النص والحقيقة: دوار الأسئلة، أسئلة الدوار
2026.09.02
د. كمال أبو ديب
إهداء:
أترك لكمنّ هذا النص لأن معظكمنّ اعتاد على قضاء الحياة في طرح الأسئلة السهلة، ونادراً ما يغزو حياتهمنّ سؤال صعب بحق. وذلك تعبير أساسي عن فقر حياتنا وتخلفنا المعرفي والحضاري. وما أتركه هنا هو المقاطع الأولى من بحث طويل نشر في مواقف عام 1992 - ويستطيع من يهتم\تهتم قراءته فيها، واستكماله في كتاب لي باللغة الإنكليزية . هنا وهناك أدرس رواية ل محمد برادة هي لعبة النسيان ورواية لإلياس خوري هي باب الشمس. والبحث بين أهم ما كتبته في حياتي.
وآمل بإهدائكمنّ هذه المقاطع أن يحثّ بعضكمنّ شيئ ما فيها على التفكير بما يشغل نقاداً غيركمن في العالم خارج هذا الفقر المدقع في صندوق إسمه العالم العربي، وعلى عدم الاكتفاء بنسخ بعض الفتات الذي يصل عالمنا (مشوّهاً غالبا) من كتابات العالم.
كمال أبو ديب
النص والحقيقة:
دوار الأسئلة، أسئلة الدوار
1-
النص والحقيقة
١
تشغلني بعمق، في كل ما أقوم به من دراسات، إشكالية العلاقة بين النص والعالم. النص الأدبي، سواء أكان شعراً أو رواية أو مسرحاً أو نقداً، والعالم الذي ينتج فيه النص. ولست الوحيد ممن يحتل عمرهم تأمل الأدب في هذا الانشغال. بل إن كثيراً من الدارسين، الغربيين والعرب، يقضون جزءاً كبيراً من حياتهم البحثية منهمكين في العمل في هذا المجال. كيف يفصح النص عن العالم؟ كيف يقول؟ ما العلاقة بين منطوق النص ولامنطوقه؟ مَ العلاقة بين الحضور والغياب؟ هل يقول النص، أو يفصح، على مستوى «المضامين» و«الأفكار» التي ينطق بها، أم على مستوى بنيته العميقة؟ هل النص وثيقة شخصية؟ هل هو وثيقة اجتماعية، سياسية، اقتصادية؟ وكيف نقرأ هذه الوثيقة؟ إلى آخر ذلك من الأسئلة، المألوفة وغير المألوفة في الدراسات الغربية المعاصرة.
في جميع الأجوبة التي أتيح لي أن أقرأها لهذه الأسئلة، ثمة مُسَلَّمة جوهرية: هي أننا نعرف العالم. نعرف الحقيقة. من لوسيان غولدمان إلى أصغر قامة بين المذهبيين العرب هذه مسلمة مشتركة طاغية. الفرق في الاستئناف والانطلاق منها بين باحث وآخر فرق في التكوين المنهجي والجهد العلمي. لوسيان غولدمان يصر على القيام بعملية تحليلية للبنى التي يتوهم وجودها في النص وفي العالم الذي أنتج ضمنه النص. المذهبي العربي لا يصر، بل يفيض عليك بوصف مذهبي عقائدي سيال للعالم. وصف جاهز.
إنه يمتلك العالم ويعرفه معرفة تصادره. وهو وحده، غالباً، يملك هذه المعرفة: Y؛ والتركيبة الطبقية هي Zالبرجوازية تكوينها كذا، وخصائصها وأزماتها. والصراع ضد الامبريالية هوكذاك. M، والأخلاق والصراط المستقيم والجنة والدين هي SN كل شيء معروف مدرك متبلور مسبوك أمامه في صيغ نادرة المثال في جلائها وحدّة خطوطها وامتلائها بالدلالة ونهائية تشكلها. ويستوي في امتلاك هذه المعرفة الكلية المصادرة الطرفان اللدودان: الشيخ محمد مفتاح الشقراوي، لأن ربه علمه الأسماء كلها (وأجهله الأشياء؟)، والدكتور معروف مفيد الفاهم لأن ماركس علمه الأسماء كلها وعلمه، كذلك، الأشياء..
٢
أنا، ببساطة، لا أعرف العالم. ليست لي نعمة هذه المصادرة المرعبة للوجود. إن رأسي ليضربه الدوار كلما وقفت أمام نص أسائله أن يفصح عن علاقته بالعالم. نص عربي، أقصد. وعالم عربي، بالطبع. النص قابل للإدراك والمعرفة إلى حد بعيد من الدقة، لأنه جسد لغوي قابل للتحليل والتفكيك والتركيب والحثّ على الإفصاح والإيضاح. أما العالم.... ؟ كيف أعرف العالم؟
٣
كيف أعرف العالم؟
في حياة عربية لا يَسمُها شيء كما يَسمُها ازدحامها بالمحرمات. وفي حياة عربية لا ينتظمها شيء كما ينتظمها تكفينها بالمبهمات، والغوامض، والمزيفات، والكاذبات، والمضللات، والمراوغات، والمنتحلات، من الأسباب، والدوافع، و"الوقائع"، والسلوكيات، والتصرفات، والشعارات، والإنجازات، و«الحقائق». حياة تحتشد بالتابو: الدين عالم مغلق لا تستطيع النفاذ إليه إلا بالسجود والقبول وعدم التساؤل، والجنس عالم ملعون موشوم لا تستطيع أن تمسه حتى على مستوى البشرة والقشرة واللون. والسياسة عالم مرعب ما أن تقترب منه حتى تلسعك السياط، أو تلقى على رأسك الكلاكل والأنشوطات، أو تصفد في أحلك الأصفاد وأوجعها عضاً. والطبيعة - كما كانت دائماً تقريباً - عالم كامد شبه ميت لا يكاد يكون لنا به من علاقة.
والآخرون - البشر الذين نسميهم «آخرون» - جزر نائية مسيجة حتى على قرب. لم يعد من الحكمة في شيء أن تسعى إلى الاقتراب منها بمجاذيفك القصيرة. الآخرون تلفعهم الشباك التي طرحتها فوقهم عقود من القمع والإرهاب والتنصت والتجسس المخابراتي. لقد تحول المجتمع بفعل دولة المخابرات - المؤسسة المترعرعة الحاكمة في الوطن العربي - إلى آذان صماء لا تسمع حين تهمس فيها، إلا أن تكون وظيفتها أصلاً السماع، وإلى أفواه مقفلة لا تجرؤ على القول ولا رغبة لها فيه، إلا إذا كانت وظيفتها أصلاً أن تنطق الكلام لكي تقتنص من تحل بهم لعنة الإفصاح ويحدث أن يكون لهم رأي على أدنى الدرجات من التذمر أو الأنين أو الاعتراض - دع عنك المعارضة والنقد والبحث عن بدائل. لقد أصبح العالم فريسة للريبة والشك والاتهامات الصامتة التي تنطق بها العيون بإفصاح عجيب. في أي حديث، وفي أي مجلس، يهمس لك أحدهم: «يا أخي، ما لك تتحدث وكأنك في سويسرا؟ الكراسي لها آذان لا الجدران فقط». أو يتبرع آخر: «مالك تثرثر هكذا؟ ألا تعرف أن عبد الله هذا عميل للمخابرات، وأن أحمد واحد منهم، وأن عيسى رئيس الفرع، وأنت تجأجيء بهذه الطريقة عن ارتفاع أسعار الخبز"؟
أجل.
إن العالم لَمغلق. أبوابه موصدة في وجوهنا. وليس في الجدران كوى نتلصص منها. يستحيل إليه النفاذ. والمأساة الحقيقية هي أننا لسنا خارجه نسعى إلى الدخول، بل داخله. في عمق السراديب. وليس ثمة من أمل بالخروج - على الأقل ليس في هذا القرن. إلا حين نخرج إلى القبور.
٤
يصيبني الدوار وأنا استنطق النص عن علاقته بالعالم. فأنا أجهل العالم. وكيف إذن أبحث عن علاقة النص بكينونة لا أعرف منها سوى أنها موجودة؟ كيف؟
العربي ينتج النص في عالمه السراديبي هذا، حيث كل شيء مقفل، مغلق، مزور، منتحل، محجب، ممنوع، مطلي بالدم أو بالدهان المزيف، كامداً كان أو لماعاً.
يصدر قرار سياسي يغير خارطة الأشياء، ولا يكون لنا من سبيل إلى امتلاك معرفة حقيقية بالقرار. ما هو؟ لماذا؟ كيف؟ ما الدوافع؟ ما الأسباب؟ ما النتائج؟
وينفذ قرار اقتصادي (نكتشف انه صادر منذ زمن لكننا لم نسمع به) دون أدنى درجات الإمكانية لأن نفهم المقومات، والحالات، والمبررات، والنتائج المتوخاة وكل ما في الدنيا من «آهات» يعرفها الناس في مجتمعات أخرى في مثل هذه الحالات.
يقرر زعيم عربي أن يلغي الصراع ضد إسرائيل بجرة قلم إلى طائرة. ولا يتاح لنا أن نفهم شيئاً (هل كان الأمر، مثلاً، جرة قدم إلى طائرة فقط أم نتيجة تخطيط طويل المدى استغرق عشرين عاماً لينضج؟). ويقرر زعيم عربي أن يلغي «ارتباطاً» و"حقا قانونياً» في شطر أرض من الوطن بأكمله، ولا يتاح لنا أن نفهم شيئاً (هل الدافع حرص على قضية قومية بحق، أم حرص على كرسي وحكم؟)
ويتزوج جاري أحمد ويغلف عروسه في عباءة سوداء من أخمص الرأس إلى ما تحت النعل، ولا يتاح لي أن أفهم شيئاً. فلقد كان يملأ الدنيا صراخاً، مثلي، بالدعوة إلى تحرير المرأة.
ويخطب الخطباء يحضون الناس على التبرع لأفغانستان. وفلسطين تلتهب بدم الأطفال والصبايا والشيوخ والنساء والرجال ولا تعنيهم في شيء. ولا يتاح لي أن أفهم شيئاً (هل القضية والرباط هو الإيمان والدين والعقيدة أم شيء وأشياء أخرى؟)
وتقطع يد فقير سرق طعام عشائه من سوق مركزية كبرى بعشرة طوابق في مدينة عربية، ولا يتاح لي أن أفهم شيئاً. (هل سرقة لقمة العشاء أفدح عند الله من سرقة طعام كل الناس لسنوات طوال؟)
كيف، إذن، أفهم العالم؟ كيف أسائل النص أن يفصح عن علاقته بالعالم؟ بل، أين، أين هو العالم؟ بل، ما هو العالم؟
٥
ولأنني لست وحدي الذي يضربه الدوار وهو يستنطق النص عن علاقته بالعالم، بل هناك آخرون مثلي، تتحول حيزات من الكتابة العربية المعاصرة، كتابتي وكتابتهم، إلى كتابة إشكالية، معضلة، هوسها الأساسي لا أن تنسج عالماً مفهوماً، واضحاً، متماسكاً، لا أن تجسّد العالم، بل أن تكتنه آليات التيه والحيرة واللايقين والريبة التي تطغى على عملية استنطاقها للعالم، والسعي إلى فهمه، وتشكيل صورة له وبلورته (هل هناك صورة له، وهل هو قابل للتبلور؟). يصبح النص تجسيداً لاستحالة الفهم، لآليات اللف والدوران وللدهاليز والسرية واللغزية والإبهامية التي تكتنف أرواحنا ونحن نسعى إلى الإفصاح، أو نجهد لنرى إن كان العالم نفسه قادراً على، أو راغباً في، الإفصاح.
وإنه ليبدو أن هذه حالة عريقة في تاريخنا الثقافي - الاجتماعي، أوَ ليست إحدى دلالات البنية الدائرية الحلزونية الدهليزية لألف ليلة وليلة واحتشادها باللغزية والسرية والإبهامية أنها تجسد «مغلوقية» العالم ومقاومته للإفصاح والتبلور؟
٦
الآن، في لمحة خاطفة، كأنما امتلك نعمة مفاجئة: أن أفهم فهماً أولياً جنينياً شيئاً عن بنية النص الأدبي الحديث، بل الحداثي. منذ تلك اللحظة التي كتب فيها جبرا إبراهيم «السفينة» - بعد حرب ١٩٦٧ التي ما تزال «مغلقة» لا نفهم عن أسرارها شيئاً - خالقاً فيها تعدد المنظور ورؤية الشيء مختلفاً من منظورات متباينة، إلى اللحظة الحارة التي ينتج فيها محمد برادة روايته «لعبة النسيان». الرواية التي ينهشها هَوَس السؤال: «كيف نحكي حكاية؟ كيف نسرد؟»، إلى اللحظة التي أكمل فيها، قريباً، نصي الذي ينهشه هَوَس سؤال آخر أشد فجائعية: «لكن، كيف نعرف ما نحكي؟ كيف نعرف ما نسرد؟ كيف نمتلك شيئاً امتلاكاً حقيقياً من أجل أن نسرده"؟ قبل أن يشغلنا هوس السؤال: "كيف نسرد ما نسرد؟
٧
هل قلت الدوار؟ إنه، اللحظة، يعود. وها هو ذا «العالم» منتصباً في مكان ما خارج النوافذ. ترونه؟ هل تعرفونه؟
أنا. لا.
II .
تفكيك الراوي والذاكرة المتصارعة
١
في لعبة النسيان، ينسج محمد برّادة، بل يحبك، نصاً روائياً جميلاً. نصاً متميزاً في جوانب متعددة من تكوينه وببلغة تتعارض فيها المستويات وتتداخل يؤسس عالماً ضدّياً طرفا ثنائيته الضدّية العامية المغربية واللغة العربية الكتابية (الفصحى). الأول يشكّل مستوى العادي، اليومي، التداولي؛ والثاني ينبض بشعرية وشفافية ترقيان إلى مستوى تتحول اللغة عليه إلى عالم يكاد ينغلق على ذاته ويحتل مركز الصدارة في النسيج الروائي. هنا يغدو السرد، أو «الحكي» كما يبرز في النص تفريعاً على الشبكة اللغوية، تتنامى إشكالياته وتتشابك، لكنه يظلّ مترقرقاً تحت هذه الشبكة، ناتئاً أحياناً من خللها؛ لكنه، عادة، بعيد عن أن يحتلّ المحرق من الفعل الروائي. غير أن الأهمية الحقيقية للعبة النسيان هي أنها تشكّل بنية مضاعفة: طرفاها الحضور والغياب. ثمة نصٌّ حاضر مثير؛ لكن ثمة في ثناياه وفوقه وتحته، نصٌّ غائب لا يقل إثارة بفعل ما يخلقه من إحساس دائم بتوتر النص الكلي، لمضاعف البنية، لا بفعل انبثاقه على مستوى التضمينات الخفية التي يجري وراءها الوعي بعد أن تولده بحدة «لعبةُ» التقنية والأسئلة البديعة التي يطرحها النص على مفهوم السرد، وآلياته، والعلاقة بين الراوي وما يرويه ومن يرويه. وتتألق هذه البنية المضاعفة، مكثفة، في عنوان النص. النص يحمل اسم «لعبة النسيان» لكن النص يفصح في الواقع عن لعبة مكتنهة سابرة هي «لعبة التذكر». غير أن التذكر، في حقيقة الأمر، لا يشكّل البنية الدالة في ذاته، لا يطفو على السطح، لا يمثل مادة (أو إشكالية) النص الروائي كما هو، مثلاً، في البحث عن الزمن الضائع. بل هو عملية تتبلور وتتخذ لها شكلاً، وتكشف ما تتذكره، في حضور حاد للنقيض وللفجوات التي يبتكرها في تنامي الفعل السردي، أعني: «النسيان». نحن أمام لعبة مضاعفة. آليات التذكر لا تنتج عالماً مكتملاً عن طريق التقاط المادة المسجّلة في الذاكرة، أو المختزنة فيها، بل تنتج سطحاً لغوياً - حدثياً تنقشه وتبخشه وتخرقه أعداد كبيرة من الثقوب الكبيرة. لعبة التذكر لا تستعيد العالم كاملاً، ونحن لا نكتشف أنها تستعيد العالم غير كامل، إلا حين تفضح التقنية الروائية وجود الثقوب الكبيرة. وقتها ينبثق السؤال: لماذا تمت لعبة النسيان الخفية هذه؟ ما علاقتها بالمتذكر؟ ما علاقة الغياب بالحضور؟ بل الأخطر من ذلك كله أن سؤالاً مقلقاً ينتعظ: كيف نعرف الآن، وبعد أن ملأت لعبة تذكر جديدة الثقوب الكبيرة، أن كل شيء قد امتلأ فعلاً؟ كيف نعرف أن الغائب أُدْرِجَ الآن في بنية الحضور؟ كيف نثق بأننا لما نعد أمام بنية منقوشة بالخروق وأن ثمة الكثير من لم يُرْوَ، مما كان سيكون مضيئاً إلى درجة أعلى لو أن روايته قد تحققت؟ ويتركنا هذا السؤال العنيد في حضور نصّ متوتر، مفتوح، غائب حاضر، مثير للأسئلة باستمرار حتى بعد «انغلاقه».
١ - ١
تتم هذه الحركة اللائبة للنص بين الحضور والغياب بصورة شديدة التعقيد، وعلى قدر كبير من الطرافة والطراوة والابتكارية. لعبة سأسميها، مبدئياً، تناسل الراوي وتنازع المروي. وفي شكلها الأجمل، تنتج هذه اللعبة ما يمكن أن أسميه «الذاكرة المتصارعة». وتتقمص هذه الذاكرة المتصارعة شخصيات رواة مختلفين، متعددين. كما تحدث انشراخاً في الذات الممسكة بخيوط فعل السرد، بل و«بالمعرفة» التي ينبع منها كل فعل سرد روائي في العالم. كل فعل سرد في العالم يقتضي ذاتاً عارفة تملك معرفة كلية
ومطلقة بما تسرده. هذا مبدأ أساسي من مبادئ فعل السرد في تاريخه كله. وتباين الأساليب الروائية يحدث، في وجه من وجوهه، على محور هذا الامتلاك المعرفي. مَنْ يملك المعرفة؟ وكيف يفصح العارف عن معرفته؟ لكن تباين الأساليب على سعة مداه يصب دائماً، ودون استثناء، في ذات عارفة نهائية هي ذات الكاتب. الكاتب سيد اللعبة. المالك لكل الخيوط في الواقع، في الحقيقة. وتباين الأساليب ينبع من أنه يقرر أحياناً أن يسلم بعض خيوط السرد، وقدراً ما من المعرفة التي يمتلكها، إلى ذوات أخرى تكون، عادة، شخصيات في نصه الروائي، لكنها قد تكون ذواتاً راوية دون أن تتحول إلى شخصيات فاعلة في النص على مستويات تكوينه الأخرى.
غير أن محمد برادة ينقل اللعبة إلى مستوى أعلى عن طريق تأسيس «الذاكرة المتصارعة» متقمصة لا ذاتاً واحدة، بل ذاتين تتشكلان نتيجة انشراخ في الذات العارفة: يولد الانشراخ الذات العارفة الأولى ← الكاتب؛ ثم يولد ذاتاً عارفة أخرى يسميها النص «راوي الرواة». وفيما تنضوي كل ذات راوية عادة على صعيد امتلاك المعرفة تحت الذات العارفة الكلية الواحدة المطلقة: ذات الكاتب، فإن برادة في لعبة النسيان يجعل الذات التي يسميها «راوي الرواة» أعمق معرفة من الذات العارفة - الكاتب. أي أن الكاتب ينضوي تحت الذات التي يولدها انشراخ ذاته إلى ذاتين. نحن، إذن، أمام حلزونية روائية من نمط أشد تعقيداً من حلزونية ألف ليلة وليلة. إذ أننا، في نهاية المطاف، ندرك أن اللعبة، رغم الانشراخ المتمثل على صعيد النص، ليست في الواقع إلا انشراخاً وهمياً. فالذي يكتب النص في النهاية هو الكاتب - محمد برادة. وراوي الرواة والكاتب رغم انفصامهما موحدان فيه. أي أننا نعود إلى المبدأ الجوهري نفسه: كل فعل سرد يقتضي ذاتاً عارفة كلية مطلقة، إلى أن تبدأ بالتشكل أفعال سرد يمارسها كاتبان، لا راويان، من النمط الذي نراه في عالم بلا خرائط لجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف، (رغم أن هذه الرواية لم تفد بحق من ثنائية الكاتب المنتج للنص، لأنها في النهاية مثلت نصاً تمتلك المعرفة فيه ذات واحدة لا ذاتان مختلفتان وجعلت فعل السرد متنامياً، عضوياً، وأحداث النص مترابطة، وحُلَّتْ معرفةُ اثنين في معرفة واحدة موحَّدة. وكان بإمكانها أن تشكّل عملاً فذاً، من حيث المبدأ لكنها لم تنجح في فعل ذلك).
١ - ٢
في لعبة النسيان يتناسل الراوي. يتناسل أصواتاً ساردة. كما يتناسل أصواتاً تعليقية.
وتمتلك بعض الأصوات شخصيات الرواية نفسها: الهادي؛ الطايع؛ سي إبراهيم؛ ساردة بضمير «الأنا» سيراً فردية، أو لقطات من سير فردية، شخصية غالباً، وغير شخصية أحياناً. هكذا يسرد الهادي عن الطايع، والطايع عن الهادي، والهادي عن السيد الطيب، ولالانجيّة.... الخ. وتبدو لعبة التذكر حادة، ناصعة التفاصيل، مثيرة.
غير أننا فجأة نصطدم بانقطاع حقيقي. يُقاطَع السرد، والأصوات كلها، والراوي. صوت جديد هو «راوي الرواة» يدخل في حوار معنا، ثمّ مع الكاتب نفسه، ويفصح عن خبايا لم يروها الراوي، متهماً الكاتب بأنه تجاهلها لغرض في نفسه ومن أجل أن يحقق أهدافاً معينة، أو بسبب تصورات لديه عن معنى السرد، والواقع، ودلالة الأشياء، لا يجدها راوي الرواة مقنعة أو مسوّغة أو سليمة كمنطلقات لفهم الواقع، أو لإنتاج فنّ سردي قادر على اقتناص الواقع، بل يجد في بعضها إدعاءات خاطئة عن هدف عريق من أهداف السرد في النص الروائي في العالم هو إيهام القارىء بأن الراوي ينقل له الواقع بدقة.
ويبدو راوي الرواة صدامياً. وتنجح صداميته في إثارة أسئلة بعيدة الأهمية حول فنّ السرد نفسه، ومعنى الفعل السردي، وعلاقة الكاتب بما يسرد وعلاقته بالعالم. والعميق الدلالة في كل ما يثيره راوي الرواة هو أنه نقاش نقدي متطوّر لمستوى محدد من مستويات النص الروائي هو المستوى الذي أسميه «نظام الترميز» في وجوه أساسية له. أي أن راوي الرواة لا يعيد إنتاج «الواقع» وسرده من منظور جديد، كما هي الحال في الصخب والعنف أو السفينة مثلاً، بل إنه يفعل ذلك جزئياً ويفعل ما هو أهم منه: ينقل التعامل مع المادة الروائية من مستوى المرسلة (Message) إلى مستوى نظام الترميز (Code)وذلك بالضبط ما كنت قد اعتبرته في دراسات سابقة العلامة الحائزة للحداثة ، وما أعتبره أحد القوانين الجوهرية في تطور الإبداع الفني؛ أقصد أحد القوانين الداخلية التي تخصّ العملية الإبداعية نفسها والتي تختلف عن القوانين الخارجية التي تؤثر على تطور الأدب أو النص الأدبي بشكل عام. ولقد كنت طرحت هذا المفهوم في مناسبات عديدة وآمل أن يجد صورته المكتملة نقدياً في كتاب مستقل يشرف على الإنجاز.