كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الوجود العلوي في دمشق عبر التاريخ.. قراءة تاريخية في المراجع العربية والعثمانية

جورج برشيني

يُعدّ موضوع الوجود العلوي (النصيري) في مدينة دمشق من القضايا التاريخية التي طُمس جزء كبير من معالمها بفعل التحولات السياسية والمذهبية التي شهدتها بلاد الشام منذ العصور المملوكية وحتى العهد العثماني. فبينما ارتبطت الطائفة العلوية تاريخيًا بجبال العلويين في الساحل السوري، تكشف بعض المصادر التاريخية عن وجود علوي قديم منذ قرون طويلة في دمشق ومحيطها، قبل أن ينقرض هذا الوجود أو يندمج في البنية السكانية العامة نتيجة الاضطهاد والملاحقة.
الوجود المبكر للعلويين في دمشق
تشير روايات المؤرخ الدمشقي ابن طولون (ت 953هـ / 1546م) في كتابه «مفاكهة الخلان في حوادث الزمان» إلى أن النصيريين كانوا موجودين بالفعل داخل دمشق قبل الاحتلال العثماني للشام وفي مطلع العهد العثماني
يذكر ابن طولون أن السلطات العثمانية قبضت على مجموعة من «النصيرية» عند باب الجابية بعد أن “ظهر أمرهم”، فجرى إعدامهم وصلبهم بأمر من الوالي.
تلك الإشارة، وإن كانت موجزة، تعد من أقدم الشواهد على أن فئة من العلويين كانت تسكن العاصمة السورية القرن السادس عشر وقبله بقرون ، قبل أن تُستأصل أو تُجبر على النزوح.
القرن الثامن عشر وبقاء الأقلية العلوية في ضواحي دمشق
بعد قرنين تقريبًا، يوثق البديري الحلاق (ت 1184هـ / 1770م) في مؤلفه «حوادث دمشق اليومية» بقاء بعض الأسر العلوية في ضواحي المدينة، خاصة في مناطق المزة وبرزة ووادي بردى.
غير أن البديري يلاحظ أن هؤلاء كانوا يُخفون مذهبهم ويعيشون بتقية واضحة خوفًا من عامة الناس والعلماء، مما يعكس حالة القلق والنبذ الاجتماعي الذي عانوه.
تدل هذه الشهادة على أن الوجود العلوي في دمشق لم ينقطع تمامًا بعد حملات القمع الأولى، بل تقلص وتحول إلى وجود هامشي غير معلن.
الوثائق العثمانية والسجلات الشرعية
تكشف سجلات المحكمة الشرعية في دمشق خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر عن أسماء لعائلات من أصول ساحلية كانت تقيم مؤقتًا في المدينة، بعضها من المذهب النصيري.
لكن تلك الإقامات كانت في الغالب مؤقتة أو وظيفية، إذ عمل كثير منهم كجنود أو تجار موسميين، دون أن يكوّنوا مجتمعًا علويًا منظمًا داخل المدينة.
المصادر الغربية والرحلات الأوروبية
تؤكد روايات الرحالة والمستشرقين الأوروبيين في القرن التاسع عشر هذا الانحسار.
فقد أشار الرحالة الفرنسي Henri Guys في مذكراته عن رحلته إلى سوريا عام 1820 إلى أن:
«بعض النصيريين الذين طُردوا من جبالهم في الشمال لجأوا إلى أطراف دمشق، حيث يعيشون في خوف من العامة والعلماء».
كما كتب القنصل البريطاني Richmond في تقريره عام 1860 أن:
«النصيريين الذين عاشوا قرب قلعة دمشق في القرون السابقة لم يبقَ منهم أحد تقريبًا».
هذه الشهادات تعزز الرواية المحلية القائلة بأن الوجود العلوي في دمشق كان قد انتهى فعليًا بحلول منتصف القرن التاسع عشر.
⸻
الرواية المحلية وذاكرة المكان
يحفظ التراث الشفهي الدمشقي ما يُعرف بـ«حادثة القلعة»، حيث أُعدم عدد كبير من النصيريين ( ١٨-٢٠ ألف )قرب البرج الغربي لقلعة دمشق بأمر من والي المدينة العثماني، بعد اتهامهم بممارسات دينية مخالفة.
ويروي بعض المعمرين من أبناء المنطقة أن الناجين من تلك الحملة فرّوا باتجاه جبال صهيون وبيت ياشوط في الساحل السوري، وهي المناطق التي أصبحت لاحقًا المراكز الأساسية للطائفة العلوية.
الخلاصة: يوجد علويون دمشقيون أصلاء
تُظهر المراجع العربية والعثمانية والغربية تتابعًا واضحًا لوجود علوي مبكر في دمشق منذ القرن السادس عشر، تقلّص تدريجيًا تحت ضغط الملاحقات الدينية والاجتماعية، حتى أصبح نادراً مع مطلع القرن التاسع عشر.
وبذلك، يتضح أن تمركز الطائفة في جبال الساحل لم يكن أصلًا تاريخيًا، بل نتيجة نزوحٍ قسريٍّ متدرّج من مناطق داخلية أبرزها دمشق ومحيطها وحلب.
*الوجود العلوي في حمص قديم جداً وكثير من العائلات السنية اليوم كانت علوية وغيرت مذهبها بحكم الاضطهاد والمصالح المعيشية*
*تحدثت مطولاً على صفحتي القديمة عن الوجود العلوي القديم في حلب وكيف كانت الدولة الحمدانية من حيث تركيبة السكان لا الحكام علوية بنسبة كبيرة*
⸻
المراجع
1. ابن طولون، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، تحقيق محمد مصطفى.
2. البديري الحلاق، حوادث دمشق اليومية، تحقيق أحمد عزو عناية.
3. سجلات المحكمة الشرعية في دمشق (الأرشيف العثماني، إسطنبول).
‏ 4. Henri Guys, Voyage en Syrie et en Égypte, Paris, 1820.
‏ 5. Richmond, British Consular Reports on Syria, London, 1860.
6. روايات محلية شفوية من منطقة القلعة – دمشق القديمة، محفوظة في أرشيف جمعية التاريخ الدمشقي.
تعقيب من فينكس: منذ العهد الأموي، كان الوجود العلوي في سوريا عامة، ودمشق خاصة، كبيراً، بما في ذلك محافظات كالرقة وحلب وبعض دير الزور وبانياس الشام.. الخ. ومن خلال قراءتنا تبيّن لنا أن ذلك النفوذ والانتشار العلوي في سوريا لم ينحسر وبشكل جلي وواضح سوى في العهد العثماني الذي ارتكب بحقهم مجازر كثيرة (تطهير عرقي فعلي) كما ساهم بتهجير قسم وافر منهم، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلى الأمريكيتين، ناهيك عمن أرغمه على اعتناق أحد المذاهب الإسلامية السنية، والعائلات أشهر من أن تعرّف. ومع ذلك توجد حتى الآن عدة عائلات علوية دمشقية وتعيش بسلام ووئام مع الدماشقة السُنّة. 
زلزال سنة 1759م ودور المعماريين المسيحيين الدمشقيين باعادة إعمار دمشق
العبودية من أيام حمورابي إلى عصر "البترودولار"
«السيارة»
القادرية والرفاعية ومراسمهما في ديرعطية.. و خميس المشايخ
دير الزور في زمن الخلفاء الراشدين
شتان بين حملة طائفية لاسماعيل الأطرش 1860 وحملة وطنية يعربية لزيد الأطرش 1925
وضع المناطق الريفية من ولاية الشام أثناء أحداث 1860 الطائفية
أصداء حملة اسماعيل الأطرش في دمشق
حملة اسماعيل الأطرش الطائفية في حزيران 1860
أحداث 1860 في مدينة دمشق كما تذكرها أوراق قنصل بروسيا بدمشق فتزشتاين
أحداث 1860 في مدينة دمشق من منظور أسعد الأسطواني
أضواء على أحداث 1860 الطائفية في دمشق وأريافها
عزت باشا العابد سكرتير السلطان عبد الحميد من كبار إقطاعيي دمشق وأعيانها
الأعيان والفلاحون في مقتبس محمد كرد علي لعام 1910
الركود والتخلف في العهد العثماني من منظار أقلام شامية إسلامية