كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سادِنُ المَرويّاتِ وَحارِسُ الذاكرةِ العلويّة: قراءةٌ في "فقهِ التوثيق" لَدى المُحقّق الأستاذ زين العابدين أحمد رمضان

بقلم الحُقوقيّ: اللَّيث الرِّفاعي

في حَضرةِ التاريخ، لا يَجرؤُ على خَوضِ لُجّتهِ إلّا مَن تَسلَّحَ ببَصيرةِ العارفينَ وصَبرِ النُسّاخِ الأوائل. وحضرةُ الأستاذ "زين العابدين أحمد رمضان" لَم يكتَفِ بكَونهِ راوياً للأخبار، بلِ ارتضى لنفسهِ مقامَ "مُهندسِ الذاكرةِ"، الَّذي يُمسِكُ بمشرَطِ التَّحقيقِ ليَفصلَ العَصبَ الحَيَّ عَنِ الجَسَدِ الميِّت، نافِضاً غُبارَ القُرونِ عَن وُجوهِ الحقائقِ، ليُعيدَ صياغةَ الهُويّةِ بحُروفٍ مِن نورٍ ويقين.
أولاً:
*****(ميثاقُ العلمِ في بلاطِ المرجعية)*****
لم يكُن لقاؤهُ بسَماحةِ رئيسِ المجلسِ الإسلاميِّ العلوي في لُبنانَ، الشيخ علي محمود قدّور مُجَرَّد بروتوكولٍ عابر، بل كانَ "ميثاقاً غليظاً" بين قُطبَيْنِ مِن أقطابِ الولاية.
وحينَ وضعَ الشيخُ زين العابدين سِفرَهُ النفيسَ «أولياء الجبّار في طرابلس وعكّار» بينَ يَدَيّ المَرجعية، كانَ كمَن يُودِعُ الأمانةَ عندَ أهلِها ويُسلِّمُ مفاتيحَ الذاكرةِ لحارسِها. وقد جاءَ تقريظُ سماحةِ الشَّيخ قدّور بمثابةِ "الإجازةِ الكبرى"، وتوكيداً على أنَّ مِدادَ الشيخ زين العابدين هُو "العِمادُ الفِكريُّ" الذي تتَّكِئُ عليهِ جُدرانُ الهُويّةِ العَلويّةِ في بلادِ الشَّام، صيانةً لها مِنَ التَّصحيفِِ والتَّحريفِ.
ثانياً:
*****(المنجزُ التوثيقيُّ بينَ صرامةِ المتنِ وبلاغةِ الحاشية)*****
تتجلّى عبقريةُ الّشيخ زين العابدين في مؤلَّفاتهِ التي تحوَّلتْ إلى "مناراتٍ" تَهدي الحَيارى في ظلماتِ النسيان. ومن أبرزِ معالمِ هذا المشروع:
** ثلاثيةُ (الشيخ علي عبد الرحمن)
هنا، تجاوَزَ الشيخُ زين العابدين مفهومَ السيرةِ الذاتيةِ الضيِّقِ؛ فنَسجَ "أنثولوجيا" روحيّة واجتماعية باذخة. لقد تتبّعَ مساراتِ النور في حياةِ الأعلام تتبُّعَ الخبيرِ للأثَر، حتّى استوَتِ الثلاثيَّةُ في طبعتِها الثالثةِ مَرجعاً ركيناً.لا يَستغني عنهُ باحِثٌ، ولا يَملُّ منهُ قارِئٌ.
** ثنائيةُ (الشيخ محمود سليمان حامد)
في هذا الأثر، غاصَ المُحَقّقُ في أعماقِ الجدَليّةِ الدقيقةِ بينَ "التقيةِ والتقوى"، كاشِفاً عنِ الجَوهَرِ العِرفانيِّ الصَّافي بأسلوبٍ يَمزجُ بينَ دِقَّةِ الفقيهِ، ورِقَّةِ الأديب، واستطاعَ أن يُبرِزَ المكامِنَ الروحيّةَ العاليةَ، جاعِلاً مِنَ النصِّ مِرآةً تعكسُ صَفاءَ السَّريرةِ.
** موسوعة (أولياء الجبّار)
بجزأيْها الصادِرَيْن في سنةِ 2025م. وتُعدُّ هذِه الموسوعةُ "الفتحَ المُبينَ" في جغرافيةِ الرُّوح.
إنَّها أوَّلُ مَسْحٍ مَيدانيٍّ وَوَجدانيٍّ لأضرحةِ ومقاماتِ الصالِحينَ في "طرابلسَ وعكّار".
لقد حوّلَ الجغرافيا الصامتةَ إلى تاريخٍ ناطِقٍ، وجعلَ مِن كلِّ حَجرٍ ومقامٍ شاهِداً عَدلاً على تجذّرِ الولايةِ في هذِه الأرضِ.
** ثالثاً:
استشرافُ المغيَّب.. مشاريعُ 2026م وما وراءها
إنَّ ما يختمرُ في محبرةِ الشيخ للعام القادم يشي بمشروعٍ نهضويٍّ لا يقلُّ شأناً عن سابقيه، بل يتجاوزه في الدقةِ والعمق:
** «التاريخ إن نطق»: ننتظرُ فيه ثورةً معرفيةً تُعيد ترتيبَ المفاهيمِ التاريخية، وتُنطقُ المسكوتَ عنه بلسانٍ فصيح.
** «التاريخ المستور في مسائل الشيخ المنصور»: رحلةٌ جريئةٌ لفكِّ مغاليقِ المسائلِ العويصة، بروحِ محقّقٍ فطنٍ لا يخشى في الحقِّ لومةَ لائم.
** «الفرع النابت من الجذع الثابت»: هو القولُ الفصلُ والبيانُ الجزل في إثباتِ اتصالِ السندِ وصفاءِ المَورِدِ، ردّاً على كلِّ مُشككٍ ومُدَّعٍ.
** رابعاً:
الملحمةُ الكبرى.. في رحابِ "صالح العلي"
وعلى ذروةِ سنامِ هذا العطاء، يتربّعُ المشروعُ الحُلم؛ السِفرُ العظيم عن المجاهد القائد الشيخ صالح العلي (ق).
إنَّ عكوفَ الشيخ زين العابدين على تحبيرِ 1500 صفحة في ثلاثةِ مجلدات، ليس مجرّد تأريخٍ لثورة؛ بل هو "بعثٌ للروحِ الوطنيةِ والدينية".
إنه عملٌ مَلحَميٌّ يجمعُ شتاتَ الوثائقِ من الأرشيفاتِ الفرنسيةِ والتركيةِ، ويضفرها بالرواياتِ المحليةِ الشفهية، ليصيغَ منها سرديةً تليقُ بقامةِ قائدٍ هزَّ عروشَ الاستعمار. هنا، يصبحُ القلمُ رديفاً للبندقية، والكلمةُ طلقةً في وجهِ الطمس.
** كلمةُ حقٍ للتاريخ:
إنَّ العناءَ الذي كابدهُ الشيخ زين العابدين - من وعثاءِ السَّفرِ بين القُرى المنسيَّة، إلى إرهاقِ ترميمِ المخطوطاتِ المتهالكة - لم يكُن إلا صَقلاً لمعدنهِ النفيس، فلقد اختارَ "الدربَ الوعر": دربَ تحقيقِ التراثِ المتناقلِ مشافهةً، لينتزعهُ من صدورِ الرجالِ ويُودعهُ في بطونِ الكتب، مُحوّلاً الذاكرةَ القلقةَ إلى تاريخٍ مُحصّنٍ بأسوارِ العلم.
**الخاتمة:
إننا لسنا أمامَ مُجَرَّدِ كاتبٍ يسعى لرِضا الحاضر، بل أمامَ "رائي" يكتبُ ليَحمِيَ ظهرَ المستقبل.
إنَّ يراعَ الشيخ زين العابدين أحمد رمضان هو "الحارسُ اليَقِظُ" على ثغورِ تُراثنِا، يَذودُ عنهُ سِهامَ التزييف.
فلهُ منّا، ومِنَ الأجيالِ التي ستقرأُ تاريخها في سُطوره، كلُّ آياتِ الإجلالِ والعرفان.