على خلفية مذكرات عبد الحليم خدام
2026.09.02
سوزان ابراهيم
نشرت الروائية العزيزة هيفاء بيطار "بوست" حول إدخال نفايات نووية إلى سورية على خلفية إصدار مذكرات عبد الحليم خدام مؤخراً (يمكنكم قراءته في صفحتها) عادت بي الذاكرة سنوات كثيرة إلى الوراء فكتبت:
عملتُ لسنوات في الصحافة الاستقصائية، في زمن كنت أؤمن فيه أن وظيفة الصحفي ليست أن يقف على مسافة آمنة من وجع الناس، بل أن يقترب منه، وأن يسأل نيابةً عمّن لا يستطيع السؤال، ويمنح صوته لمن لا صوت له.
كانت التحقيقات تأخذ أسابيع وأحياناً أشهراً من البحث وجمع الوثائق والشهادات والتدقيق.
كتبتُ عن دفن النفايات النووية في بادية تدمر، عن فساد مدير ألبان حمص، وفساد محافظ حمص آنذاك، عن تهريب المازوت عبر الحدود، عن تلوث نهر العاصي نتيجة توقف عمل محطة معالجة الصرف الصحي، عن التلوث الإشعاعيّ الناتج عن معمل السماد الآزوتي، عن بساتين حمص وأهلها، عن المحميات الطبيعية، عن العمال حيث كانوا..
والقائمة طويلة ولا تسعفني الذاكرة الآن بكل ما كان فيها.
لكن للكلمة ثمن أيضاً.
وجدتُ نفسي أدخل المحاكم بسبب قضايا قدح وذم وتشهير أقامها مسؤولون تناولتهم تحقيقاتي، وأدافع عن نفسي وعن مهنتي، بينما بقي كثير ممن كشفتُ فسادهم في مواقعهم، وبعضهم كوفئ لاحقاً بالترقية إلى مناصب أعلى، عدا عن بعض التهديدات التي تلقيتها.
في لحظة ما تعبتُ. تركتُ التحقيقات الاستقصائية وتفرغتُ للصحافة الثقافية. أدركت أنني أدفع الثمن وحدي، مرة بعد مرة، فيما الآلة التي تنتج الظلم قادرة على إعادة إنتاج نفسها.
أتذكر ذلك اليوم الآن وأنا أنظر إلى سوريا وأسأل:
ماذا تغيّر بعد كل هذا الدم؟
بعد مئات آلاف الضحايا والمعتقلين والمفقودين، والمدن التي تهدمت والبيوت التي أُفرغت من أهلها، وملايين السوريين الذين توزعوا في المنافي. ماذا تغيّر في علاقتنا بالسلطة والفساد والعدالة؟ وبحق الإنسان في السؤال والاعتراض والمحاسبة؟ وبحق الصحفي في أن يكشف الفاسد دون أن يصبح هو المتهم؟
لا أسأل حنيناً إلى زمن مضى ولا دفاعاً عنه. أعرف جيداً لماذا ثار السوريون، وأعرف حجم المظالم التي راكمت الغضب حتى الانفجار. لكن السؤال الذي يؤلمني اليوم هو: هل تعلمنا شيئاً من كل ما حدث؟
هل أصبح كشف الفساد فعلاً يستحق الحماية بدلاً من العقاب؟ هل أصبح السوري أقل خوفاً من قول ما يعتقده؟ وهل استبدلنا ثقافة الولاء بثقافة المساءلة، أم أننا نعيد إنتاج الآليات نفسها بأسماء ووجوه وشعارات جديدة؟
لا تُقاس التحولات الكبرى بتغيّر الأعلام والصور والخطابات وحدها. ربما يكون الامتحان الحقيقي أبسط وأصعب بكثير:
أن يتمكن صحفي من كشف فساد مسؤول، فيُحاسَب المسؤول لا الصحفي.
أن يستطيع مواطن أن يقول: هذا ظلم، دون أن يخاف.
أن يكون القانون أضعف من أن يحمي فاسداً، وأقوى من أن يُستخدم ضد صاحب حق.
عندها فقط يمكن أن نقول إن شيئاً جوهرياً قد تغيّر.
أما إذا ظل صاحب السؤال متهماً، وصاحب السلطة محصناً، وصاحب الحق يبحث عمّن يسمعه، فعلينا أن نملك الشجاعة لنسأل:
بعد كل هذا الدم وكل هذه التضحيات، ما الذي تغيّر حقاً في سوريا؟