كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نصر بن معالي الخرقي شيخ من جبلة حفظته اثنتا عشرة مسألة.. الرجل الذي حفظته ورقة- ج1

سيمون خالد علي

في النصف الثاني من حزيران 1202م فرغ عالم على الساحل السوري من كتابة أجوبة طويلة عن اثنتي عشرة مسألة وردت إليه مكتوبة من بلدة جبلة. وصدر الرسالة يسمي مرسلها نصر بن معالي الخرقي. وهذا الاسم هو كل ما بقي من الرجل، ولم يكشف التفتيش في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، وهو أقرب مؤرخ معاصر لتلك السنة، ذكرا له (1)، و يظهر اسمه في سجلات المقامات الميدانية التي جمعت أولياء الساحل قرية قرية (2). ومع ذلك نعرف عن عقله أكثر مما نعرف عن مولده وموته، لأن أسئلته حفظت داخل أجوبة غيره.
ووصل النص في طريقين نصيين متوازيين ضمن المناظرات والردود، الجزء الثاني، وهو المجلد الثاني عشر من سلسلة التراث العلوي، ص 178–196 (3)؛ وشرح الشيخ عيسى سعود الجنيدي على الرسالة نفسها، وفيه صدر أتم وتمييز صريح لحدود كلام المجيب وقراءات تصلح فساد المطبوع. وتحفظ صفحته الأولى المتن مسائل وردت من بلدة جبلة، من الشيخ نصر بن معالي الخرقي، حرسه الله تعالى، وقد أجابه عليها الفقيه الأجل العالم العارف المحقق المدقق الشيخ عماد الدين أبو الحسن أحمد بن جبلة بن أبي العريض الغساني، في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة (598هـ) لهجرة الرسول الكريم سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وآله (4).
المتن نص من القرن السادس الهجري، وما تحته كلام شارح من القرن التاسع عشر. ويضيف الجنيدي في حاشيته الأولى من شيوخنا الذين كانوا يسكنون بلدة جبلة، وله فيها مقام موجود حتى الآن، شرقي ميناء جبلة بأمتار قليلة، وهو قبة مبنية بالحجر الأصفر، مهملة، اعتدى عليها جيرانها، وأقاموا حولها بناء عشوائيا أغلق مدخلها (5).
وتظهر الصور المرفقة للبناء المشار إليه ما يوافق هذا الوصف بناء حجري مربع أو شبه مربع تعلوه قبة كبيرة ملساء، وجدرانه من حجر منحوت كبير مائل إلى الصفرة، وفي واجهته مدخل ذو عقد حجري بارز، وقد نبتت الشجيرات في مداميكه العليا؛ مع إضافة مبنية أمام الواجهة تحجب المدخل أو أكثره وتبقي القبة وحدها ظاهرة (7). المقام لا يثبت وحده أن نصر ولد في جبلة، ولا أنه مات فيها، ولا أن البناء القائم اليوم من عصره، فالمقامات تجدد ويعاد بناؤها وتنتقل نسبتها.
ويحمل جدار البناء لوحة حجرية مؤطرة في ثلاثة أسطر بخط نسخي، يقرأ في صدرها مطلع الآية إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر. الفقير إلى الله وتاريخا يقرأ 913هـ، ويقطع الحجر كسر مائل يمر بسطوره .
اللوحات التأسيسية كثيرا ما تسجل عمارة أو ترميما لاحقا في بناء أقدم منها. ولا يسمح الطراز الظاهر في الصور حسم تاريخ الإنشاء، مبنى حجري مقبب لم تحرر مراحل عمارته بعد، و مر بأطوار بناء وإعادة استعمال، والحسم لقراءة اللوحة والفحص الأثري. لجبلة سجلا نقشيا مملوكيا مؤرخا: خان أوقفه أرغون شاه، كافل المملكة الطرابلسية، لأبناء السبيل سنة 798هـ، ونقش في الجامع المنصوري سنة 883هـ يذكر زيارة نائب طرابلس ومقام إبراهيم بن أدهم. فقد كانت المدينة في أواخر العصر المملوكي تحمل عمارة موقوفة وحركة زيارة موثقة بالنقوش، وهو ما يجعل وجود تاريخ متأخر على لوحة في هذا الموضع ممكنا زمنيا من غير أن يؤرخ اللوحة نفسها ولا أصل البناء (59).
وتتنازع المكان ذاكرتان رواية متأخرة تسميه مزار العمري أو العمري وتربطه بعبادة بن الصامت وفتح جبلة وتأسيس مسجد فيها، ولم يظهر لها شاهد وسيط ولا نقش (9)؛ ورواية تجعله ضريح نصر، زائرا رآه قبل نحو نصف قرن وفيه ضريح، و قبابا أخرى كانت قائمة على جانبي رصيف الميناء وشرقي المنطقة، ومقبرة في أحد الأحياء لجماعة الشيخ نصر (10)؛ وصندوق الضريح رفع لاحقا وأسرة سكنت البناء زمنا.
المسجد لا يضم قبرا، والمقام قد يضم محرابا وموضع صلاة، ووظيفة البناء تتغير عبر القرون. و يقال أن نصر كان مرابطا ثغريا يحرس مرفأ جبلة، وأن قرب مقامه من الميناء دليل وظيفة عسكرية، فالشارح يصفه بالشيخ ويحدد موضع المقام تحديدا مكانيا، ولا يذكر له منصبا ولا ولاية ولا حراسة، ولا يذكر نص المسائل شيئا من ذلك. وتفيد الحاشية فائدة أخرى قوله من شيوخنا يثبت أن ذاكرة نصر بقيت حية في الوسط الذي حفظ رسالته. وينتمي نصر بوضوح إلى ذلك الوسط الديني والفكري، تشهد بذلك مراسلته عماد الدين الغساني، وطبيعة مسائله، وإحالته في المسألة الثالثة إلى قول الخصيبي بنقل الطبراني، وبقاء نصه داخل هذا التداول وحده.
للخرقي ضبطان الخرقي بفتحتين، نسبة إلى خرق من قرى مرو على ثلاثة فراسخ منها عند السمعاني؛ والخرقي بكسر الخاء وفتح الراء، نسبة شامية تتصل ببيع الخرق والثياب (11). ويضبطها فرع الشرح بفتح الخاء والراء، وقد عاش في الشام زمن نصر بيت عرف بابن الخرقي، منه عبد الرحمن بن علي بن المسلم اللخمي الدمشقي الشافعي، معيد المدرسة الأمينية، المتوفى 587هـ، أي قبل المسائل بإحدى عشرة سنة، ومن ذريته أبو المظفر نصر بن أحمد المتوفى 643هـ (12). فالاسم والنسبة كانا حيين في الشام في القرن نفسه، و ابن الخرقي شهرة بيت ، فلا قرابة بين نصر و أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي الحنبلي المتوفى 334هـ. ويرد في خاتمة كتاب البحث والدلالة، ضمن قائمة الشيوخ الذين ذكر الحسين بن حمدان الخصيبي أنه لقي منهم ما ينيف على ستين رجلا ممن لقوا العسكري، اسم عبد الحميد بن محمد بن يحيى، وتقرأ نسبته الخرقي (13). مما يفتح طريقا داخليا لتداول هذه النسبة في شبكة رواة الخصيبي قبل صاحب مسائل جبلة.
ومما سقط ولا يعاد وصفه بالغساني، وهو لقب المجيب لا السائل، انتقل إليه بالمجاورة في مقدمة محرري الجزء الأول من السلسلة سنة 2002م حيث جعل الخرقي الغساني المنتسب إلى عائلة الأمير جبلة بن الأيهم؛ ووصفه بالرفدي أو الجبلي أو الجبلاوي أو العصيدي؛ وقراءة مضر بن معالي، وأصلها موضع واحد عند عبد الرحمن بدوي وهو يلخص فهرس لويس ماسينيون، فليست شاهدا موازيا (14)؛ وعدد الأسئلة أربع عشرة؛ وسنتا 1215م و1219م اللتان نسبتا إلى وفاة نصر، وأصلهما تقديرات لوفاة أحمد الغساني انتقلت إلى السائل بالمجاورة النصية؛ ولا تثبت لنصر سنة وفاة معينة.
نعرف أسئلة نصر وتاريخها أكثر مما نعرف حياته. وفي الجزء التالي ننتقل إلى جبلة سنة 1202م.
"يا قِرْد".. حين تنطق اللهجة بذاكرة أقدم من الكلام..
المعلم جامع المريج امام الجبل في القرن السابع الهجري
الدستور العلوي.. نصٌّ متأخر يحمل أسماء المؤسسين ولا ينتمي إلى تأليفهم
دَولَةُ بني عمّار
الوالي العثماني سليمان باشا والي صيدا ودمشق وطرابلس وامرية الحج ١٨٠٤/ ١٨٢٠م وسبب غنى يهود دمشق
يوسف الرداد الحلبي مناظر ونص ومقام في جبال الساحل السوري.. ج1
الشجرة الجامعة لآل رفد وآل الصويري: النسب والفروع
لا شهادة حسن سلوك.. دراسة في العلوية ومحاكم الإسلام الرسمي
دور الجاهزية الاستراتيجية في تحقيق الرشاقة الاستراتيجية للمنظمات في الأزمات
دراسة في الجذور الفلسفية للعرفان العلوي.. من أفلاطون وفيثاغورس إلى هندسة العودة
آل الصويري.. من السيرة والمقام الى النص والمخطوط والشعر والرمز وشبكة الرجال- ج2و3
آل الصويري.. القرية، النسب، التغريبة، ووجه الشيخ علي بن منصور الصويري
آل المطرجي صعود اللاذقية الكبير في عصر آل مطرجي نهاية القرن السابع عشر
طفولتي القروية.. بيتي الترابي والتوتة والدالية
حكاية من حكايات الهجرة العلوية من كسروان