كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المقامة "الخَلُّوفِيَّة"*

المُدَرِّس يزدشير إبراهيم

حدَّثني مُدَرِّسُ اللُّغةِ قالْ:
بِوَجهٍ عَبُوسْ ، يَمَّمْتُ شَطرَ ساحلِ طَرطُوسْ تُقِلُّني السَّيَّارَةُ بينَ الأودِيَةِ و الأنهارْ، و التِّلالِ الخضراءِ و الأشجارْ ، لأداءِ الواجِبْ ، تجاهَ العزيزِ الطَّالِبْ ، و القِيَامِ بالتَّصحيحْ ، و فُؤادي مكلُومٌ جَريحْ ، من هَوْلِ التَّنَقُّلِ و السَّفَرْ ، في رَمَضَانَ شهرِ الصَّومِ و السَّهَرْ ، و قطافُ التَّبغِ يجري على قَدَمٍ و ساقْ ، وحقولُ القمحِ لنا تشتاقْ ، تتمايَلُ سنابلُها الذَّهبيَّة النّاجِيَة ، من غزواتِ النَّملِ الطَّاغيَة ، تصرُخُ أينَ المناجلْ ؟ لجمعِ السَّنابلْ ، و لكن أينَ المَفَرّْ ، من أمرينِ أحلاهُما مُرّْ؟ : التَّصحيحُ أوِ الحصادْ ، أرشدُوني يا أهلَ الرَّشادْ ؟
لقد دُعِيْتُ إلى التَّصحيحِ و هو هَمٌّ سنويّْ ، كأنَّهُ مُنزَلٌ بحديثٍ نَبَوِيّْ ، يُدعى إليهِ المُدَرِّسُون من سائرِ المُحافظَة ، و نُفُوسُ مُعظمِهم له لافِظة ، فلا يُلَبِّي الدَّعوةَ إلا القليلُ القليلْ ، من ذوي الحِسِّ الأصيلْ ، و القَدْرِ الجليلْ ، الذينَ نأوا بأنفسِهِمْ عن طريقِ الملتوياتْ ، و الإعفاءاتْ و المَحسُوبيَّاتِ ، فمَنْ كانت لهم أذُونُ سَفَرْ ، مِمَّنْ سكنَ الأريافَ و الجردَ و الحَضَرْ ، فهؤلاءِ يعُودُونَ بصَيدٍ ثمينٍ كلَّ عامْ ، وتَصْرَفُ حقوقُهُمْ بالتَّمامْ ، أمَّا نحنُ المُصَحِّحينَ التُّعساءْ ، فنشعُرُ بالغُبْنِ و الاستياءْ ، من قوانينِ الوزارة الصَّارمة ، و قراراتِها الصَّادمة ، التي تُفَرِّقُ بين جهدِ مُدَرِّسٍ و مثيلِهْ ، فيُثَابُ ذاكَ دونَ زميلِهْ ، فأينَ العدلُ و الإنصافْ ، من هذا الظُّلمِ و الإجحافْ ، حتَّى بينَ مُدرِّسيْ مادَّةٍ و مادَّة : فالكُتلةُ النَّقديَّة ، لمادَّة الدِّيانة و الوطنيَّة ، أعظمُ بكثيرٍ من مادَّة اللغة العربيَّة ، وقِسْ على ذلكْ ، حتَّى ترِدَ نفسُكَ المَهالِكْ ، و تتساقطَ أحلامُكَ شهيدةً في أوعرِ المسالكْ ، ودياجيرِ الليلِ الحالِكْ ، و لو دقَّقْتَ في عددِ الأوراقْ ، لَسَالَ الدَّمعُ الغزيرُ الدَّفَّاقْ ، و كلَّ دقيقةٍ يسألُ المُصَحِّحُ المنتُوفْ ، بقلبٍ ملهوفْ ، عن عدد الأوراقِ و الظُّرُوفْ ، ليأتيَ الرَّدُّ الصَّاعقُ : بالألُوفْ ، فيقبعُ خلفَ طاولتِهِ يائساً ، حزيناً بائساً ، يحلمُ بساعة الفَرَجِ و الخلاصْ ، من هذه الأقفاصْ ، ويعدُّ الدَّقائقَ و الثواني ، حالماً بِبِيضِ الأماني ، على أنغامِ "عاصي الحلَّاني ":"يا ناكرَ المعروفْ ، آآآآه و يا ويلي و أوووووف ".
أمَّا مُدَرِّسُو المدينة ، فهم يعيشُونَ السَّعادة و الطُّمأنينة ، و الهدوءَ و السَّكينة ، فالتَّصحيحُ لا وُجُودَ لهُ في قواميسِهِمْ ، بلِ الدَّوراتُ يجري دمُها في نواميسِهِمْ ، و المجموعاتُ كثيرة ، و المكاتبُ صغيرة و كبيرة ، أعدادُها وفيرة ، و الأموالُ تَتَكدَّسْ ، و الجيُوبُ لا تستطيعُ أن تَتَنَفَّسْ ، و الطَّالبُ ضائعْ ، بين الخيالِ و الواقِعْ .
آهٍ يا سادات ! ، لقد سَرَتْ حُمَّى الدَّوراتْ ، و تفشَّى داءُ الدُّروسِ الخُصُوصِيَّة ، في كلِّ قريةٍ و منطقةٍ و ناحيَّة ، فَهِمَ مَنْ فَهِمْ ، و عَلِمَ مَنْ عَلِمْ ، فهنا مدارسُ خاصَّة ، وهناكَ معاهدُ للنُّقُودِ ماصَّة ، و في منازلِ التَّحفيظِ و التَّسميعْ ، يحصلُ كلُّ أمرٍ فظيعْ ، أمَّا المدارسُ فقد أصبحتْ باراتٍ للَّهْو ، في القاعاتِ و البَهو ، يمارسُ فيها الطَّالبُ و التِّلميذْ ، ألوانَ الحماقاتِ بشكلٍ لذيذْ، فالمدرِّسُ في وادْ ، و الإدارةُ في وادْ ، و الطَّالبُ عن الدَّرسِ في ابتعادْ ، و على ذلك اعتادْ ، و راحَ يتنفنَّنُ بالغِشِّ و النَّقلْ ، بعلمِ المُراقبينَ و الأهلْ ، بكلِّ يُسرٍ و أسلُوبٍ سَهْلْ ، و مهما كانَ الطَّالبُ غبيّاً بالفِعْلْ ، فإنَّهُ يتفوَّقُ على الكُلِّ و يتباهى بالجهدِ و الفَضْلْ ، فأينَ ذوو الخِبرةِ لينفُضُوا عن أجنجتنا الغَبرَة ، و يُكَفْكِفُوا عن أعيُنِنا العَبْرَة ، فتعُودَ للمُدَرِّسِ المُصَحِّحِ هيبَتُهُ ، و تتحصَّنَ مكانتُهُ ، و أينَ ذوو الاختصاص و التَّدبيرْ، ليتصدُّوا لهذا الأمر الخطيرْ ، الذي يسري كالسُّمِّ في مدارسنا ، و أينَ من يضعُ القوانين و التَّشريعاتْ ، التي تنصفُ المُدَرِّسينَ و المُدَرِّساتْ ، و تُرَغِّبُهُمْ بأعمالِ المراقبة و الامتحاناتْ ، فالمجتهدُ يُكَرَّمْ ، و المُقصِّرُ يتعلَّمْ ، و الكلُّ يُحتَرَمْ ، بما يقدِّمُ من جُهدٍ يلزمْ ، سواءً أكانَ بتصحيحِ الأسئلة و تدقيقها ، أم بمراجعتها و جمع العلامات و تحقيقها ، أم بشطبِ الظُّروفِ و توثيقها ، دون أخطاءٍ تُذكَرْ ، إلا ما نَدَرْ ، ثمَّ تصدُرُ النَّتائجُ البهيَّة ، و نستمتِعُ بالحلوى الشَّهيَّة .
رجعتُ بعدَ الظُّهر من التَّصحيحْ ، و في خلَدي خاطرٌ يصيحْ ، بشعرٍ فصيحْ :
رِفقاً بحالي يا مديـر التَّربيَـــة فالحالُ في التصحيح حقاً مُزريَة
سفرٌ ، و إرهاقٌ ، و حرٌّ قاتلٌ همٌّ فرى أعصابَـنـا و الأوعـيَــة
لبَّيـتُ دعوتكـم بقلـبٍ خاشــعٍ و اللهَ أســألُــهُ ثــوابَ التَّلـبـيـــة
و أتيتُ "خَلُّوفَ" الأبيَّة كارهاً كمداً حزيناً ، لا أريدُ التَّرقِــيــة
بل رؤيةُ الزُّملاء أجلَتْ كربتي و تآلَفَــتْ أحوالُــنا المتــرَدِّيــة
فمتى يهلُّ السَّعدُ في أفاقنــــــا و متى تحَقَّقُ للكئيبِ الأمنِــيـَة
و متى يُقَدَّرُ سعيُنا ، وجهادُنا فنعُــودَ للميــدانِ قبــلَ التَّنحية
و نحقِّقُ الأملَ المُرَجَّى و المُنى و نصونَ حرمة جيلِنا و التَّربيَة
و نسيرَ في طلَبِ العُلا بمحبَّةٍ و نؤدِّيَ المطلُوبَ أعظَــمَ تأدِية
وطنٌ حماهُ الماجدُون بطُهرهِمْ نالُوا بما بذلُوه خيرَ التَّسمـيَــــة
و هو الجريحُ الآنَ يصرُخُ حالماً بالأمنِ بعدَ سِنِيِّ قهرٍ مُضنِــيَــة
ما مِنْ ظهيرٍ للحمى إلا فــتـــىً عشِقَ الكرامةَ و الوفا و التَّضحيَة
فلْنَطرُدِ الأحزانَ من أعماقِــنــا و لْنَمْضِ في سُبُلِ الهُدى و التَّوعِيَة
.................................
* نسبة إلى مدرسة الشهيد مصطفى خلُّوف مركز تصحيح اللغة العربية في محافظة طرطوس
12 حزيران 2018
29 رمضان 1439 هـ
الشيخ بدر - بريصين

في أحضان رجل ظل للروائية رانيا الحمامي.. خفايا الدولة العميقة بين السلطة والحب والمصير الإنساني
أَبَا هِنْـدٍ فَلا تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا .. وَأَنْظِرْنَـا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَـا
وإن سألوك عن كلب أهل الكهف!
د. عبد السلام العجيلي قدوة الحياة والأدب
حين هجرنا البلاغة
الصاحب بن عبّاد: الشاعر العلوي، الفيلسوف، العالم، والمتعدد المعارف
"المضحك المبكي" في ذكرى اغلاقها
"الهدف".. فيلم وثائقي مدهش يفتح الدفاتر النضالية للجبهة الشعبية
محاضرة لخالد جزماتي عن مطران أبرشية حماة أغناطيوس حريكة
مشاعر وشعراء
بمناسبة مرور 78 على النكبة.. "النكبة والسردية الفلسطينية" في الاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين
سادِنُ المَرويّاتِ وَحارِسُ الذاكرةِ العلويّة: قراءةٌ في "فقهِ التوثيق" لَدى المُحقّق الأستاذ زين العابدين أحمد رمضان
الشَّيخ يوسُف علي الخطيب
وديع اسمندر.. حكاية وجع وفقدان
اتحاد الكتاب العرب بالتعاون مع فريق "رؤية" يقيم مهرجان "السخرية في الأدب والفن"