إسماعيل بن عثمان بن خير بن إسماعيل بن كنعان بن حيدر السنجاري وعلي الشلة نهاية زعامة في صافيتا 1858م
2026.05.28
استخلاص الدروس
سيمون خالد علي
١٨٢٢ — ١٨٥٨
أرضٌ في قلب جبال العلويين تتشابك فيها الوديان وتتحصّن فيها القمم بمنطق الجغرافيا الأزلي. هي صافيتا؛ قضاءٌ عثماني تابع لقائمقامية طرابلس، ومجالٌ عشائري متشعّب، وميدانٌ فسيح لتنافس الأسر التي يمتد نفوذها أعمق من أي فرمان سلطاني. أرضٌ لا تُقرأ بخريطة واحدة، ولا تُحكَم بأمر واحد، ولا تُروَّض بجيش واحد . وكي نفهم ما جرى في ذلك الجبل بين عامَي ١٨٢٢ و١٨٥٨، علينا أن نعود قرنين إلى الوراء، لأن الجبال لا تنسى ولا تسامح بسرعة.
أشهر الأسر التي حكمت صافيتا في العهد العثماني كانت خمسًا تتقاسم الثروة والثأر والولاء: آل سيفا، وآل حمادة، وآل شمسين، وآل رسلان، وآل خير بك. كلٌّ منها ورث شبكة من الالتزامات الضريبية والعشائرية والثارات المتوارثة، وكلٌّ منها عرف كيف يجعل من الجبل حليفه حين تضيق الخيارات. في تلك الأرض وُلدت القصة، وفيها ماتت.
قبل اكتمال صعود آل شمسين، يظهر في صافيتا آل المليح بتاريخ أقدم من النفوذ . يوسف المليح كان متوليا للخراج و صاحب حكم في صافيتا قبل ترسخ السلطة الشمسينية، وانتقال مركز الثقل إلى آل شمسين رافقته مواجهة طويلة قاد فيها رجل من آل المليح يدعى مصطفى مقاومة ضد آل شمسين. قتل عدد من آل المليح وتشرد قسم منهم في أرياف حمص وحماة والجولان، قبل أن يعود قسم منهم بعد صلح إلى وادي بيت المليح، المعروف اليوم بوادي العديدة، حيث استقروا في قرى ومواضع مثل عيناتا، مدبت، بسماقة، الخريبة، عين الباردة، حكر زهية، وحكر مخيبر.
الموقع الأخير لبيت المليح في موضع الجويمة قرب مقام النبي يونس في بسماقة، والخريبة أرضا ارتبطت بمصطفى في وثيقة صلح عائلية قديمة وأن فرعا من آل المليح انتسب إلى محمد، وأن بعض الفروع بقيت في الجولان. آل المليح كانوا (ح) في وسط (ك)،و كان للشيخ خليل النميلي دورا في الصلح.
✦ ✦ ✦
آل شمسين
قرنان من الهيمنة والأفول
تبدأ الوثائق من عام ١٠٧٧ هجري (١٦٦٧-١٦٦٨م)، حين سجّلت محاكم طرابلس الشرعية أن التزام مقاطعة صافيتا آل إلى الشيخين محمد وزيدان ابني شمسين بمبلغ بلغ خمسة عشر ألف قرش أسدي.كان العقد إعلانًا عن نفوذ بيت شمسين . ثم جاء عام ١٧٢٩ ليثبّت هذا النفوذ مجددًا؛ إذ ورد في سجلات المحكمة ذاتها باسم درويش بن الشبل من شمسين عقدٌ يربطه بالمال الأميري والخراج، ويكشف خيوطًا اقتصادية تتجاوز الزعامة العائلية إلى إدارة الموارد بعقلية الدولة.
بلغ نفوذ آل شمسين ذروته في مطلع القرن التاسع عشر في شخصية صقر شمسين، الذي أثبت عام ١٢٢٣ هجري (١٨٠٨م) أن قوّته تتخطّى حدود صافيتا إلى ما هو أبعد. حين تعدّت قوى القدموس على مصالحه، أرسل صقر وفدًا من وجهاء صافيتا إلى أمراء القدموس يطلب إيقاف التجاوزات. فلمّا جاء الجواب مخيّبًا، جمع رجاله وزحف على القدموس محاصِرًا قلعتها حتى استسلم أميرها مصطفى . بعد النصر، أقام صقر قوةً في الحصن وعاد إلى الدريكيش منتصرًا. وفي السنة ذاتها سيطر بيت رسلان على قلعة مصياف، فأصبحت الأرض مقسّمةً بين قطبين متنافسَين يتربّصان بعضهما بعضًا.
؛ثم وصل عام ١٨٣٢ الجيشُ المصري بقيادة إبراهيم باشا إلى الشام، وأعاد رسم خريطة القوى الإقليمية كلّها. شارك صافي بن صقر في المواجهة ضد الحملة المصرية، وارتبط اسمه بمعركة البداوي قرب طرابلس، حيث سقط في الميدان سقوطًا لا يمنح صاحبه فرصة العودة. وبعد رحيل صافي، حاول أخوه خضر بن صقر أن يعيد لحظة الالتزام: حصل على التزام صافيتا في تموز ١٨٣٢ بمبلغ وفير، ثم في صيف ١٨٣٣ بمبلغ أضخم. غير أن أسير الالتزام لا يملك دائمًا خيار التحرر منه؛ فقد اعتُقل خضر ونُفي إلى قبرص عام ١٨٣٤، وانطوت بذلك صفحة فرع صقر للأبد.
كان المصريون قد أشعلوا قبل ذلك ثورةً واسعة حين شرعوا في تطبيق سياسة نزع السلاح والتجنيد الإجباري، وفرض ضرائب على موارد الغابات والأشجار التي كانت شريان حياة السكان. في عامَي ١٨٣٤ و١٨٣٥ انتفض أبناء الجبال العلويين ضد الحكم المصري بانتفاضة عارمة. دخل الجيش المصري على جبهات طرطوس وصافيتا، وأعدم سليم بك بعض قادة التمرد وجمع مئات الأسلحة. كانت تلك الثورة فصلًا تأسيسيًا في وعي الجبل
الجبل يُطاع لكنه لا يُروَّض، ومن أراد حكمه فليفهم أن بنادقه تُحسَب بالمئات والآلاف.
✦ ✦ ✦
اللقبة
مهد الزعيم وبذرة الثأر
في هذه الأرض المشحونة بالتاريخ ، وُلد في قرية اللقبة التابعة لقضاء حماة، في حدود عام ١٢٣٨ هجري (١٨٢٢م)، طفل هو الأصغر بين أبناء عثمان خير بك، مقدّم (م) وأحد وجهاء اتحاد (ك). نسبه الكامل كما أثبتته المؤرّخة تلحمي إسماعيل بن عثمان بن خير بن إسماعيل بن كنعان بن حيدر السنجاري.
.
كان إسماعيل آخر العنقود، وفي العرف الجبلي يشكّل هذا الموقع امتيازًا وعبئًا في آنٍ واحد، امتيازٌ لأن الأصغر يكتسب من مشاهدة الأكبر دروسًا ثمينة في السلطة والسياسة؛ وعبءٌ لأنه يرث توقعات تجاوزته في السن. كان له ثلاثة إخوة، خيري بك الأكبر، ودندش، وناصيف. وقد كان اسم الأخ الأكبر «خيري بك» سبب الخلط الذي وقع فيه بعض المصادر الأوروبية، حين خلطت بين شقيقَين حملا صياغات متقاربة في ما كتبته عنهما.
لكنّ الجانب الأمومي لإسماعيل يحمل قصةً تكشف كيف تُصنع الثارات قبل أن تُصنع الزعامات. كان لأبيه عثمان علاقة بعائلة من (ش) ضمن اتحاد (ك)؛ يُروى أن عثمان اختطف أختًا لرجل سيُعرَف لاحقًا بـعلي الشلة وتزوّجها قسرًا. ومن هذا الزواج المفروض وُلد إسماعيل وإخوته. كانت تلك المصاهرة بذرةً لضغينة ستنبت في وقتها المناسب، حين تتوفّر لها مياه المصلحة والفرصة والثروة.
شبّ إسماعيل على موهبة قيادية لافتة وشجاعة في الميدان أهّلته في مرحلة مبكرة لشغل وظيفة الدليباشي، أي رئيس الفرسان غير النظاميين وهو منصبٌ يقع في المنطقة الرمادية بين الزعامة المحلية والخدمة العسكرية للدولة العثمانية. كان الدليباشي فارسًا يُجنَّد لكن لا يُدجَّن، يُستعان به في الملمّات لكنه لا ينسى أن ولاءه الأعمق للجبل .
✦ ✦ ✦
الدريكيش
سراي الحكم وبنيان الزعامة
الدولة العثمانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر كانت على علم بتجاذبات الجبل. كانت تراقب وتحسب وتؤخّر. مع تحوّل القرن إلى نصفه الثاني، وبعد أن أنهكت حربُ القرم (١٨٥٣-١٨٥٦) الدولةَ العثمانية وأشغلتها عن كثير من ملفاتها الداخلية، وجدت السلطة أن قضاء صافيتا يحتاج إلى ترتيب جديد. كانت المنطقة مضطربة إداريًا، ولم تُفلح محاولات وامق باشا في تقسيم القضاء بين شمسين والعشائر الأخرى في إيجاد توازن مستدام؛ أفرز هذا الفشل اعتراضات ومؤامرات وتحريضات من النواحي العلوية الشمالية. كان إسماعيل خير بك يراقب الفراغ، وما لبث أن ملأه.
دخل إسماعيل المشهد من جهة حماة بقوة مسلحة في لحظة ارتباك إداري وعشائري. فهو (م) من قاعدة عشائرية وشبكة ولاءات ممتدة. ما لبث أن أعاد ترتيب الأشخاص الذين عيّنهم وامق باشا وادّعى لنفسه مقام «مشير الجبل» الزعيم المرجعي للمنطقة بأسرها.
اتّخذ إسماعيل من دريكيش مقرًا لحكمه الفعلي. الدريكيش كانت تعرف قديمًا باسم برمانة أو برمانا، وأنها تعرّضت لتخريب جزئي في أحداث الحملة المصرية. حين جاء إسماعيل ووجد قرية جريحة، قرّر أن يبني فيها السراي، دار الحكومة. حجارة السراي نُقلت من برج تخلة بطريقة المناولة بين الرجال يدًا إلى يد حتى وصلت إلى موضع البناء. كانت تلك الطريقة في النقل تجسيدًا حرفيًا لمفهوم الزعامة، الجبل يبني نفسه بأيدي أبنائه، ويضع حجارته في خدمة زعيمه.
امتدّ نفوذ إسماعيل فعليًا ليشمل صافيتا والدريكيش وأجزاءً من مناطق حماة وحمص واللاذقية ومحيط طرطوس. مع ذلك، لم يتحول هذا الاتساع إلى سلطة مستقرة بالمعنى السياسي العميق. فإسماعيل خير بك بنى نفوذه أساسا على القوة العسكرية، وشبكة (م)، وهيبته الشخصية، و ليس على ائتلاف داخلي واسع يضم البيوت الدينية والإقطاعية والعشائرية في صافيتا. كانت العائلات الكبرى، مثل آل شمسين وآل رسلان وآل العباس والبيوت المشيخية، حاضرة في المجال الذي حكمه، لكنها لم تكن شريكة حقيقية في بنية حكمه. لذلك ظل حكمه، رغم قوته، أحاديا إلى حد بعيد: سلطة رجل محارب أكثر منها سلطة توافق . وهذه الأحادية ستكون أحد أسباب هشاشته حين بدأ الحصار العثماني، لأن الجبل الذي لم يدخل كله في مشروعه لم يدافع عنه كله عند سقوطه.كان حكمًا يتجاوز حدوده الرسمية، واتسع أكثر مما يمكن للسلطة المركزية تحمّله. وأمام هذا التمدّد، آثرت الدولة العثمانية منطقَ الاحتواء: بدلًا من تجريده، قرّرت أن تعيّنه.في الأول من ذي الحجة ١٢٧٤ هجري، الموافق ١٣ تموز ١٨٥٨، أصدرت الدولة وثيقةً رسمية سُجّلت ضمن أرشيف الباب العالي (BOA: A.AMD 83/17). كانت هذه الوثيقة تعيينًا لإسماعيل خير بك مديرًا لقضاء صافيتا التابع لقائمقامية طرابلس. وتشير دراسات أكاديمية إلى أن وثيقة مصاحبة (BOA. HR. MKT. 247/63) تشير إلى منحه نيشانًا من الرتبة الخامسة في الشهر ذاته مكافأةً على خدماته. كانت الدولة تكسب وقتًا وتقلّص مجال تحرّكه بمنحه شرعيةً رسميةً مقيّدة ، سلاحٌ ذو حدّين أدرك كلا الطرفين خطورته.
غير أن الشرعية الرسمية لم تُخمد طموح الرجل. جاءت وثيقة عثمانية أخرى (BOA: A.MKT.MHM 144/6) لتتّهمه بسلب أموال وأمتعة عشيرة الدنادشة بينما كان في موقع مدير صافيتا. والدنادشة ؛ كان بين إسماعيل وبيتهم ثأرٌ عائلي قديم متجذّر سابقٌ لأي توليةٍ إدارية. الوظيفة أتاحت له تحصيل الثأر بأدوات الدولة، وهذا بالضبط ما جعل السلطة تتحرك ضدّه.
✦ ✦ ✦
كيف تفهم الجبل
لفهم ما جرى في صافيتا، لا بدّ من رسم الخريطة العشائرية بدقّة. كان اتحاد (م) هو انتماء إسماعيل؛ وهو اتحادٌ محلي له فروع ومشيخات، منها (ن) و(ج) .
أما علي الشلة فمن (ش) ضمن اتحاد (ك)، وهو اتحادٌ أشمل يضم آل شمسين (ح) وآل رسلان في مناطق صافيتا والمحيط. (م) و(ك) كلاهما ينتسب إلى ما يسمّيه الباحث الفرنسي فابريس بالانش (ق) في البنية الداخلية للعلويين الخلاف بينهما عشائري سياسيٌّ براغماتي في جوهره.
وكان إسماعيل يحكم مجالًا لا يطابق قاعدته العشائرية أدار قضاء صافيتا ذا الغالبية من (خ) و(ح) وهو (م) الانتماء. وكان في ذلك الجبل حضورٌ لطبقة المشايخ والبيوت العلمية لا يُستهان بها: أمثال إبراهيم مرهج وعباس جابر الطليعي والشيخ يونس والشيخ حسين أحمد. وهم وسطاء اجتماعيون يمثّلون حضورًا موازيًا للسلطة العسكريةوهنا تظهر إحدى نقاط ضعف تجربة إسماعيل. فهو لم ينجح في تحويل هذه البيوت الدينية والعشائرية إلى قاعدة حكم مشتركة، تعامل معها من موقع الغلبة بعيدا عن الشراكة. كان يسيطر على مجال اجتماعي أوسع من قاعدته العشائرية، لكنه لم يصنع تسوية داخلية مستقرة مع مكونات هذا المجال. لذلك بقيت سلطته فوق الجبل أكثر مما كانت نابعة من داخله، وبقيت البيوت المحلية تنتظر لحظة توازن جديدة تعيد توزيع النفوذ..مع العلم ان الشيخ حسين أحمد نصح إسماعيل بدرء الفتنة وجمع الكلمة قبل انفجار الأزمة.
ولآل شمسين في هذا المشهد حضورٌ محوري. في عام ١٨١٧ قدّم مئة وخمسة عشر وجيهًا من آل شمسين التماسًا جماعيًا ذا طابع مذهبي سياسي مرتبطًا بحماية الأرض والنفوذ. وفي عام ١٨٢٧ تربطهم براءة بناء جامع رمانة. وفي عام ١٨٤٧ شهدت صافيتا إحدى أشدّ لحظاتها دموية: شنّ فرعٌ من آل (ر) من (ز) و(ك) هجومًا مسلّحًا على قرية آل شمسين، أسفر عن مقتل ستة عشر من أعيانهم وخدمهم. وقد أثبتت دراسة المؤرّخ التركي إلكر كيريميت المنشورة في مؤتمر التاريخ التركي التاسع عشر (٢٠٢٢) أن هذه الحادثة موثّقة في الأرشيف العثماني، وهي أول توثيق أكاديمي مستقل يؤكد أن آل شمسين كانوا طرفًا فاعلًا في صراعات صافيتا.
وفي عام ١٨٥٤ أشعل خيري بك رئيس (م) التابع لحماة فتيلَ تجدّد النزاع بين آل شمسين وآل رسلان. ثم جاءت المرحلة ١٨٥٥-١٨٥٨ بمحاولة وامق باشا الفاشلة لتقسيم قضاء صافيتا بين شمسين والعشائر الأخرى. يذكر المؤرّخ بلانش عام ١٨٦٠ صراحةً اسم Chamsine طرفا من أطراف تقسيم قضاء صافيتا ، ويبدو، بحسب قراءة بلانش وسياق الحملة، أن الدولة حاولت استمالة آل شمسين بمنصب في الإدارة مقابل دعمها في تحييد إسماعيل.
✦ ✦ ✦
الحملة
ثلاثة قادة وثلاثة محاور وبارجة في البحر
في النصف الثاني من عام ١٨٥٨، بدأت الدولة العثمانية تُعدّ حملةً بعيدةً عن لغة الاحتواء، وأقرب إلى لغة التصفية. استدعت الحملة ثلاثة قادة يعملون في تناسق محكم:
الأول: خورشيد باشا والي صيدا، صاحب القرار السياسي والإداري وسيّد الملف من فوق. الثاني: طاهر باشا، القائد العسكري الميداني المرابط في الدريكيش ، مقرّ حكم إسماعيل ذاته، يوجّه القوات ويضيّق الحلقة. الثالث مصطفى شكري باشا، قائد القوة القادمة من دمشق لتطويق الجبل من جهة الشرق، كي لا يجد إسماعيل مخرجًا نحو البادية.
كان تطويق الجبل يجمع الضغط العسكري البري بسلاح آخر لا يقل أثرًا الحصار البحري. أُرسلت بارجةٌ عثمانية للمراقبة على الساحل السوري، كي لا يفرّ إسماعيل عبر البحر. الجبل من خلفه، والبحر أمامه، والقوات في المحيط كانت الاستراتيجية تقول بوضوح إنه لن يُفلت.
واللافت أن هذه الحملة جاءت في وقتٍ كانت فيه دولة التنظيمات تسعى لتكريس مبدأ الإدارة المركزية المباشرة في بلاد الشام. فبعد ١٨٦٠ ستُشكَّل مجالس الإدارة وستتراجع الزعامات القبلية المحلية لصالح القائمقام والجهاز البيروقراطي. كان إسماعيل في هذا المسار نموذجًا حيًا للزعامة القديمة التي يجب أن تُطوى في منطق التحديث العثماني.
✦ ✦ ✦
رسائل إلى القناصل
ملعب آخر وأختامٌ أوروبية
في الأول من تشرين الأول ١٨٥٨، كان إسماعيل يدرك أن المعادلة العسكرية لا تصبّ في صالحه. لكنه لم يكن رجلًا يستسلم بسهولة؛ لجأ إلى ملعب آخر: الدبلوماسية الأوروبية. أرسل مراسيل تطلب وساطةً بريطانية وضمانًا لمحاكمة عادلة إذا سلّم نفسه.
كان في طرابلس آنذاك قنصلٌ بريطاني يُعرَّف بـكافالي ألكسندر ميرسر، مولود في الثامن من أيار ١٨١٧، وكان قد عُيّن نائبًا للقنصل في الثاني عشر من نيسان ١٨٥٨ قبل أشهر قليلة من الأزمة. كان طبيبًا جراحًا مساعدًا سابقًا في الجيش العثماني إبان حرب القرم، يعرف الشرق بعين الممارس.
في مراسلته إلى القنصل العام في بيروت Moore بتاريخ ٢٦ تشرين الاول ١٨٥٨ (FO 195/587)، أبلغه ميرسر أن بعض المسيحيين كانوا يتكلّمون عن إسماعيل بخير، وأنه حكم منطقته بصورة مقبولة نسبيًا، وأنه كان يدفع الميري. والأهم أن إسماعيل عرض الذهاب إلى بيروت وقبول نتيجة المحاكمة، إذا خضع خصومه للمعيار ذاته. كان هذا عرضًا لا يخلو من كبرياء الزعيم: أنا مستعدّ، لكن ليكن الميزان واحدًا.
نقل Moore الطلب إلى خورشيد باشا وحصل على وعد بمحاكمة عادلة. لكنه أوضح في مراسلته إلى وزير الخارجية البريطاني Malmesbury (FO 195/587، ٢٧ تشرين الاول ١٨٥٨) أن بريطانيا لا تقدّم أي ضمانة لتنفيذ هذا الوعد. وعدٌ بلا ضامن هو وعدٌ في الهواء، وكان إسماعيل يعرف ذلك.
يكشف فشل هذه المحاولة أن صلة إسماعيل بالقناصل الأوروبيين كانت محدودة. لم يكن صاحب مشروع محمي بريطانيا أو فرنسا، ولم يكن له غطاء دولي فعلي، كان زعيما محليا محاصرا حاول في اللحظة الأخيرة تحويل القناصل إلى شهود أو ضامنين لمحاكمة عادلة. غير أن القناصل تعاملوا مع طلبه كمسألة مراقبة دبلوماسية . وهنا يظهر الفارق بين القوة المحلية والشرعية الدولية: يمكن لزعيم أن يفرض نفسه في الجبل، لكنه لا يستطيع تثبيت سلطته طويلا من دون اعتراف داخلي واسع أو غطاء خارجي يحميه عند الصدام مع الدولة.
لم يكتفِ إسماعيل بالباب البريطاني. أرسل رسائل موازية إلى القنصل الفرنسي في دمشق ماكس أوتري (Max Outrey)، الذي سجّل تلك المراسلات في ملفات الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي (CADN Nantes)، في رسائل مؤرّخة في ٢٤ تشرين الاول (Côte No.15) و٢٨ تشرين الاول (Côte 10 No.77) و١٣ تشرين الثاني ١٨٥٨ (Côte 10 No.78). وواصل أوتري متابعة الملف في رسائل لاحقة امتدّت حتى تشرين الاول ١٨٥٩، أي بعد مقتل إسماعيل بعام كامل.
وفي دمشق، وثيقة بريطانية مستقلة (FO 78/1388) توثّق مراسلة القنصل Brant إلى السير هنري بولور في ٢٥ تشرين الاول ١٨٥٨. وفي اللاذقية، وثيقة (FO 78/1389) بتاريخ ٢٩ أيلول ١٨٥٨ تفتح زاويةَ الساحل، حيث كان إسماعيل قد فكّر في الهرب نحو البحر. ثلاث دوائر قنصلية ودبلوماسية ، لندن وباريس ودمشق، تتابع الملف في وقتٍ واحد.
كانت رسائل إسماعيل إلى القناصل إقرارًا عميقًا بأن السلطة الفعلية في تلك اللحظة في الأوراق الرسمية والأختام الأوروبية. وحين فشل السعي الدبلوماسي وتأكّد غياب الضمانة، لم يبقَ أمامه سوى الجبل وأهله ، وبينهم رجلٌ تبيّن لاحقًا أنه لا يُؤمَن.
✦ ✦ ✦
علي الشلة
الوجه المزدوج والمصيدة المُحكمة
بعد فشل الدبلوماسية وضيق الحلقة العسكرية، أطلّ الرجل الذي سيكون مفتاح النهاية. ظهر في المشهد رجلٌ من قرية عين كروم (Aïn-Kroum)، وتسمّيها الوثائق البريطانية Karm-el-Aiounh، اسمه علي الشلة: يرد بصيغة Ali-Chellé في المصادر الفرنسية، وAly Shallal في مراسلة ميرسر، وعلي الشلي أو علي الشللي في التداول المحلي.
بين إسماعيل وعلي قرابةٌ من جهة الأم. كان للمؤرّخ الفرنسي بلانش (Blanche) تعبير دقيق يصف عليًا بـ«cousin» أي ابن خال أو قريب أمه. بينما المبشّر الأمريكي جيسوب (Jessup) في كتابه Fifty-Three Years in Syria يقول «mother's brother» أي الخال المباشر. والأرجح أن عليًا كان قريبًا من جهة الام من إسماعيل بدرجة لم تُحسم بدقّة حتى الآن، لكنها كانت قريبة بما يكفي لتأسيس وعد، وبعيدة بما يكفي لتبرير الخيانة.
الجذر بين الرجلين أعمق من عام ١٨٥٨. هناك عداوة عائلية قديمة سابقة للمصاهرة القسرية التي ذكرناها. وحين سعى علي الشلة لاحقًا إلى الزواج من إحدى أخوات إسماعيل، ردّه الأخيرُ بتعالٍ جارح. كانت تلك النظرة المتعالية سهمًا ظلّ في اللحم سنواتٍ وسنوات، ينتظر اليوم الذي يجد فيه هدفه النهائي.
يصف المؤرّخ بلانش عليًا بأنه رجلٌ تجمّعت فيه دوافع متعددة كانت تنتظر الفرصة: العداوة العائلية القديمة، والطمع في ثروة إسماعيل الوفيرة، والصفقة مع العثمانيين. وبحسب ما أوردته الصحافة الفرنسية، فإن مصطفى شكري باشا وعد عليًا كتابةً بكنوز إسماعيل إذا سلّمه حيًا أو ميتًا. وعدٌ على الورق يجعل الحساب أبسط: ثروة إسماعيل تنتقل من صاحبها إلى قاتله بموافقة السلطة ومباركتها.
✦ ✦ ✦
رحلة الموت
من اللقبة إلى جورة
أرسل إسماعيل عائلته أوّلًا إلى وادي العيون، حيث يكون الوادي أكثر أمانًا من الجبل الظاهر المكشوف. ثم جاء علي الشلة بنفسه إلى إسماعيل في اللقبة، وعرض عليه الانتقال إلى معقله في عين الكروم للمقاومة المشتركة. عليً بادر بالمجيء، وبادر بالعرض ، وهذا المجيء من الأقوى ظاهريًا كان رسالةً تقول: أنا معك. قبل إسماعيل الاقتراح، وجمع ما تبقّى من أمواله وغنائمه. وهنا يبرز التفصيل الكاشف، أرسل علي الشلة بنفسه وسائلَ نقل لحمل الثروة ، فعلٌ يُقرأ بقراءتين، حسن النية، أو أن الثروة هي الهدف الحقيقي من البداية.
تحرّك إسماعيل من اللقبة مع إخوته الثلاثة وحرمه وحوالي أربعين فارسًا. كانت المسيرة الأخيرة تتبع هذا المسار: اللقبة، فوادي العيون، ثم فقرو. في فقرو توقف الموكب يومين أو ثلاثة. وفي تلك الإقامة القصيرة جرى ما يُعدّ المشهد الأكثر مفارقةً في القصة كلّها.
في فقرو، التقى إسماعيل وعلي الشلة وجهًا لوجه في مجلس رسمي، ودعيا رؤساء القرى المحيطة شهودًا. وهناك، فوق قبر وليٍّ من أولياء الله، تبادل الرجلان اليمين: قسمٌ بالبقاء متحدَّين، وعهدٌ بالنصرة والوفاء. كان القسمُ في مشهده الخارجي احتفالًا قبليًا مألوفًا؛ لكنه في حقيقته كان طرفًا واحدًا يثبّت مصيدته بالوثوق، وطرفًا آخر يضع رأسه بثقة المؤمن بقدسية العهد.
غادر الموكب فقرو باتجاه عين الكروم عبر مسالك جبلية باردة تقترب من موسم الثلج. حاول إسماعيل في لحظة من اللحظات أن يتحوّل باتجاه بلاد اللاذقية والبحر، ربّما ليجد منفذًا للساحل والهرب بحرًا؛ لكن الثلج سدّ الطريق، وردّه إلى الداخل كأن الجبل ذاته يغلق عليه أبوابه.
وصل إسماعيل إلى قرية الجورة (Djoura). وهناك يبدأ المشهد الأخير. لحق به رجال من فقرو فحاصروه في بيت. كان حصارًا مُصمَّمًا لقطع خيار الهروب .
✦ ✦ ✦
جورة
ست طلقات وصمتٌ بين الصخور
وصل علي الشلة مع جماعة قوية إلى الجورة. طلب من إسماعيل أن يسلّم سلاحه. وصف المؤرّخ بلانش ما جرى بعبارة واحدة لا تقبل التأويل: «إسماعيل كان قد خُدع، تمت خيانته». العبارة الفرنسية الحاسمة هذه تختصر كل ما سبق من عهود وأقسام وترتيبات.
أُخرج إسماعيل وأخوه ناصيف مكبَّلَين وشبه عاريَين. في تلك اللحظة ، توجّه إسماعيل إلى وجهاء صافيتا الحاضرين وطلب منهم أن يقودوه حيًا إلى معسكر الباشا. طلب أن يواجه محكمةً لا أن يُعدَم في خنادق الخيانة. لكن الوجهاء لم يجيبوا. الصمت في لغة الجبل يعني الموافقة.
قاد علي الشلة إسماعيل وناصيف بعيدًا عن المجموعة. وبعد لحظات سُمعت ست طلقات. ستٌّ فقط — وكأن العدد نفسه كان دقيقًا محسوبًا، واحدة لكل إخفاق، واحدة لكل ضغينة، واحدة لكل بند من بنود الصفقة مع الباشا.
وُجدت الجثّتان عاريتَين بين الصخور. وقف علي الشلة قريبًا وبندقيّته لا تزال تدخن. قال بهدوء المنجز لمهمّته: «نفّذت التزامي». كان هذا في يوم ١٢ تشرين الثاني ١٨٥٨ بحسب التسلسل الزمني الذي أثبته بلانش.
✦ ✦ ✦
الرؤوس في طريقها إلى دمشق
في مساء اليوم ذاته عُرض رأسا إسماعيل وناصيف في المعسكر العثماني تحت قيادة طاهر باشا. كانت الرؤوس المقطوعة في تقليد عسكري قديم أعلى الوثائق أصالةً وأشدّها بلاغةً؛ وثائق تقول بلا كلام، انتهى.
بعد أيام، حُمل الرأسان إلى دمشق كتذكار نصر للسلطة. ذكرت الصحافة الفرنسية ولا سيّما صحيفتا L'Indicateur وLa Gazette de France بتاريخ ٤ كانون الثاني ١٨٥٩ أن الرأسين كانا في طريقهما إلى دمشق حين كُتبت الرسائل في أواخر تشرين الثاني ١٨٥٨. وكان الأصل الصحفي المرجَّح لهذه الروايات رسالةً مؤرّخة في ٣٠ تشرين الثاني ١٨٥٨ نُشرت في صحيفة Presse d'Orient، .
كانت عملية القتل تصفيةً منهجية لامتداد النفوذ. تذكر بعض الروايات أن ولدَي إسماعيل، وكان أكبرهما في الثالثة عشرة من عمره، قُتلا أيضًا. غير أن الصورة لا تزال ضبابيةً هنا؛ إذ تشير مصادر لاحقة إلى نجاة ابنه هواش وظهوره في الحياة العامة لاحقًا، فضلًا عن ذكر اسمَي عبد الفتاح وصافي في بعض الروايات. أما إخوته، فقد قُتل خيري بك الأكبر بحسب رواية L'Indicateur، وقُتل ناصيف مع إسماعيل بنصّ بلانش والصحيفة معًا. ويبقى مصير دندش الأخ الثالث غير معروف.
✦ ✦ ✦
ما بعد الجريمة
الزواج والغنيمة والذاكرة
أعلن طاهر باشا ملاحقة علي الشلة ومعاقبته ، هكذا نقل L'Indicateur. كانت الدولة تؤثر التنصّل العلني من الجريمة حتى لو كانت طرفًا في الصفقة السريّة. كان هذا التنصّل خطوةً براغماتية بامتياز: الانتفاع من الخيانة ثم إدانة الخائن يقدّم الدولة في صورة الحكم النزيه لا الشريك الآثم.
غير أن ما يرويه L'Indicateur يبقى أشدّ فتكًا بالوعي الأخلاقي من خبر الإعدام: تزوّج علي الشلة من أرملة إسماعيل، وتورد الرواية اسمها: تمرة (Tamara). استحواذٌ على رمزية البيت والمكانة معًا؛ إذ لم يكتفِ الرجل بسلب الثروة وتقديم الرأس، بل مدّ يده إلى آخر ما تبقّى من هيبة الغريم: أسرته.
وفي عام ١٩٣٢، أي بعد أكثر من سبعة عقود على الحادثة، ظهر في سجلات الانتداب الفرنسي وثيقةٌ رسمية (Bulletin officiel des actes administratifs du Haut-commissariat, 15 décembre 1932) تتضمّن اسم Mahfoud Khorfan Ali Chelle d'Aïn-el-Kroum، محكومًا بسنة سجن بتهمة سرقة في ١٩٣١، ثم شمله عفوٌ في ١٩٣٢. الاسم والقرية يثبتان استمرار حضور خط الشلة في عين الكروم جيلًا بعد جيل.
✦ ✦ ✦
ما بعد الغروب
الأثر الممتد والثأر المعلّق
انتهت أزمة إسماعيل خير بك لكن التاريخ لم ينتهِ. في عام ١٨٦٤ تشكّل في صافيتا مجلس الدعاوى والإدارة برئاسة القائمقام وعضوية ستة أشخاص. برزت فيه أسر جديدة مثل آل العباس وآل الحامد وآل بشور وآل إسماعيل يونس وآل ملحم رسلان، مع استمرار حضور آل شمسين عبر بيوت إسكندر وكنج ودرويش صافي صقر. كانت سنة ١٨٥٨ الخطَّ الفاصل بين زمن الزعامة القبلية المسلّحة وزمن الإدارة العثمانية الأكثر مباشرةً.
وتظلّ قضية الثأر بابًا شبه مفتوح. تتحدّث روايات محلية غير موثّقة حتى الآن عن أن هواش ابن إسماعيل أحرق عين الكروم ونفى بعض آل الشلة إلى رودس. ثم اسم إسماعيل بيك هواش وعزيز هواش وصقر خير بك في وثائق سياسية حقبة الانتداب عام ١٩٣٦، مما يثبت أن خط إسماعيل تحوّل من زعامة عسكرية إلى حضور سياسي في العهد الجديد.
وفي عام ١٨٧٥ يظهر في المصادر اسم عصابة علي الشلة في اضطرابات مسلّحة لاحقة، فيما تشير وثيقة انتدابية إلى حملة عام ١٨٩٢ على عين الكروم. هذه الإشارات تثبت استمرار اسم الشلة وجغرافية عين الكروم في الاضطراب المسلّح، لكنها لا تقطع بأن صاحبها هو قاتل عام ١٨٥٨ نفسه أو أحد أحفاده.
✦ ✦ ✦
بلانش والقلم الذي لم يصمت
لولا قلمٌ واحد، لكانت هذه القصة قد ذابت في صمت الجبال. شارل إيزيدور بلانش (Charles-Isidore Blanche) كان نائب القنصل الفرنسي في طرابلس منذ عام ١٨٥٣. رجلٌ يعرف العربية ويملك شبكة معارف محلية في طرابلس وجبالها، وصاحب اهتمام علمي وطبيعي وجغرافي يجعل أوصافه الطوبوغرافية للمسالك والقرى والمواضع قراءةً ميدانية دقيقة.
نشر بلانش قصّة إسماعيل خير بك في Revue européenne: lettres, sciences, arts, voyages, politique، المجلد الثاني عشر، باريس، عام ١٨٦٠، في مقالتين تمتدّان من الصفحة ٣٨٤ إلى ٤٠٢، ثم من الصفحة ٥٨٢ إلى ٦٠١. كان ذلك بعد عامين فقط من الحادثة، والمعلومات طازجة والمصادر قريبة لا تحتاج إلى إعادة بناء.
ومن الأهمية بمكان أن المبشّر الإنجليزي صموئيل لايد (Samuel Lyde، ١٨٢٥-١٨٦٠) كان يعيش في المنطقة ذاتها في الفترة نفسها بين ١٨٥٣ و١٨٥٩، مقيمًا بين عشيرة (ك) قرب اللاذقية. كتابه The Asian Mystery (١٨٦٠) هو أول دراسة ميدانية غربية عن العلويين. وقد راسل القنصل Moore في ١ أيلول ١٨٥٥ (FO 78/1116)، مما يفتح احتمال تبادل معلومات مع الشبكة القنصلية التي تابعت ملف إسماعيل.
وتحتلّ مخطوطة محمود عباس الشميلي (الشملي) المرتبة الأولى بين المصادر المحلية التي لم تُفتح بعد. هي مخطوطة من ١٩٦ صفحة كتبها زعيمٌ (م) من دير ماما عاش بين ١٨٨٧/١٨٨٨ و١٩٥٠، تصف حياة إسماعيل وابنه هواش استنادًا إلى روايات شهود عيان. معلومات تحسم مصير هواش وعبد الفتاح وصافي، وتكشف هل كان ثأر فيما بعد من آل الشلة.
✦ ✦ ✦
أسئلة الجبل المعلّقة
هل يوجد صلة بين اسم خير بك في صافيتا وبين خاير بك المملوك الشهير — الأمير الجركسي الذي كان نائبًا على حلب، وقاد ميسرة جيش المماليك في معركة مرج دابق ١٥١٦، واتُّهم بمراسلة العثمانيين سرًا، ثم عيّنه السلطان سليم الأول واليًا على مصر حيث توفّي عام ٩٢٨ هجري (١٥٢٢م)؟ سمّاه المصريون «خائن بك» لا «خير بك». الجواب المنهجي: لا يوجد دليلٌ واحد و لا أي قرينة على صلة نسبية تربط خاير بك المملوكي بخط خير بك السوري في صافيتا. تشابه الاسم وحده لا يصنع نسبً، و شتان بين الاثنين.
✦ ✦ ✦
الجبل يحفظ أسراره
كانت قصة إسماعيل خير بك في جوهرها قصة نظام في نهايته.كان زعيمًا محليًا من نوع عرفه الجبل منذ قرون: يستمد شرعيته من البندقية والنسب والولاء الموروث، ويدير أرضًا يعرفها بعمق لا يعرفه أي قائمقام قادم من العاصمة. لكن تحولات القرن التاسع عشر ، التنظيمات والإدارة المركزية وسياسة نزع السلاح ، كانت تفكّك هذا النوع من الزعامة بصورة منهجية لا هوادة فيها.
وحين ضاقت الحلقة، فعل إسماعيل ما فعله السياسيون في كل زمان: جرّب الدبلوماسية ثم لجأ إلى ما يعرف ، الجبل والقبيلة والعهود المُقسَمة فوق قبور الأولياء. ومصطفى شكري باشا دفع السعر كاملًا لعلي الشلة قبل أن يجفّ الحبر.
تكشف تجربة إسماعيل قاعدة أوسع في تاريخ الساحل والجبل، إقامة سلطة قوية في هذه المنطقة لا تقوم على السلاح والعصبية وحدهما. تحتاج السلطة إلى ثلاثة شروط متداخلة، قاعدة محلية، وتسوية مع البيوت الدينية والعشائرية، وغطاء سياسي أوسع يتجاوز حدود الجبل. إسماعيل امتلك الشرط الأول جزئيا، وفشل في الثاني، ولم يحصل على الثالث. لذلك بقيت تجربته زعامة عسكرية محلية . أما في القرن العشرين، فقد ظهرت نماذج مختلفة تماما، قامت داخل جيش وحزب ودولة حديثة، واستفادت من توازنات دولية وإقليمية أوسع؛ ومن هنا يمكن فهم الفارق البنيوي بين تجربة إسماعيل القصيرة وتجارب السلطة الحديثة، درسا في شروط بقاء السلطة.
ستٌّ وثلاثون سنةً عاشها إسماعيل بن عثمان خير بك . وُلد في قرية اللقبة عام ١٨٢٢ ابنًا أصغرًا لا يملك حتى أولوية الإرث، وتوفي بين صخور الجورة عام ١٨٥٨ زعيمًا محاصَرًا خانه من أقسم له. وبين الميلاد والموت: عهودٌ وخيانات، وثائق وسرايا، سراي بُنيت من حجارة برج تخلة يدًا إلى يد، ورأسٌ أُرسل إلى دمشق، وثروةٌ انتقلت إلى قاتله، وأرملة اسمها تمرة تزوّجها من قطع رأس زوجها. وبقيت الجبال تحفظ أسرارها، كما كانت دائمًا، في صمت الصخر وذاكرة المخطوطات غير المفتوحة.
-------------------------------------------
المراجع
1. Charles-Isidore Blanche, “Études sur la Syrie: L’Ansarié Kaïr-Beik,” Revue européenne: lettres, sciences, arts, voyages, politique, Tome XII, Paris, 1860, pp. 384-402, 582-601.
2. Charles-Isidore Blanche, Études sur la province de Tripoli, manuscrit, 1858.
3. Maximilien Quantin, “Notice biographique sur Charles-Isidore Blanche, consul de France à Tripoli (Syrie),” Bulletin de la Société des sciences historiques et naturelles de l’Yonne, 1889.
4. Mercer to Moore, British Foreign Office Correspondence, 22 November 1858, FO 78/1386.
5. FO 195/587, Mercer to Moore, 26 October 1858.
6. FO 195/587, Moore to Malmesbury, 27 October 1858.
7. FO 195/587, Mercer to Moore, 23 November 1858.
8. FO 78/1116, Lyde to Moore, Latakia Mountains, 1 September 1855.
9. FO 78/1388, Brant to Henry Bulwer, Damascus, 25 October 1858.
10. FO 78/1389, Latakia, 29 September 1858.
11. FO 195/601, 20 October 1858.
12. FO 195/1153, Blanche to Eldridge, 12 May 1877.
13. FO 195/1369, Blanche to Eldridge, 13 December 1881.
14. CADN, Consulat de France à Damas, Côte No. 15, Max Outrey, 24 October 1858.
15. CADN, Côte 10, No. 77, Max Outrey, 28 October 1858.
16. CADN, Côte 10, No. 78, Max Outrey to Shouvenel, 13 November 1858.
17. CADN, Côte 12, Damas, 22 November 1858.
18. CADN, Côte 10, No. 80, Max Outrey, 27 November 1858.
19. CADN, Côte 12, No. 102, Max Outrey, 27 October 1859.
20. BOA, A.AMD. 83/17, 1 Dhu al-Hijja 1274 / 13 July 1858.
21. BOA, A.MKT.MHM. 144/6, 28 September 1858.
22. BOA, HR.MKT. 247/63.
23. BOA, HR.MKT. 197/48.
24. BOA, İ.HR. 157/8341.
25. BOA, I.DH. 409/27058.
26. BOA, MVL. 750/5.
27. BOA, MVL. 750/107.
28. BOA, MVL. 753/18.
29. BOA, MVL. 754/62.
30. BOA, A.MKT.UM. 336/55.
31. BOA, A.MKT.UM. 390/59.
32. L’Indicateur ou journal du commerce, janvier 1859.
33. La Gazette de France, 4 janvier 1859.
34. Presse d’Orient, lettre du 30 novembre 1858.
35. حديقة الأخبار، بيروت، أعداد 4 و10 و22 كانون الأول 1858.
36. Bulletin officiel des actes administratifs du Haut-commissariat de la République française en Syrie et au Liban, 15 décembre 1932.
37. Archives nationales de France, LH/252/8, dossier Charles-Isidore Blanche.
38. FranceArchives, MC/ET/CVI/936, procuration de Charles-Isidore Blanche et son épouse.
39. Bibliothèque municipale d’Auxerre, manuscrit Charles-Isidore Blanche, Études sur la province de Tripoli, 1858.
40. الجامعة الأميركية في بيروت، أرشيف جريدة حديقة الأخبار، 1858.
41. سجلات محكمة طرابلس الشرعية، سجل 5:18، قصر نوفل، طرابلس.
42. سجلات محكمة طرابلس الشرعية، وثائق الالتزام والخراج الخاصة بصافيتا وآل شمسين.
43. سجلات محكمة طرابلس الشرعية، وثائق حلة بيت المليح.
44. سجلات قصر نوفل / بلدية طرابلس.
45. أرشيف أوقاف طرابلس.
46. محمود عباس الشيميلي / الشملي، مخطوطة عن إسماعيل خير بك وابنه هواش، 196 صفحة.
47. Henry Harris Jessup, Fifty-Three Years in Syria, 2 vols., New York: Fleming H. Revell Company, 1910.
48. Samuel Lyde, The Ansyreeh and Ismaeleeh: A Visit to the Secret Sects of Northern Syria, London, 1853.
49. Samuel Lyde, The Asian Mystery: Illustrated in the History, Religion, and Present State of the Ansaireeh or Nusairis of Syria, London: Longman, Green, Longman, and Roberts, 1860.
50. Frederick Walpole, The Ansayrii and the Assassins, with Travels in the Further East, in 1850-51, 3 vols., London: Richard Bentley, 1851.
51. René Dussaud, Histoire et religion des Nosairîs, Paris: Librairie Émile Bouillon, 1900.
52. A. A. Paton, A History of the Egyptian Revolution, 1870.
53. C. F. Volney, Travels through Egypt and Syria.
54. Ulrich Jasper Seetzen, Reisen durch Syrien, Palästina, Phönicien, die Transjordan-Länder, Arabia Petraea und Unter-Aegypten.
55. Henry Maundrell, A Journey from Aleppo to Jerusalem.
56. Yvette Talhamy, “The Nusayri Leader Isma‘il Khayr Bey and the Ottomans (1854–58),” Middle Eastern Studies, Vol. 44, No. 6, 2008, pp. 895-908.
57. Yvette Talhamy, “The Fatwas and the Nusayri/Alawi of Syria,” Middle Eastern Studies, Vol. 46, No. 2, 2010, pp. 175-194.
58. Yvette Talhamy, “Conscription among the Nusayris (‘Alawis) in the Nineteenth Century,” British Journal of Middle Eastern Studies, Vol. 38, No. 1, 2011, pp. 23-40.
59. Yvette Talhamy, “The Nusayri and Druze Minorities in Syria in the Nineteenth Century: The Revolt against the Egyptian Occupation as a Case Study,” Middle Eastern Studies, Vol. 48, No. 6, 2012, pp. 973-995.
60. Yvette Talhamy, “The Ottoman Government and the Nusayris in the Second Half of the 19th Century.”
61. Ali Çapar, “İsmail Hayr Bey İsyanı Işığında Osmanlı-Nusayri İlişkileri,” Türk Kültürü ve Hacı Bektaş Veli Araştırma Dergisi, Sayı 91, 2019, ss. 43-64.
62. Ali Çapar, The History of Nusayris (‘Alawis) in Ottoman Syria, 1831-1876, M.A. Thesis, University of Arkansas, 2013.
63. Ali Çapar, “Sectarianism, Pragmatism and Negotiation: Ottoman-Nusayri Relations and Changing Status of Nusayris Between the 16th and 19th Centuries,” Journal of Alevism-Bektashism Studies, No. 22, 2020, pp. 111-148.
64. Ali Çapar, “The Transformation of the Ottoman State’s Relationship with the Nusayri/ʿAlawi Community in the Nineteenth Century,” Islam and Christian-Muslim Relations, Vol. 35, No. 1, 2024, pp. 61-83.
65. İlker Kiremit, “Osmanlı Safitasında Şemsinlerle Reslanlar Arasında Yaşanan Bir Çatışma,” XIX. Türk Tarih Kongresi, III. Cilt, I. Kısım, Ankara: Türk Tarih Kurumu, 2024.
66. Necati Alkan, “Fighting for the Nusayrī Soul: State, Protestant Missionaries and the ‘Alawīs in the Late Ottoman Empire,” Die Welt des Islams, Vol. 52, No. 1, 2012, pp. 23-50.
67. Necati Alkan, Non-Sunni Muslims in the Late Ottoman Empire: State and Missionary Perceptions of the Alawis, London: Bloomsbury Publishing, 2022.
68. İlhan Erdem, XIX. Yüzyılda Osmanlı İmparatorluğu’nda Nusayrîler: Beyrut ve Halep Vilayetleri Örneği, 1840-1875, Doktora tezi, 2018.
69. Mehmet Çelik, 1287-1326 (1870-1908) Tarihli Beyrut Vilayeti Salnamelerine Göre Safita Kazası, Yüksek lisans tezi, 2017.
70. Ali Sinan Bilgili et al., Osmanlı Arşiv Belgelerinde Nusayrîler ve Nusayrîlik (1745-1920), Ankara: Gazi Üniversitesi, 2010.
71. Stefan Winter, A History of the ‘Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic, Princeton: Princeton University Press, 2016.
72. Stefan Winter, “The Alawis in the Ottoman Period,” in The Alawis of Syria: War, Faith and Politics in the Levant, edited by Michael Kerr and Craig Larkin.
73. Stefan Winter, “The Other Nahdah: Ottoman Syria and the History of Nusayri Scholarship,” Die Welt des Islams, 2025.
74. Stefan Winter, The Shiites of Lebanon under Ottoman Rule, 1516-1788, Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
75. Dick Douwes, The Ottomans in Syria: A History of Justice and Oppression, London: I.B. Tauris, 2000.
76. Caesar E. Farah, The Politics of Interventionism in Ottoman Lebanon, 1830-1861, London: I.B. Tauris, 2000.
77. Kamal S. Salibi and Yusuf K. Khoury, eds., The Missionary Herald: Reports from Ottoman Syria, 1819-1870, 4 vols., Amman: Royal Institute for Inter-Faith Studies, 1995.
78. Jens Hanssen, Fin de Siècle Beirut: The Making of an Ottoman Provincial Capital, Oxford: Clarendon Press, 2005.
79. Leon T. Goldsmith, Cycle of Fear: Syria’s Alawites in War and Peace, London: Hurst & Company, 2015.
80. Fabrice Balanche, La région alaouite et le pouvoir syrien, Paris: Karthala, 2006.
81. Tobias Mörike, “Mount Lebanon as Epistemic Site: Beginnings of Biogeography in the Levant,” in In the Steps of the Sultan, Beirut: AUB Press, 2024.
82. Paul Van Caldenborgh, Savage Human Beasts or the Purest Arabs? The Incorporation of the Alawi Community into the Syrian State during the French Mandate Period, 1918-1946, PhD dissertation, Radboud University Nijmegen, 2005.
83. Elias Bou-Nacklie, “Les Troupes Spéciales: Religious and Ethnic Recruitment, 1916-1946,” International Journal of Middle East Studies.
84. George Jabbour, “Safita et son environnement au XIXe siècle,” in Histoire économique et sociale de l’Empire ottoman et de la Turquie, ed. D. Panzac, Paris: Peeters, 1995, pp. 605-617.
85. G. Jabbour, “Safita et son environnement au XIXe siècle,” in Histoire Économique et Sociale de l’Empire Ottoman, Peeters, 1995, pp. 605-617.
86. منير عبد الحميد صقر، تاريخ صافيتا في العهد العثماني 922-1337هـ / 1516-1918م، دمشق: دار العراب، 2011/2012.
87. بسام عيسى القحط، تاريخ صافيتا الاجتماعي والاقتصادي في العهد العثماني، رسالة ماجستير، جامعة دمشق، 1997.
88. يوسف جميل نعيسة، المرجع في وثائق تاريخية عن الشام في أثناء حملة محمد علي باشا 1247-1256هـ / 1831-1840م، دمشق: منشورات جامعة دمشق، 2004.
89. Yousef Hussein Omar, “Alawites Rebellion in Syria Against Egyptian Rule (1834-1835),” Alevilik-Bektaşilik Araştırmaları Dergisi, No. 22, 2020.
90. شادي عبده مرعي، “التمرد العلوي خلال حملة إبراهيم باشا على ولاية طرابلس 1832-1835.”
91. شادي عبده مرعي، “معركة البداوي.”
92. الأمير حيدر الشهابي، الغرر الحسان في أخبار أبناء الزمان.
93. لبنان في عهد الأمراء الشهابيين.
94. أحمد علي حسن، تاريخ حمين خلال ثلاثة قرون، 1998.
95. محمد بهجت ورفيق التميمي، ولاية بيروت، القسم الشمالي.
96. محمد كرد علي، خطط الشام، 6 أجزاء، دمشق: مكتبة النوري، 1925-1928.
97. هاشم عثمان، تاريخ العلويين: وقائع وأحداث، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1997.
98. إميل عباس آل معروف، تاريخ العلويين في بلاد الشام، 3 أجزاء، لبنان: دار الأمل والسلام، 2013.
99. حسان القالش، قطار العلويين السريع: الوعي السياسي عند العلويين، النشأة والتطور 1822-1949، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.
100. عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين: المعتزلة، الأشاعرة، الإسماعيلية، القرامطة، النصيرية، بيروت: دار العلم للملايين، 1973.
101. أبو موسى الحريري، العلويون النصيريون: بحث في العقيدة والتاريخ، بيروت: دار لأجل المعرفة، 2002.
102. عيسى أسعد خوري، تاريخ حمص، طرابلس، لبنان: المنشورات الجامعة.
103. فيليب وفريد الخازن، مجموعة المحررات السياسية والمفاوضات الدولية عن سورية ولبنان من سنة 1849 إلى سنة 1910، بيروت، 1984.
104. Mariano Goybet، مذكرات / دفتر حملة الشام، 1920.
105. Gallica / Bibliothèque nationale de France, Revue européenne, Tome XII, 1860.
106. Gallica / Bibliothèque nationale de France, L’Indicateur ou journal du commerce, janvier 1859.
107. Gallica / Bibliothèque nationale de France, La Gazette de France, 4 janvier 1859.
108. Gallica / Bibliothèque nationale de France, Bulletin officiel des actes administratifs du Haut-commissariat de la République française en Syrie et au Liban, 15 décembre 1932.
109. Gallica / Bibliothèque nationale de France, Revue du monde musulman, Tome 49, mars 1922.
110. Gallica / Bibliothèque nationale de France، 1920.
111. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري، المؤسسة العامة للمساحة، دمشق.
112. John Arrowsmith, Turkey in Asia, London, 1858, David Rumsey Map Collection.