنس المظفر هذه الانقسامات لإرسال جيش حاصر اللاذقية وأخضعها مؤقتاً لسلطة بغداد. وفي هذا السياق، يمكن فهم الدور الذي لعبه شاعر بحجم المتنبي، حيث استُخدم شعره كأداة لترسيخ شرعية أمير على حساب منافسيه، مما يحول الشعر إلى أداة فاعلة في أزمات الخلافة على الحكم.
كان بقاء الإمارة مرهوناً بقدرتها على إدارة علاقاتها المعقدة مع القوى الثلاث الكبرى المحيطة بها:
 مع الخلافة العباسية: بدأت العلاقة بالرعاية والتبعية، حيث كانت الإمارة قاعدة متقدمة للخلافة. لكن مع تزايد استقلالية الأمراء، تحولت العلاقة إلى توتر وصراع، كما تشير المصادر إلى حروب دارت بين بني الفصيص والعباسيين، وبلغت ذروتها بحصار اللاذقية عام 319 هـ.
 مع الدولة الحمدانية: مع بزوغ نجم سيف الدولة الحمداني في حلب حوالي عام 944 م، تغير ميزان القوى بشكل جذري. وبدلاً من المواجهة الخاسرة، اختار التنوخيون التحول إلى تابعين لسيف الدولة، لتصبح إمارتهم جزءاً من فلك الدولة الحمدانية، وتشارك قواتهم في حروبها المستمرة ضد البيزنطيين.
 مع الإمبراطورية البيزنطية: كانت الوظيفة الرسمية للإمارة هي الدفاع ضد البيزنطيين. إلا أن الواقع فرض سياسة أكثر براغماتية. والمثال الأبرز هو ما حدث عام 357 هـ / 968 م، عندما قاد الإمبراطور نقفور فوقاس حملة كبرى على سواحل الشام. فبدلاً من المقاومة الانتحارية، نزل الأمير علي بن إبراهيم وتفاوض مباشرة مع الإمبراطور لضمان سلامة اللاذقية، حتى أنه قبل منه لقباً عسكرياً بيزنطياً رفيعاً. هذه الواقعة تكشف أن ولاء الإمارة الأول كان للحفاظ على وجودها ومجتمعها المحلي، حتى لو تطلب ذلك تفاهماً تكتيكياً مع العدو التقليدي.
إن هذه القدرة على التنقل بين التبعيات والتحالفات هي التي ضمنت بقاء الإمارة لأكثر من قرنين. لقد كانت مثالاً نموذجياً على استراتيجية البقاء التي تتبعها الدول الحاجزة، حيث الولاء ليس مبدأً ثابتاً، بل أداة تكتيكية تتغير بتغير موازين القوى.
كان أفول الإمارة عملية تآكل تدريجية. فالصراعات الداخلية على السلطة، والتبعية للدولة الحمدانية التي أفقدتها استقلاليتها، والحملات البيزنطية المدمرة في أواخر القرن العاشر، كلها عوامل أدت إلى إضعاف الإمارة بشكل قاتل.
وجاءت الضربة القاضية مع وصول قوة إقليمية جديدة كاسحة، السلاجقة. فبعد انتصارهم الحاسم في معركة ملاذكرد عام 1071 م، تدفقوا إلى الأناضول والشام. وفي حدود عام 477 هـ / 1084-1086م، استولى السلاجقة على اللاذقية، لتنتهي بذلك الإمارة التنوخية بشكل نهائي. ورغم محاولة أخيرة للثورة قادها قاضٍ تنوخي في مدينة جبلة المجاورة ضد البيزنطيين حوالي عام 1080 م، إلا أنها كانت مجرد ومضة أخيرة في تاريخ طويل. أما بقايا الأسر التنوخية، فقد انتقل جزء كبير منهم جنوباً إلى جبل لبنان، ليؤسسوا هناك إمارات جديدة، ويصبحوا من أبرز القادة في تاريخ الطائفة الدرزية.
لم تكن الإمارة مجرد كيان سياسي، بل كانت مشروعاً اجتماعياً أعاد تشكيل هوية الساحل السوري. لقد كان نجاحها قائماً على تحول اجتماعي عميق، من قوة عسكرية متنقلة إلى طبقة أرستقراطية مستقرة، تمكنت من الاندماج بذكاء مع النسيج السكاني المحلي المتنوع، وعلى رأسهم الطائفة العلوية الناشئة.
كان توطين التنوخيين في اللاذقية بمثابة تحول جذري في بنيتهم الاجتماعية والاقتصادية. فسياسة الثغور العباسية لم تكن تقتصر على الحشد العسكري، بل كانت تتضمن منح الأراضي (القطائع) للجنود المستوطنين لضمان استقرارهم وارتباطهم بالأرض. وبهذا، تحول الأمراء التنوخيون من زعماء قبائل يعتمدون على الغزو والإعانات إلى طبقة إقطاعية تمتلك الأراضي وتسيطر على الإنتاج الزراعي.
وقد تغيرت قاعدتهم الاقتصادية لتشمل، بالإضافة إلى الزراعة، التحكم في عائدات ميناء اللاذقية الاستراتيجي، الذي كان مركزاً تجارياً مهماً منذ العصور القديمة. هذا التحول من نمط الحياة شبه البدوي إلى الاستقرار الإقطاعي كان تكراراً لتجربتهم السابقة كحلفاء للروم، حيث مُنحوا أراضي مقابل خدماتهم العسكرية في نظام يمكن اعتباره شكلاً مبكراً من الإقطاع.
كان الساحل السوري في القرن العاشر فسيفساء ديموغرافية معقدة، تضم سكاناً سنة في المدن، ومجتمعات مسيحية عريقة، بالإضافة إلى تجمعات جبلية ذات عقائد غير سنية. وفي هذا السياق، ظهرت وتأسست الطائفة العلوية (النصيرية) في شمال الشام، حيث نُظمت دعوتهم على يد الحسين بن حمدان الخصيبي في عهد الدولة الحمدانية الشيعية في حلب، وهو نفس الإطار الزماني والمكاني الذي وُجدت فيه الإمارة التنوخية.
إن بقاء الإمارة التنوخية واستقرارها لأكثر من قرنين يشير بقوة إلى قدرتها على بناء علاقة تكافلية مع هذه المجتمعات المحلية. فلو كانت الإمارة ممثلاً قمعياً لسلطة سنية بعيدة، لكانت واجهت ثورات مستمرة من سكان الجبال. لكن المرجح هو العكس تماماً. فالميول الشيعية للأمراء التنوخيين، والتي أشار إليها النص الأولي، تحت مظلة الدولة الحمدانية الشيعية، جعلتهم حلفاء طبيعيين للطائفة العلوية الناشئة.
وبهذا، يمكن النظر إلى الإمارة التنوخية على أنها لعبت دور جسر اجتماعي-ديني. لقد وفرت الغطاء السياسي والعسكري الذي سمح لهذه المجتمعات الجبلية بالنمو والتماسك، وفي المقابل، شكلت هذه المجتمعات قاعدة دعم شعبية عميقة للإمارة، مما رسخ جذورها المحلية وجعلها قادرة على الصمود في وجه التقلبات السياسية الكبرى.
في غياب سجلات إدارية أو حوليات تاريخية محلية، يصبح شعر أبي الطيب المتنبي المصدر الأهم والأغنى عن تاريخ هذه الإمارة. لم تكن إقامة المتنبي في اللاذقية لمدة عامين تقريباً مجرد محطة عابرة في حياته، بل كانت خياراً واعياً. لقد اجتذبته فكرة وجود إمارة عربية أصيلة في زمن كانت فيه الخلافة تتفكك وتخضع لنفوذ القادة غير العرب.
لذلك، يجب قراءة قصائده في أمراء تنوخ (التنوخيات) ليس فقط كأعمال أدبية، بل كوثائق سيادية. ففي عصر اللامركزية السياسية، كان مديح أعظم شعراء العربية بمثابة اعتراف دولي يمنح الشرعية ويعزز هيبة الإمارة الصغيرة. لقد كان استضافة المتنبي استثماراً استراتيجياً في رأس المال الثقافي من قبل دولة طرفية، استخدمت الشعر كأداة لبناء القوة الناعمة وتعزيز صورتها على الساحة الإسلامية الأوسع.
وتحتوي هذه القصائد على تفاصيل تاريخية فريدة. فمرثيته في محمد بن إسحاق لا تسجل وفاته حوالي عام 321 هـ فحسب، بل تؤكد على مكانته وتحاول رأب الصدع في الأسرة الحاكمة. ومديحه لعلي بن إبراهيم يسجل حدثاً تاريخياً لا نجده في أي مصدر آخر، وهو إخماده لتمرد داخلي، حيث يقول: وحام بها الهلاك على أناسٍ / لهم باللاذقية بغيُ عادِ. وبهذا، لعب المتنبي دور وزير إعلام ومؤرخ غير رسمي للإمارة، حيث صاغ ونشر روايتها السياسية، وحفظ لنا من خلال شعره جزءاً حيوياً من تاريخها المنسي.
على الرغم من أهميتها، بقيت الإمارة التنوخية في اللاذقية كياناً شبه منسي في السرديات التاريخية الكبرى. إن فهم أسباب هذا التهميش يكشف عن آليات بناء الذاكرة التاريخية وانحيازاتها، وعن كيف يمكن لكيان سياسي أن يترك إرثاً ديموغرافياً دائماً بينما يختفي أثره من المدونات الرسمية.
يعود تهميش الإمارة إلى ظاهرة يمكن تسميتها بـ الكسوف التاريخي المزدوج، حيث طغت عليها كيانات أخرى أكثر شهرة وأفضل توثيقاً.
 الكسوف الأول (المعاصر): خلال فترة وجودها، طغى على الإمارة البريق السياسي والثقافي لجارتها الكبرى وتابعتها، الدولة الحمدانية في حلب. لقد كان بلاط سيف الدولة مركز جذب للمؤرخين والشعراء، مما جعل تاريخه يهيمن على تاريخ الإمارات الصغيرة التابعة له. فالمصادر الكبرى، التي كانت تركز على المراكز السياسية كبغداد وحلب، لم تذكر اللاذقية إلا بشكل عابر، عندما تتقاطع أحداثها مع مصالح هذه المراكز.
 الكسوف الثاني (التأريخي): في الذاكرة التاريخية اللاحقة، طغت شهرة الإمارات التي أسسها أحفاد التنوخيين أنفسهم في جبل لبنان (القرنين 11-15 م) على إمارة اللاذقية الأصلية. فهذه الإمارات اللبنانية، التي لعبت دوراً محورياً في تاريخ الدروز، حظيت بتوثيق أفضل من قبل مؤرخين محليين، مما أدى إلى حالة من الخلط التاريخي، حيث أصبح مصطلح الإمارة التنوخية مرادفاً للكيان اللبناني، وتحولت إمارة اللاذقية إلى مجرد مقدمة غامضة لتاريخهم.
هذا الكسوف المزدوج، بالإضافة إلى ميل السرديات الحديثة للتركيز على الهويات الطائفية في الساحل السوري على حساب التاريخ العربي المشترك، أدى إلى إقصاء هذه الحلقة التأسيسية من تاريخ المنطقة.
يتجلى هذا الإقصاء التاريخي بشكل ملموس في ندرة الآثار المادية الباقية للإمارة في اللاذقية. ففي حين ترك التنوخيون قبل الإسلام نقوشاً حجرية خالدة كنقش النمارة لتعلن عن ملكهم، وفي حين بنى أحفادهم في لبنان قلاعاً وقصوراً لا تزال قائمة، فإن إرثهم في اللاذقية يبدو مندثراً. والمثال الأبرز هو اختفاء قبر الأمير محمد بن إسحاق، الذي كان معلماً مهماً في المدينة، لكنه ضاع وسط التوسع العمراني الحديث 
إن غياب الأبنية الضخمة لا يعني بالضرورة غياب الأهمية، بل قد يعكس طبيعة الإمارة نفسها. فمهمتها الأساسية كانت الدفاع العسكري العملي على جبهة متغيرة، وليس بناء الصروح الفخمة. من المرجح أنهم استخدموا وأعادوا تحصين القلاع البيزنطية القائمة بدلاً من استثمار الموارد في مشاريع بناء جديدة. وبهذا المعنى، فإن إرثهم الحقيقي لم يكن في الحجر، بل في التحول الديموغرافي الذي أحدثوه (هجرتهم اللاحقة إلى لبنان)، وفي السجل الأدبي الذي رعوه (شعر المتنبي). لقد كان إرثاً سياسياً واجتماعياً أكثر منه معمارياً.
استعادة حلقة مفقودة في تاريخ الساحل السوري
لم تكن الإمارة التنوخية في اللاذقية مجرد حكم محلي عابر، بل كانت حلقة تأسيسية في تاريخ الساحل السوري، ونموذجاً فريداً للتفاعل بين السلطة المركزية والقوى القبلية، وبين العرب والبيزنطيين، وبين الإسلام والمجتمعات المحلية المتنوعة. لقد شكلت مختبراً سياسياً واجتماعياً أعاد صياغة هوية المنطقة، ومهدت الطريق لظهور الكيانات الإقطاعية اللاحقة في جبل لبنان.
إن استعادة تاريخ هذه الإمارة إلى الواجهة يتطلب تفكيك الروايات التاريخية التي همشتها، سواء بسبب انحياز المصادر القديمة أو التوجهات السياسية الحديثة. ويتطلب أيضاً تتبع إرثها الديموغرافي والاجتماعي الذي لا يزال ماثلاً في بنية المجتمعات اللبنانية والسورية. ومن خلال إعادة قراءة المصادر الشعرية، وعلى رأسها ديوان المتنبي، كوثائق سيادية، يمكن إعادة بناء جزء كبير من تاريخها السياسي والثقافي.
إن إعادة الاعتبار للإمارة التنوخية يكشف عن حلقة مفقودة تعيد تشكيل فهمنا لهوية الساحل السوري، ليس كمنطقة ذات هويات طائفية منعزلة، بل كفضاء تاريخي غني بالتفاعل والتحالفات والمقاومة، شكل فيه العنصر العربي-الإسلامي الجبلي مكوناً أصيلاً يربط بين البحر والداخل.
----------------------------------------------------------------------
بغية الطلب في تاريخ حلب – ابن العديم (ت. 660 هـ):
يذكر التنوخيين في سياق الأحداث السياسية والعسكرية في الشام، خاصة علاقتهم بحلب والحمدانيين.
الكامل في التاريخ – ابن الأثير (ت. 630 هـ):
يتناول سقوط اللاذقية بيد السلاجقة عام 477 هـ ويُلمّح إلى وجود الكيانات التنوخية في الثغور الساحلية.
مروج الذهب ومعادن الجوهر – المسعودي (ت. 346 هـ):
يشير إلى القبائل العربية في الشام، بما فيها تنوخ، ودورها في توازن القوى في العهدين الأموي والعباسي.
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق – الإدريسي (القرن 6 هـ):
يتحدث عن اللاذقية وجبالها ويُفهم من السياق استمرار النفوذ التنوخي في تلك المرحلة.
تاريخ اليعقوبي – اليعقوبي (ت. 284 هـ):
يقدم ملاحظات موجزة عن التركيبة السكانية والطائفية في الشام.
أنساب الأشراف – البلاذري (ت. 279 هـ):
يشير إلى نسب تنوخ وتاريخهم المبكر وتحالفاتهم مع الأمويين.
البلدان – ياقوت الحموي (ت. 626 هـ):
يصف مواقع التنوخيين، ويذكر مدنهم وبلداتهم في سوريا ولبنان.
التنوخيون وأول إمارة في جبل لبنان – مجلة التراث العربي، دمشق، عدد خاص (1980م):
دراسة معمقة عن انتقال التنوخيين من الساحل السوري إلى وادي التيم وجبل لبنان، وتحولهم إلى قادة محليين.
القبائل العربية في سوريا قبل الإسلام – أحمد غسان السباعي (دار الفكر، دمشق، 2004م):
يناقش تنوخ ضمن القبائل العربية المستقرة في سوريا منذ العهد البيزنطي.
تاريخ الشيعة في بلاد الشام – محمد عثمان (دار الساقي، بيروت، 2005م):
يتطرق إلى التنوخيين كحالة شيعية أو قريبة من التشيّع في اللاذقية قبل هجرتهم إلى جبل لبنان.
القبائل العربية ودورها في تاريخ الشام – إحسان جعفر (بيروت، 1991م):
يتحدث بتفصيل عن أدوار تنوخ السياسية والدينية والعسكرية.
تاريخ العلويين في العراق وبلاد الشام – عثمان هاشم (مركز الحضارة، بيروت، 2015م):
يذكر تداخل تنوخ مع الطوائف الجبلية ومنهم العلويون في جبل اللاذقية.
معجم القبائل العربية القديمة والحديثة – عمر كحالة (مكتبة النصر، 1956م):
يعرض نسب تنوخ ومواقعهم وتحولاتهم الدينية والجغرافية.
دور القبائل العربية في تاريخ لبنان السياسي والاجتماعي – كمال الصليبي (دار النهار، بيروت):
يركّز على التنوخيين في وادي التيم وتحولهم إلى قادة دروز في العصور الوسطى.
فتوح البلدان – البلاذري، بتحقيق حديث (دار الفكر، 1987م):
يستعرض مشاركة التنوخيين في الفتوحات الإسلامية والشام تحديداً.
نقش نمارة (328م) – وهو أول نقش عربي ملكي معروف، مرتبط بامرؤ القيس التنوخي، محفوظ في متحف اللوفر (AO 4083).
دراسات في نقش امرئ القيس التنوخي – منشورات معهد الدراسات الشرقية بدمشق.
"يا قِرْد".. حين تنطق اللهجة بذاكرة أقدم من الكلام..
المعلم جامع المريج امام الجبل في القرن السابع الهجري
الدستور العلوي.. نصٌّ متأخر يحمل أسماء المؤسسين ولا ينتمي إلى تأليفهم
دَولَةُ بني عمّار
الوالي العثماني سليمان باشا والي صيدا ودمشق وطرابلس وامرية الحج ١٨٠٤/ ١٨٢٠م وسبب غنى يهود دمشق
يوسف الرداد الحلبي مناظر ونص ومقام في جبال الساحل السوري.. ج1
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان