نصر بن معالي الخرقي- ج2
2026.08.31
سيمون خالد علي
بعد تثبيت اسم نصر وزمن رسالته، ينتقل البحث من الرجل إلى مدينته: جبلة سنة 598هـ/1202م. ففي المكان الذي حفظ ذاكرته، وفي الميناء والسوق والطرق والمؤسسات، تتضح البيئة التي خرجت منها مسائله.
جبلة سنة 1202م
بقي من نصر بن معالي الخرقي شيئان، ورقة تحفظ عقله، وموضع على الشاطئ تشبثت به ذاكرته. والورقة موضع الجزء الثالث، أما الموضع فنبدأ منه، لأنه أضعف الخيطين وأقدمهما عرضة للضياع. يقف على شاطئ جبلة، إلى الشرق من الميناء القديم بأمتار قليلة، بناء حجري مقبب ما يزال قائما. وهو الموضع الذي وصفه شارح مسائل نصر حين قال إن للرجل مقاما في البلدة موجودا حتى الآن، شرقي الميناء، قبة مبنية بالحجر الأصفر، مهملة، اعتدى عليها جيرانها وأقاموا حولها بناء عشوائيا أغلق مدخلها (5). والبناء الذي يعرف اليوم بقبة العمري يطابق هذا الوصف في الموضع والقبة ولون الحجر. ويقدم توثيق ميداني له صورة أدق: منشأة مساحتها نحو خمسين مترا مربعا، من الحجر الرملي، تعلوها قبة، ولها أربعة أواوين، ومحراب في الجدار الجنوبي، ومدخل شمالي، ونافذتان شرقية وغربية، وعلى جهتها الشرقية كتابة قرآنية، وكانت غرفتها الأرضية مستعملة للسكن حين وثقت 8. ويضيف رئيس دائرة آثار جبلة تحديدا أدق للموضع، فيجعلها في الجهة الجنوبية الشرقية من الميناء القديم (10).
ووصف الجنيدي دقيق إلى حد يجعله قابلا للاختبار، ولذلك يلزم أولا فصل المنشآت بعضها عن بعض، فقد اختلطت اختلاطا شديدا. فقبة العمري ليست الجامع الكبير ولا فرعا منه. والدراسة المعمارية للجامع الكبير تحصي أسماءه المتداولة: الجامع الكبير، وجامع المنصوري، والجامع الجديد، وتذهب إلى أن نسبته إلى المنصور جاءت من ألقاب النقش الأيوبي المثبت فيه، حيث يقرأ الملك الناصر المؤيد المنصور، أي الناصر يوسف صاحب حلب،
(لا من قلاوون المنصور ولا من أبي جعفر المنصور) كما شاع (124). وتصف مادة الآثار في جبلة مسجد الحموي بأنه عند تقاطع زقاقين، أحدهما زقاق المنصوري والآخر يتجه من الشرق إلى الغرب نحو البحر مارا أمام قبة العمري الأثرية (9). فالقبة والمنصوري عنصران متمايزان في مخطط المدينة نفسه، والزقاق الذي يمر أمامها هو الذي ينزل إلى البحر. وهما معا غير جامع السلطان إبراهيم بن أدهم ومقامه، وهو ثالث مستقل له تاريخه، وقد ذكره أبو الحسن الهروي المتوفى سنة 611هـ في كتاب الزيارات فقال إن بجبلة قبر إبراهيم بن أدهم على البحر، وهو شاهد قريب جدا من جيل نصر على أن المدينة كانت تعرف ثقافة زيارة ومقامات مسماة، ثم رآه ابن بطوطة في القرن الثامن فقال: وعلى قبر إبراهيم بن أدهم زاوية حسنة فيها بركة ماء وبها الطعام (126). فالمشهد الذي مقام نصر جزء منه مزدحم بما يشبهه، وهذا سبب الالتباس.
أما تاريخ البناء ففي الجدار لوحة حجرية مؤطرة في ثلاثة أسطر، يقرأ في صدرها مطلع الآية: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، ويقطع الحجر كسر مائل يمر بسطوره (12). وأقوى ما في النقش المتاح لجبلة من تواريخ قريبة هو سنة 753هـ الموافقة 1352م. فسجل الكتابات العربية يضم في مجلده السادس عشر، الذي يغطي السنوات 746 إلى 762هـ، مدخلا من جبلة تحت سنة 753هـ، عنوانه بالفرنسية Chapelle de 'Uthmān، ونوعه نص إنشاء وتوقيع، ومصدره بلاغ من L. A. Mayer عن مجموعة فان برشم، الظرف السابع عشر والدفتر العاشر، الصفحة 43، وفيه إحالة إلى الآية الثامنة عشرة من سورة التوبة (89). ويقابله في إحصاء المنشآت الإسلامية بجبلة أمران متجاوران، زاوية عثمان سنة 753هـ، منشأة مفقودة اليوم، يذكر جان سوفاجيه أنها كانت قائمة في الزقاق الجنوبي المجاور لجامع المنصوري؛ ثم قبة العمري، وهي مدرجة صراحة غير مؤرخة (88).
وهذا الفصل ثقيل لأن صاحبته صاحبة أطروحة دكتوراه عن المدينة من العصر الفاطمي إلى المملوكي، يذكر ملخصها الفرنسي أن قسمها الثاني يدرس آثار المدينة المسيحية وأبنيتها الإسلامية، ويسمي منها مسجد السلطان إبراهيم والمنصوري والحموي وحمام التصاوير وحمام السلطان وقبة العمري، ثم يقترح مخططا لجبلة في أواخر العصر المملوكي اعتمادا على هذه الأبنية وعلى المعطيات الأثرية القائمة في المدينة القديمة (131). والإحالة الوحيدة إلى سوفاجيه التي أمكن ضبطها تخص نقشا آخر تماما هو نقش المنصوري المؤرخ سنة 741هـ..
القراءة الحديثة للحجر القائم في قبة العمري تشترك مع مدخل سجل الكتابات في الآية نفسها، وفي عبارة هذا المكان المبارك، وفي السنة نفسها، وفي توقيع الصانع: عمل أحمد بن عمر. ويختلف الفرعان في الفعل، إذ تقرأ الحديثة جدد بينما تتردد القديمة في قراءة فعل الإنشاء، وفي اسم صاحب العمل، إذ تقرأ الحديثة عمر بن حسين بينما تقرأ القديمة ما يشبه عثمان الحموي مع علامة استفهام. والبطاقة الحديثة نفسها غير مستقرة، إذ تضع في خانة التاريخ سنة 741هـ بينما يعطي متن قراءتها سنة 753هـ (143). فأمامنا احتمالان أن يكون سجل الكتابات قد نشر نقش زاوية عثمان المفقودة ثم ألصقت مادته لاحقا بقبة العمري، أو أن يكون الفرعان قراءتين لحجر واحد وأن الفصل الحديث بين المنشأتين يحتاج مراجعة. ولا يرجح أحدهما بمقدار التشابه وحده، لأن غير الثابت موضع الحجر و بعض قراءة نصه أيضا: الفعل والاسم كلاهما مختلف فيه بين الفرعين. والحسم يحتاج مادة بعينها: الدفتر العاشر من مجموعة فان برشم، الصفحة 43، وما يرتبط بها من رسم أو صورة أو طبعة ، ومعها ملف جبلة المستقل في الأرشيف نفسه.
الدفتر محفوظ اليوم في أرشيف ماكس فان برشم بمكتبة جنيف تحت الرقم 77/5، وعنوانه الدفتر العاشر، سورية: حلب، اللاذقية، جبلة، طرابلس، من رحلة سنة 1895م، وأوراقه مرقمة من الصفحة الأولى إلى الحادية والسبعين. وفي الأرشيف نفسه ملف مستقل عنوانه جبلة، رقمه 172/11، ويقول وصفه إنه لا يحتوي إلا على رفوع النقوش. ويؤكد أن الظرف السابع عشر والدفتر العاشر حزمة جبلاوية حقيقية أن مدخلا آخر في المجلد نفسه من سجل الكتابات، رقمه 6157، يسجل ضريح ابن أدهم بجبلة سنة 751هـ، ومصدره الظرف والدفتر نفسهما، الصفحة 52 (142). فالصفحتان 43 و52 تقعان في كتلة واحدة من ملاحظات فان برشم الميدانية عن جبلة.
النقش لن يسمي صاحب الضريح الذي كان داخل القبة، ولا يذكر نصرا ولا أحدا من جيله؛ ولذلك لا تؤخذ سنة 753هـ تاريخا لمقام نصر ولا شاهدا على نسبته. وقيمته بالنسبة إلى رجل من سنة 598هـ قيمة أخرى: أن يحرر سيرة المبنى نفسه، فيبين متى جدد وكم طورا مر به، وإلى أي عمق تمتد حياته إلى الوراء. وصيغة النص تعين على ذلك: فقراءة جدد هذا المكان المبارك، لا جدد هذا المسجد، صيغة وظيفية واسعة تصلح لمقام أو ضريح أو منشأة دينية، وهي تسجل عملا لاحقا في بناء أقدم منه. ويلزم من ذلك أيضا أن اسم العمري مسألة مستقلة تماما عن نص 753هـ؛ فالنقش لا يقول قبة العمري، ولا يجوز اشتقاق الاسم من عمر بن حسين، كما لا يجوز جعله دليلا تلقائيا على عمر بن الخطاب ولا على عبادة بن الصامت. وقد تنازعت المكان ذاكرتان: رواية محلية متأخرة تسميه مزار العمري وتربطه بعبادة وفتح جبلة، ولم يظهر لها شاهد وسيط ولا نقش (13، 14).
فإذا انتقلنا من النقش إلى طبقات البناء نفسه، صار السؤال زمنيا صريحا: هل كان في هذا الموضع بناء يمكن أن يحتضن ذاكرة رجل عاش سنة 598هـ، أم أن المنشأة كلها متأخرة عنه؟ وقد تقدمت المعرفة بذلك تقدما حقيقيا، فقد أفاد رئيس دائرة آثار جبلة سنة 2019م، أثناء أعمال دراسة المبنى وترميمه، بأن تأسيسه يعود إلى مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، وأن أساسه وقبته أقدم من جدرانه المملوكية، وأنه حول إلى مسجد في العصر المملوكي. غير أن المتحدث نفسه يقول في السياق ذاته إنه لا توجد للمبنى دراسة معمقة، ثم يرد في الخبر المنشور أن القبة بنيت سنة 753هـ، وهو ما لا يجتمع حرفيا مع نسبة القبة والأساس إلى مطلع القرن الثاني عشر (10). فالمرتبة الصحيحة لهذه الشهادة أنها رأي أثري ميداني متخصص صادر عن المسؤول عن الموقع أثناء العمل فيه، و ليس تقرير طبقات منشور يمكن فحص أدلته. ومع ذلك فأثرها في مسألتنا واضح: لم يعد الاعتراض القائل إن مقام نصر لا يمكن أن يكون في بناء مملوكي متأخر اعتراضا قائما، لأن الشهادة الأثرية الميدانية المتاحة ترجح للمبنى نواة تسبق ذلك الطور. لكن إمكان وجود بناء في الموضع زمن نصر شيء، وكون هذا البناء هو القبة بهيئتها اليوم شيء ثان، ودفن الرجل فيه شيء ثالث، ولا ينتقل الحكم من واحد إلى ما بعده بغير دليل خاص به.
ويعين على قراءة هذه المنشأة أن جبلة نفسها مدينة إعادة استعمال. فقد شاهد إيمانويل غيوم راي في أيلول 1859م المسرح الروماني وقد حول إلى حصن: أغلقت معظم فتحاته وأضيفت إليه أبراج مربعة ضخمة عند الزوايا وعلى محيطه، ثم اختفت تلك الإضافات لأن حجارتها استعملت في أبنية المدينة الحديثة وفي مسجد السلطان إبراهيم. وشاهد في السنة نفسها جنوب شرقي المدينة امتدادا طويلا من سور نسبه إلى العصر الفرنجي، مبنيا بكتل حجرية كبيرة ذات بروزات منحوتة، مسنودا ببروزات مربعة أو مستطيلة، وشبهه بأسوار طرطوس، ثم عاد سنة 1866م فوجد أنه لم يبق منه أثر (133). فالقطاع الجنوبي الشرقي من جبلة، وهو القطاع الذي تقع فيه قبة نصر، كان يحمل في منتصف القرن التاسع عشر بنية عمرانية وسيطة قائمة زالت خلال سبع سنوات.
ويقدم مسح عمارة الفرنج في الشام نظيرا لهذا الجنس المعماري: مقصورة تذكارية صغيرة مربعة المسقط، مفتوحة في أصلها بأربعة عقود كبيرة، ينتقل بناؤها من المربع إلى المثمن بأربع حنيات ركنية، وتعلوها قبة نصف كروية، وحل الانتقال فيها شرقي، ولها نظير مؤرخ بالخليل بين سنتي 1119 و1167م؛ ويسجل المسح نفسه أن منشآت من هذا النوع دخلت لاحقا في أبنية أخرى وشغلها قبر ولي مسلم، وأن مصلى مسيحيا آخر تحول إلى ضريح شيخ مسلم (134). فمسار منشأة تذكارية صغيرة تصير مقاما إسلاميا مسار موثق في عمارة المنطقة و ليس افتراض خاص بجبلة، وهو المسار الذي يفسر كيف يمكن لاسم رجل أن يعلق ببناء أقدم منه أو أحدث. لكن لا يجوز تحويل هذا النظير إلى وصف لقبة العمري نفسها، فليس في المصادر القديمة نص يقول إن هذا البناء كان مفتوح الجهات ثم أغلق، ولا يلزم من وصف أربعة أواوين أن تكون أربعة عقود مفتوحة إلى الخارج. والذي يثبته الشكل القائم اليوم هو طوره الإسلامي الأخير: المحراب في الجدار الجنوبي، والنقش القرآني، والفراغات المسماة أواوين، والقبة فوق غرفة مربعة، وهي هيئة شائعة في المنشآت الجنائزية الأيوبية والمملوكية بالشام. ولفظ القبة نفسه كان في الاصطلاح المملوكي اسما لنمط بنائي يجمع الوظيفة الجنائزية و الزاوية، فلا يتعارض وجود المحراب مع وجود القبر (90).
أمامنا بناء متعدد الأطوار لا يسمح شكله القائم وحده بتأريخ نواته، وأن الطور المملوكي مرحلة من حياته.
وتضاف إلى المعمار طبقة أخرى من الشهادة. فقد نقل من أهل المدينة من يذكر أنه زار البناء قبل نحو خمسة وأربعين عاما ورأى فيه ضريحا، ويصف قبابا أخرى كانت قائمة على جانبي رصيف الميناء وشرقي المنطقة، ومقبرة في أحد الأحياء لجماعة الشيخ نصر (15). ونقل غيره سكنى أسرة في البناء وما حوله في سبعينيات القرن العشرين، ووجود ملحقات وضريح، وأن الذي بقي اليوم قبة بلا ضريح، وأن أحد مشايخ المنطقة كان يعرف الموضع بأنه مقام علوي (16). وتجعل الشهادتان المحليتان المتقاربتان وجود ضريح داخل القبة إلى وقت قريب راجحا بقوة، وأثر ذلك في مسألتنا أنه يرجح الطبيعة المقامية للموضع، فهو يقرب البناء من صنف المقامات ولا يقربنا من تسمية من دفن فيه. و كذلك كان على شاطئ الميناء نفسه مزار آخر يعرف بمزار المغاوري، أزيل سنة 1975م.
وصف الجنيدي محدد في الموضع والهيئة والمادة، وموضع البناء شرقي الميناء وجنوبه الشرقي على مسافة قليلة منه كما وصفه، وهيئته قبة حجرية صغيرة قائمة، وحجره رملي مائل إلى الصفرة، وذاكرة المكان استمرت تعرفه مقاما، والشهادات المحلية تؤكد وجود ضريح كان داخله إلى زمن قريب، ولم يظهر من خلال البحث و الدراسة بناء آخر قائم في الموضع نفسه يجمع هذه الصفات كلها فينازعه. فقبة العمري هي أفضل مرشح معروف للمقام الذي نسبه الكتاب إلى نصر، والمطابقة مؤكدة.
ولقول الشارح من شيوخنا دلالة تتجاوز تعيين المكان. فهو يحفظ نصرا داخل الوسط الذي بقيت رسالته متداولة فيه، ويجعل ذكره حيا في الجماعة التي نسخت نصه وشرحته بعد قرون. وذلك أول خيط في مسألة سنعود إليها آخر هذا الجزء.
فإذا كان الحجر يحفظ أضعف ما بقي من الرجل، فإن المدينة المحيطة به تفسر كيف أمكن له أن يملك الخيط الأقوى: ورقة تسميه وتكشف طريقته في القراءة والسؤال. ولذلك ننتقل من البناء إلى ما حوله. وأول ما يضبط هو الوضع السياسي، وهو قابل للتحديد بدقة. فقد كانت جبلة سنة 598هـ مدينة ساحلية داخلة في مملكة حلب الأيوبية. أعطى الملك الأفضل أخاه الملك الظاهر غازي مدينتي جبلة واللاذقية سنة 590هـ باتفاق بين أبناء صلاح الدين، ، فمنحه ذلك امتدادا ساحليا بين كونتية طرابلس وإمارة أنطاكية (30). فنصر كتب من مدينة تابعة لسلسلة سلطة معينة تنتهي إلى حلب.
ففي سنة 593هـ الموافقة 1196 و1197م، حين خشي الظاهر غازي تقدم الفرنج على الساحل، أرسل الحجارين والنقابين إلى جبلة واللاذقية لتعطيل تحصينهما حتى لا يستفيد منها العدو إن دخلها؛ وتذكر الرواية أن رجلا يقال له مبارز أرسل إلى جبلة ففكك سورها وهدم بيوتها وأخرج سكانها، ثم لما زال الخطر أمر الظاهر بإعادة بناء ما تهدم في المدينتين وجاء بنفسه لتفقد أعمال الترميم (132). على أن المصادر لا تتفق على تفصيل ما جرى: فبعض الروايات الغربية توحي باستيلاء لاتيني قصير على جبلة واللاذقية في سياق الحملة الألمانية، بينما تصف المصادر الإسلامية الأمر تهديدا دفع الحاكم المسلم إلى زيادة تخريب التحصينات (139). فالمدينة مرت قبل صحيفة نصر بخمس سنوات فقط بدورة من التعطيل الدفاعي والإخلاء وإعادة البناء، ويكمل الصورة أن رحالة ألماني زار الساحل سنة 1212م فوصف جبلة موضعا محصنا له قلعة (139). فبين سنة 1197 و1212م وقعت إعادة إعمار دفاعية حقيقية، وتقع سنة نصر في وسط هذا القوس ، حين ينظر في عمارة المدينة، إذ لا يكفي أن يسأل هل نجا من تلك السنوات أم أعيد بناؤه فيها.
انتهى في السنة نفسها طور من الصراع داخل البيت الأيوبي بإقرار الظاهر بسيادة عمه الملك العادل مع بقائه صاحب حلب (31، 120). ثم في سنة 601هـ الموافقة 1204م هاجم الفرنج جبلة واللاذقية فقتلوا ونهبوا، مع وجود حامية للظاهر في المدينة (132). فسنة 598هـ هدوء هش بين موجتين.
جبلة والمرقب لم تكونا مشمولتين حتما بهدنة عامة تمتد من سنة 594 إلى سنة 599هـ؛ فهدنة سنة 594هـ الموافقة 1198م عقدت مع مملكة بيت المقدس، وتميز الدراسات الحديثة بينها وبين هدنة مستقلة فيما بعد مع كونتية طرابلس (119). ففي سنة 1203م، أي بعد صحيفة نصر بقليل، وصل رينو دي دامبيير وفرسان فرنسيون معه إلى مجال المرقب في طريقهم برا إلى أنطاكية، فاستقبلهم حاكم جبلة المسلم إكراما لأنه كان في هدنة مع جيرانه في المرقب، وحذرهم من دخول إقليم اللاذقية قبل الحصول على إذن الملك الظاهر غازي، و عرض أن يكتب طلب الإذن بنفسه؛ فرفض رينو الانتظار ودخل فوقع في كمين وقتل معظم رجاله (132). وهذه الواقعة تجمع في خبر واحد هدنة محلية بين حاكم مسلم وجيرانه الفرنج، وضيافة عابرة للحد، ومكاتبة إدارية لطلب إذن المرور، وسلطة إقليمية ثانية داخل المجال الأيوبي نفسه لها إذنها المستقل. فهي تسقط تصور الحد المغلق، ولا تثبت في المقابل أن رسالة نصر سلكت هذا الطريق ولا أن حاملها احتاج إذنا.
وردت جبلة بصيغ منها Gibellum وGabulum وGibel وZibel، ووردت جبيل بصيغ منها Gibelet وGiblet وGibeletum. فمحرر سجل مملكة بيت المقدس، وهو يعلق على وثيقة من سنة 1103م، يجمع لجبيل صيغا عدة ثم ينبه إلى أنها تتميز من المدينة التي تسمى Gibel أي Gibellus magnus؛ فالفارق الذي يعتمد عليه في التحرير هو النعت الكبير والصغير مع السياق، (117). والقرينة الحاسمة عمليا هي الترتيب الجغرافي. فحين يذكر الفتح الصلاحي سنة 1188م تأتي المواضع على الساحل بترتيبها: بانياس ثم Gabulum ثم اللاذقية (117). وحين تصف رسالة الملك عموري الأول زلزال سنة 1170م تقول إنه ضرب المرقب وGabulum واللاذقية وأكثر القلاع والبلدات بين طرابلس وأنطاكية (130). وجبيل تقع جنوب طرابلس، خارج هذا المدى كله. ويؤكد ذلك أن المسح المعماري لعمارة الفرنج، وهو يكثر من ذكر Giblet، يعرفها صراحة بأنها جبيل، ولا يورد لجبلة السورية مدخلا أصلا؛ فلا يجوز نقل شيء من مادته إليها (134). وقد استعادت الحملة الألمانية سنتي 1197 و1198م جبيل واللاذقية، وبقيت جبلة في أيدي المسلمين (32).
وعلى هذا الأساس وحده يصح أن يقرأ معطى اقتصادي هو من أهم ما يعين على فهم مدينة نصر. ففي 29 آب 1179م، أي قبل صحيفته بثلاث وعشرين سنة، ثبت بوهيموند الثالث أمير أنطاكية لغوتييه من لايتور إقطاعا نقديا سنويا قدره ألفا بيزنط في جبلة؛ والنص اللاتيني يعين الموضع داخلها: apud Gabulum in platea telarum, quae dicitur Sochelbes، أي في جبلة، في ساحة الأقمشة المسماة Sochelbes، تؤخذ كل سنة في أمن ومن غير معارضة (33). فمحرر سجل المملكة يسجل الوثيقة برقم 585 ويضع عليها حاشية لاتينية موجزة: لفظ عربي، سوق البز، أي سوق النساجين؛ ثم يثبته في معجم ألفاظ السجل: sochelbes، لفظ عربي، ساحة الأقمشة (115). ويشرحه رينيه دوسو بأنه سوق الأقمشة، ويجعل عائده السنوي دليلا على أهمية جبلة التجارية في العصور الوسطى؛ ويصل كلود كاهن إلى القراءة نفسها فيكتب سوق البز، ويستعملها شاهدا على التخصص المكاني للحرف والأسواق في مدينة عربية اللسان (128).
في تشرين الثاني 1220م انتقل المورد نفسه إلى الإسبتارية: أضمار من لايرون وزوجته سيبيل ابنة غوتييه من لايتور يتنازلان عن ألفي بيزنط كانا يأخذانها كل سنة بجبلة على ساحة الأقمشة المسماة بالعربية Sochelbet، وكانا يمسكانها بإقطاع من بوهيموند الرابع (116). ثم في أيار 1236م أكدت سيبيل التنازل نفسه، وسجل النص مرة أخرى ساحة الأقمشة المسماة بالعربية Sochelbes (116، 132). فالسوق نفسه، بالاسم نفسه في صيغتين متقاربتين، يظهر في وثائق سنة 1179م ثم سنة 1220م ثم سنة 1236م، فيحيط بصحيفة نصر من قبلها ومن بعدها. وكان في سنة 598هـ موردا إقطاعيا كبيرا معروفا وثابتا في الوثائق، انتقل الحق فيه بين أكثر من مالك عبر تبدل السيادات (118). فوثيقة سنة 1179م تجعل المورد لغوتييه وورثته، أما انتقاله إلى الإسبتارية فمرحلة لاحقة.
وحين يوجد في مدينة سوق بهذا الوزن يحمل اسما عربيا صريحا للبز، يصبح من المشروع أن يسأل عن معنى نسبة رجل من أهلها. فللفظ الخرقي ضبطان في كتب الأنساب: الخَرَقي بفتح الخاء والراء، نسبة إلى خَرَق من قرى مرو؛ والخِرَقي بكسر الخاء وفتح الراء، نسبة إلى بيع الثياب والخرق (19). والوجه المهني نسبة مشرقية معروفة في أصل تعريفها، يسمي أصحاب الأنساب من حملها ببغداد وأصبهان. وكلا الضبطين أصيل في اللغة، فلا يلغى أحدهما بالآخر؛ والذي يرجح في حالة نصر هو السياق.
وتقدم المدونة التي انتقلت فيها رسالة نصر شاهدا على الوجه المهني أقوى من التعريف المعجمي. ففي الهداية الكبرى يرد أبو الحسن محمد بن يحيى الخرقي في خبر شخصي يقول فيه إن أباه كان بزازا من أهل الكرخ يحمل المتاع إلى سامراء فيبيعه ثم يعود، ثم جهزه بمتاع إلى سامراء وأوصى به بزازا هناك، فنزل عنده وفتح له حانوت ووضعت فيه البضاعة، وهناك نودي باسمه: يا أبا الحسن محمد بن يحيى الخرقي (104). فهنا تجتمع النسبة والبزازة والمتاع والحانوت وطريق تجارة الثياب بين الكرخ وسامراء في خبر واحد، داخل الرواية للخصيبي نفسه، أي داخل الكتب التي كان نصر يقرأ فيها ويسأل عنها.
التراجم تحفظ عبر قرون رجالا اجتمع لهم لقب الخرقي والبزازة أو سوق الثياب، منهم حماد بن سلمة البصري الموصوف بالبزاز الخرقي؛ وأبو طاهر عمر بن منصور بن محمد الخرقي البزاز بأصبهان المتوفى سنة 453هـ، ويصفه صاحب الأنساب نفسه بالخرقي البزاز؛ وأبو جعفر محمد بن علي التستري البزاز الخرقي؛ وأبو المظفر منصور بن مسعود الماهاني البزاز الخرقي من بيئة مرو، وقد وصف بأنه من وجوه السوق (105). فاجتماع الخرقي والبزاز تركيب عاش في كتب الرجال، فاللقب قد يبقى في أسرة بعد أن تتغير مهنتها، لكنه يثبت أن الوجه المهني كان حيا متداولا.
فإذا اجتمع هذا الاستعمال المهني في المدونة نفسها، مع سوق بز قائم في جبلة موثق بالوثيقة اللاتينية قبل نصر وبعده، مع رجل في تلك المدينة يحمل هذه النسبة، صار الوجه المهني لنسبة نصر أرجح في سياقه من مجرد النسبة الجغرافية إلى قرية بمرو، من غير إسقاط تلك النسبة نفسها فهي حقيقة مستقلة قائمة. لكن ترجيح معنى النسبة شيء وإثبات مهنة الرجل شيء آخر.
ويقود هذا إلى اسم أبيه. فمعالي ففي سماعات تاريخ مدينة دمشق يظهر أبو الحسين بن معالي بن نصر بين سامعي ابن عساكر في المسجد الجامع بدمشق، في أكثر من طبقة سماع: في الجزء الثاني ضمن مجلس يوم الجمعة العاشر من المحرم سنة 560هـ، وفي طبقة الجزء الثالث في مجلسين آخرهما يوم الخميس السادس من المحرم من السنة نفسها؛ والقيد يحفظ الكنية ولا يفك الاسم الشخصي (23). وهذا يحول الرجل إلى مشارك فعلي في سلسلة سماعات على أكبر مؤرخي دمشق في ذلك الجيل.
ويظهر في الجيل نفسه أبو الحجاج يوسف بن معالي بن نصر الأطرابلسي ثم الدمشقي، المقرئ البزاز، المتوفى في شعبان سنة 592هـ. يذكر المنذري سماعه وتحديثه، ويقول الذهبي عنه وكان من الثقات، ويسمي شيوخه: هبة الله بن الأكفاني، وعلي بن أحمد بن قبيس، وعلي بن المسلم الشافعي (24، 25). ويثبته الضياء المقدسي بصيغة مباشرة في إسناد: أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن معالي بن نصر البزاز الكتاني الدمشقي بها (106)، ولفظ البزاز على كل حال صريح مستقل عن هذا الاختلاف. وله فائدة زمنية أخرى: فسماعه من ابن الأكفاني المتوفى سنة 524هـ يعني أنه دخل عالم السماع قبل تلك السنة ثم بقي إلى سنة 592هـ، وهو ما يضع معالي بن نصر نفسه في جيل مبكر بما يكفي لأن يكون له أبناء بالغون في منتصف القرن السادس.
فقد كان علي بن أحمد بن منصور بن قبيس شيخا مشتركا بين يوسف بن معالي وبين عبد الرحمن بن علي بن المسلم اللخمي المعروف بابن الخرقي، معيد المدرسة الأمينية بدمشق، المتوفى سنة 587هـ، أي قبل مسائل جبلة بإحدى عشرة سنة. والأقوى من ذلك أن رجلين من طبقة الرواية سمعا من الاثنين معا: عماد الدين عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي، وأحمد بن عبد الدائم المقدسي، وتعد مشيخته صراحة بين شيوخه عبد الرحمن بن علي بن المسلم بن الخرقي ويوسف بن معالي بن نصر (27).
شبكة بيت معالي بن نصر وشبكة بيت ابن الخرقي تتقاطعان في البيئة الشامية أواخر القرن السادس داخل دائرة تعليمية واحدة، بين دمشق وطرابلس، ومن خلال رجال السماع أنفسهم. وهذه شبكة تاريخية حقيقية قابلة لإعادة البناء، وهي تجعل صلة نصر بهذا البيت فرضية جدية تستحق المتابعة، إذ لا يقال إن يوسف أخوه، ولا إن أبا الحسين هو نصر نفسه، ما لم يظهر قيد يسمي نصر بن معالي بن نصر أو يعين الاسم الشخصي لأبي الحسين. على أن هذا الاحتمال الأخير من أهم ما يستحق المطاردة، فالفارق بين سماع سنة 560هـ وصحيفة سنة 598هـ ثمان وثلاثون سنة، وهي مدة تسمح تماما بأن يكون الرجل شابا في مجلس علم ثم شيخا يكاتب.
ثم إن الرقعة التي يقوم فيها مقام نصر لم تكن طرفا مهجورا، وهذا شرط في أن تنتج مدينة رجلا كهذا. فالميناء القديم مرفأ طبيعي صغير نصف مستدير في وسط شاطئ المدينة القديمة، مفتوح إلى الغرب، في طرفه الشمالي مرتفع صخري شاهد عنده راي بقايا برج مستطيل يشرف على مدخل المرفأ، وقد رأى أساساته سنة 1859م ووصفه مفصولا عن اليابسة بقطع دفاعي، ورسم مخططه في كتابه؛ ويصف الحوض بأنه صغير نحت في الصخر وأكثر من نصفه مطمور بالرمل، ويرجعه إلى الزمن الذي كانت فيه المدينة ضمن إمارة أنطاكية، ويصنفه مع موانئ عكا وبيروت وجبيل واللاذقية وصور في نمط واحد من المرافئ الصغيرة المنحوتة التي تحرس مداخلها الأبراج (133).
في الرصيف الجنوبي بقايا تحصينات وحجارة ضخمة، ومكتشفات فخارية تمتد من العصر الهلنستي إلى العثماني، وهي شاهد مادي على استمرار استعمال المرفأ (9). ويقع تل المصيطبة جنوب شرقيه (34). وقد وصف ابن حوقل هذا المرفأ بأن العمل فيه لا ينقطع ليلا ولا نهارا، وسيطر على تجارته في العهد الفرنجي تجار جنويون (127). فالحي المرفئي الذي حفظت فيه ذاكرة مقام نصر حي مسكون متصل بالبحر والسوق والطرق وحركة المسافرين.
هذا الميناء بداية الطريق، وهنا يبدأ الجواب عن سؤال أثقل: كيف تصل الكتب إلى مدينة كهذه أصلا؟ فأهمية جبلة، كما يلخصها دوسو في عبارة موجزة، نابعة من كونها منفذا إلى الداخل (128). وقد ثبت هذا الاتصال نصا بعد الفتح الصلاحي: يقول ابن الأثير إن رؤساء أهل الجبل أتوا بالطاعة، وإن في الجبل حصنا يعرف ببكسرائيل بين جبلة ومدينة حماة، فملكه المسلمون، وصار الطريق في هذا الوقت عليه من بلاد الإسلام إلى العسكر، وكان الناس يلقون شدة في سلوكه (137). ويمتد هذا المحور عند دارسي التحصينات الفرنجية إلى ما وراء العاصي حتى أفامية (133). فجبلة عقدة بين محورين: الساحل شمالا وجنوبا، والجبل شرقا إلى حماة والداخل. ووصول مادة من تراث الطبراني إلى قارئ في جبلة لا يحتاج إذا إلى تصور الساحل جزيرة معرفية منفصلة.
وأما الطريق الساحلي نفسه فمعروف ومحدد. يصفه ابن الأثير في أخبار سنة 584هـ وصفا ماديا مباشرا وهو يروي مسير صلاح الدين شمالا: والطريق تحته فيكون الحصن على يمين المجتاز إلى جبلة، والبحر عن يساره، والطريق ضيق لا يسلكه إلا الواحد بعد الواحد، ثم يروي كيف تمركز الأسطول الصقلي في البحر ليضرب المارين بالسهام حتى اجتاز الجيش المضيق ووصل جبلة (137). ويؤكد عماد الدين الأصفهاني، وهو شاهد على الحملة، أن العبور من ذلك المضيق كان لا مفر منه (137). فقد بنت الإسبتارية أسفل المرقب برجا ووصلته بالقلعة بجدار لتحصيل الرسوم من المسافرين الذين يستخدمون الطريق الساحلي (137).
أظهر بحث حديث في الاتصال العربي اللاتيني في كونتية طرابلس وإمارة أنطاكية أن معرفة الفرنج بالعربية المكتوبة ظلت محدودة، هذا النقص عوضته شبكة من الوسطاء والكتاب المحليين، وغالبهم من المسيحيين الشرقيين. ويقدم هذا البحث شاهدا يتعلق بجبلة نفسها، إذ استعمل قاضيها مسيحيين محليين وسطاء في التفاوض مع الفرنج، ثم كان قاضي جبلة منصور بن نبيل طرفا في التفاوض معهم سنة 1188م. وتكشف كتابة عربية باهتة على ظهر وثيقة إسبتارية تعود إلى ما قبل أيلول 1168م عن وجود كاتب عربي داخل المؤسسة نفسها، بينما تحفظ إمارة أنطاكية في آذار 1213م، أي بعد صحيفة نصر بأحد عشر عاما، وثيقة عربية كاملة ترجم مضمونها للفرنج المعنيين (138). المقصود أن الفضاء الذي كانت تتحرك فيه ورقة عربية كان مزودا فعلا بآليات الوساطة الكتابية والشفوية.
فالمدينة التي تنتج مثل هذه الوساطة مدينة ذات جهاز. ولجبلة تقليد قديم في الرئاسة المحلية وإدارة الثغر، تتبعه دراسة مخصصة لقضاة طرابلس وجبلة في القرنين الخامس والسادس، وتعرض له تسلسلا شبه متصل: قاض يسمى منصور في أواخر العهد البيزنطي، ثم ابنه المعروف بابن صليحة، ثم ابن النقار، ثم منصور بن نبيل في ظل الحكم الفرنجي؛ وخلاصة الدراسة أن قضاة جبلة استمروا في إدارة شؤون المجتمع المحلي حتى بعد أن فقدت المدينة استقلالها السياسي (135). وقد أخرج ابن صليحة الروم من المدينة سنة 473هـ الموافقة 1080م وحكمها، وكان إلى جانب القضاء مقاتلا؛ فلما حوصر سنة 494هـ أرسل إلى طغتكين صاحب دمشق يعرض عليه تسليم البلد، فأرسل إليه ابنه تاج الملوك بوري فتسلمها، وخرج هو إلى دمشق ثم قصد بغداد فأقام بها إلى وفاته (36، 129). فهذه مدينة كان قاضيها قادرا على انتزاعها وحكمها والتفاوض على تسليمها، وهي وظيفة سياسية كاملة ويضاف إلى ذلك أن جبلة دخلت في ذلك العصر في مجال إمارة بني عمار العلوية بطرابلس، وانتقل إليها من طرابلس رجال متعلمون، فوصول مادة من تراث الخصيبي والطبراني إليها سنة 598هـ مفهوم ضمن تاريخ أقدم لحركة الرجال والكتب بين طرابلس وجبلة.
وقبل صحيفة نصر بأربعة عشر عاما فقط تتكرر الصورة بوضوح أشد. ففي جمادى الأولى سنة 584هـ، وتحديدا في الخامس عشر من تموز 1188م، وصل صلاح الدين إلى جبلة. ويذكر بهاء الدين ابن شداد، وهو شاهد قريب من الحدث، أن في المدينة مسلمين مقيمين وقاضيا يفصل بينهم في منازعاتهم؛ ودخلت المدينة سريعا بينما بقيت القلعة تقاوم ثم سلمت في اليوم التالي بشروط، وأقام صلاح الدين حتى العشرين من تموز قبل أن يتوجه إلى اللاذقية (136). ويذكر عماد الدين الأصفهاني أنه أمضى تلك الأيام في إصلاح الثغور وترميم الدور وتقوية المدينة والحصن وإصلاح ما تهدم، ثم أكرم قاضي جبلة وأقر له وظيفته القضائية ووقفا وأملاكه (132). وقد احتمى الفرنج يومئذ في موضعين، حصن عند الميناء، وحصن داخل المدينة كان أقوى منه، والمسرح الروماني المحول إلى قلعة (132). فحتى في لحظة الفتح كانت جبلة مدينة ذات نسيج مدني وقلعة متمايزة عنه.
وأما القاضي نفسه فيصفه ابن الأثير وصفا لا يحتمل التخفيف: وكان هذا القاضي عند بيمند صاحب أنطاكية وجبلة مسموع القول مقبول الكلمة له الحرمة الوافرة والمنزلة العالية؛ وهو يحكم على جميع المسلمين بجبلة ونواحيها على ما يتعلق بالبيمند؛ وقاضي جبلة وهو منصور بن نبيل يستدعيه إليها ليسلمها إليه (35). فالمصادر تذكر رهائن مسلمين وتختلف في مدى قبول الحاميات الفرنجية بوساطته (139). فالمجتمع المسلم في جبلة احتفظ بقيادة قضائية محلية مؤثرة، وأن منصور بن نبيل يمثل في أواخر الحكم الفرنجي نموذجا واضحا لقدرة القاضي على الجمع بين القضاء والرئاسة والوساطة السياسية والمكاتبة.
الجامع الكبير يحمل على جدرانه ثماني كتابات منقوشة من عصور إسلامية متعاقبة، أقدمها من القرن الخامس الهجري، ثم أيوبية، ثم مملوكية، وهو بذلك أقرب ما في جبلة إلى سجل معماري متصل لتاريخها الإسلامي كله (124). وتحصي الكتابات الجغرافية للمدينة اثني عشر مسجدا ومصلى، على رأسها الجامع المنصوري وجامع السلطان إبراهيم (125). فمدينة لها قضاء يعمل عبر تبدل السيادات، وأوقاف وخطبة، وجامع يحمل سلسلة نقوش متصلة، وسوق له اسم عربي مسجل في عقود لاتينية، وميناء عامل تسيطر على تجارته بيوت أوروبية، مدينة يكون فيها ظهور قارئ يصل إلى الكتب ويجري مراسلة علمية أمرا متوقعا من بنيتها.
على أن هذه المدينة لم تكن في سنة نصر بمنجاة من أحداث الإقليم كله. ففي فجر العشرين من أيار 1202م ضرب غربي سوريا والدول الفرنجية زلزال يعد من أكبر أحداث المنطقة الزلزالية في العصور الوسطى (37). نطاق الخراب الأعظم في شريط ممتد طوله بين مئة وخمسين ومئتي كيلومتر يتمركز على سهل البقاع، وينسب إلى صدع اليمونة، وقد أحس به الناس على بعد يقاس بمئات الكيلومترات (122). وتذكر قوائم الضرر حماة وحمص وحصن الأكراد وطرابلس وعرقة وصافيتا وبعلبك وصور وعكا ونابلس ودمشق وقبرص وغيرها.
والذي يثبت من الضرر في محيط نصر المباشر شاهد واحد: رسالة جفري دي دونجون، رئيس الإسبتارية، المكتوبة في حزيران 1202م إلى ملك نافار، وفيها أن حصنيهم في حصن الأكراد والمرقب أصابهما ضرر بالغ، وأنهما مع ذلك يقدران على الصمود أمام هجوم عدو (121). ما يرد في بعض القوائم ، نقلا عن حوليات الأرض المقدسة، باسم Gibelet هو جبيل و ليس جبلة (123). وفي المقابل تظهر جبلة صراحة في زلزال سنة 1170م، وهو حدث آخر تسميها رسالة عموري الأول، ويذكر ميخائيل السرياني أن الانهيار فيها كان تاما، ويوافقه ابن العبري، ويعدها وليم الصوري في المدن المصابة؛ وإن كان بعض الباحثين المحدثين يتحفظ على تعميم الخراب فيها، لأن كنائس بقيت فيها قائمة بعد الهزة (130). فالمدينة التي أصيبت إصابة موصوفة أصيبت قبل نصر بجيل.
وبين الزلزال وفراغ عماد الدين الغساني من جواب مسائل نصر في العشر الأخير من رمضان نحو شهر إلى أربعين يوما؛ فأول رمضان سنة 598هـ يقع في نحو الحادي والثلاثين من أيار 1202م، وينتهي الشهر في أواخر حزيران (146). وهذا تقارب لافت،فالمسائل متصلة بكتب قديمة، أحدها معين بفصله، وتستعمل معجما اصطلاحيا مدرسيا، وتدور على محور فكري متماسك، ولا يرد فيها ذكر أرض ولا هزة ولا موت جماعي ولا خوف. وقد تكون الصحيفة كتبت قبل الحادثة أو خرجت من جبلة بعدها، ولا سبيل إلى تعيين ذلك. وبين أن يقال إن نصر بن معالي الخرقي كان يسأل في الوجود والصورة والمعنى في السنة التي اهتزت فيها الأرض على الساحل، وبين أن يقال إن الزلزال هو الذي أملى عليه أسئلته.
ويضع صمت الرسالة عن أدوات السياسة حدا لما يجوز استنتاجه منها.فالصدر يقول فقط إن المسائل وردت مكتوبة من بلدة جبلة، ولا يظهر في نصها أثر لتدخل جهاز الدولة في إنشائها أو نقلها. والذي تسمح به معطيات تلك السنة ، ساحل تحكمه هدن محلية بين حاكم جبلة وجيرانه، وميناء عامل، وسوق أقمشة يدر إقطاعا سنويا، وقضاء يعبر السيادات ويكاتب الطرفين، وطريق ساحلي معروف مسلوك مراقب، وطريق جبلي إلى حماة والداخل. وفي مثل هذا الوسط لا يحتاج إمكان انتقال الورقة إلى افتراض شبكة سرية ولا ممر خفي ولا حامل موصوف. أما من حملها فلا نعرفه.
وإذا كانت المدينة تفسر كيف أمكن للورقة أن تتحرك، فإن الورقة وحدها تفسر لماذا يستحق صاحبها أن يبحث عنه. فنصر كان اكبر من متلقيا سطحيا يسأل عما سمع. تسمي مسألته الثالثة كتاب البحث والدلالة في مشكل الرسالة بعينه، وتعين منه الفصل الخامس، وتنقل قول الخصيبي بطريق الطبراني (41، 50، 53). والكتاب المقصود شرح لرسالة الخصيبي الرستباشية، وهو غير كتاب الدلائل في معرفة المسائل للمؤلف نفسه، ومؤلفه أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني توفي سنة 426هـ، أي قبل صحيفة جبلة بنحو مئة واثنتين وسبعين سنة هجرية؛ فليست بين الرجلين صحبة ولا إجازة، وإنما هو استمرار كتاب. والفصل الخامس من الكتاب يعرض منظومة الأكوان الستة: النوراني والجوهري والهوائي والمائي والناري والترابي، ويتكلم على التجلي والرؤية فيها. أما نصر يأخذ هذه المنظومة ثم يستخرج منها إشكالا آخر، فيسأل إذا كانت الأكوان الستة سبب تركيب العالم والحيوان، فمن أي كون يكون سبب نطق المؤمن والكافر؛ ثم يجيبه أحمد بإضافة تصور كون سابع هو قدس المعرفة (145).
وهذا يثبت وصولا نصيا دقيقا إلى كتاب بعينه وإلى موضع محدد منه، ويكشف عملا ذهنيا كاملا: قراءة، ثم فهم لبنية النص، ثم استنباط مشكلة، ثم مكاتبة عالم آخر بها. وهو أقوى ما نملكه عن الرجل نفسه، أقوى من كل ما يقال في نسبه ومهنته ومقامه. لكنه لا يثبت وحده أنه ملك نسخة تامة، ولا أنه كان صاحب خزانة؛ فالوصول إلى فصل معين من كتاب شيء، وامتلاك مكتبة شيء آخر. ويلزم هنا فصل ثان: فالكتب الكثيرة التي تظهر في هذه الرسالة، ومنها كتاب الأشباح والأظلة وكتاب الأسوس ورسالة الجان والجن، إنما ترد في أجوبة أحمد و ليس في أسئلة نصر؛ فهي شواهد على مكتبة المجيب، والذي يثبت لنصر بنفسه هو وصوله النصي الدقيق إلى كتاب البحث والدلالة وحده.
فإذا جمعت هذه الخيوط ظهر موضع الرجل من وسطه بوضوح كاف. مراسلة مرجع من الوسط نفسه، وطبيعة مسائل لا تدور إلا داخل معجم هذا التقليد، وإحالة إلى نص مركزي للخصيبي بشرح تأسيسي للطبراني، وبقاء نصه متداولا في هذه الكتب وحدها ، ثم قول شارحه بعد قرون من شيوخنا. ولا يستعمل نص سنة 598هـ المصطلح المذهبي بصيغته الحديثة، وغياب اللفظ لا يساوي غياب الانتماء، فالنصوص من هذه الفترة لا تسمي نفسها بأسماء صاغتها الكتابات فيما بعد. ويضاف إلى ذلك شاهد جغرافي فبعد نصر بقرن واحد كان إقليم جبلة إقليما ذا كثافة علوية ظاهرة، إذ ظهر في السابع عشر من ذي الحجة سنة 717هـ، الموافق العشرين من شباط 1318م، رجل في قرية بولاية جبلة يدعي أنه المهدي، فاجتمع حوله نحو ثلاثة آلاف رجل، فأرسل نائب طرابلس ألف فارس لقمع الحركة (140). فذلك يبين أن المدينة لم تكن غريبة على الوسط الذي حفظ نصه. واجتماع ذلك كله يجعل انتماءه إلى الوسط النصيري الساحلي مؤكدا، والذي لا نعرفه مرتبته في ذلك الوسط وأسماء شيوخه.
ولم يبق من نصر قبر يحمل اسمه بيقين. لكن ذاكرته لم تنفصل عن أرضه تماما. فإلى جوار الميناء بقي بناء حجري مقبب يطابق بقوة المقام الذي وصفه له الموروث، وإن عجز حجره حتى الآن عن تسمية صاحبه؛ وفي المقابل بقيت ورقته تسميه هي وتكشف طريقته في القراءة والسؤال. وبين قبة تحفظ الموضع بلا نقش حاسم، ورسالة تحفظ العقل بلا سيرة، يمكن أن يستعاد الرجل في مدينته أكثر مما تسمح به كتب التراجم. وجبلة التي خرجت منها مسائله سنة 598هـ كانت ميناء منحوتا في الصخر لا ينقطع فيه العمل، وسوق أقمشة له اسم عربي مثبت في عقود لاتينية قبله وبعده، وقضاء مسموع القول عبر تبدل السيادات، وجامعا يحمل سلسلة نقوش متصلة، وطريقا ساحليا معروفا وطريقا جبليا إلى حماة، ومدينة خرجت لتوها من دورة هدم وإعادة بناء. في مدينة كهذه يكون ظهور قارئ يسأل ويكاتب ثمرة طبيعية لبنية قائمة. وقد صار السؤال الباقي بعد ذلك سؤالا عن الورقة نفسها: عم سأل نصر، ولم اختار هذه المسائل الاثنتي عشرة دون غيرها، وما الذي يكشفه ترتيبها عن عقل صاحبها.
بهذا تكتمل صورة الإطار الذي تحرك فيه نصر: موضعه، ومدينته، والطريق الذي أمكن أن تنتقل فيه ورقته. أما الجزء الثالث فينتقل من جبلة إلى الرسالة نفسها، لقراءة المسائل الاثنتي عشرة وما تكشفه عن عقل نصر وطريقته في السؤال.