كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

السوري يريد وطناً يَدَعُ فيه القلق ويبدأ الحياة

مروان حبش

بعد عامٍ ونيف على سقوط نظام الإرهاب والفساد، لا يبدو مطلب الحياة الطبيعية ترفاً سياسياً ولا شعاراً عاطفياً، بل حقاً بديهياً يليق بشعبٍ أنهكته الحرب، واستنزفته سنوات القهر والحرمان. يحقّ للسوري أن يعيش في وطنٍ يودّع فيه القلق ويبدأ الحياة من جديد؛ حياةً لا تلاحقه فيها الهواجس في لقمة عيشه، ولا يخاف فيها من طرقات الأبواب في منتصف الليل، ولا يُسأل فيها عن رأيٍ أو فكرةٍ كأنها تهمة.
إنّ أول ما يتطلع إليه السوري اليوم هو وداع القلق المعيشي بكل أشكاله. فبعد سنة ونيف من قطع الموارد المالية، وانسداد فرص العمل أمام شرائح واسعة من المجتمع، وارتفاع الأسعار إلى مستوياتٍ غير مسبوقة في تاريخ البلاد، لم يعد القلق الاقتصادي مجرد هاجسٍ عابر، بل صار واقعاً يومياً يثقل كاهل الأسر. الغلاء الفاحش الذي لم يعرفه السوريون من قبل لم يترك مجالاً لكرامة الإنسان. إذ كيف تُصان الكرامة إذا عجز الأب عن تأمين الخبز، أو اضطرت الأم إلى الاختيار بين الدواء والغذاء؟ إنّ أي مشروع وطني حقيقي لا يبدأ بإعادة بناء الحجر قبل إعادة بناء القدرة على العيش الكريم، وتوفير فرص العمل، وتحريك عجلة الاقتصاد بعدالةٍ وشفافية، بعيداً عن الاحتكار والمحسوبيات التي أفسدت حياة السوريين لعقود.
غير أنّ القلق في سورية لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان – ولا يزال – أمنياً في جوهره. فاستمرار هيمنة الأجهزة الأمنية على الحياة العامة، بما تتضمنه من استدعاءات وملاحقات طالت حتى زوجات الضباط المتقاعدين بعد عام 2011، يعكس عمق الأزمة في بنية السلطة ذاتها. حين يتحول الأمن من وظيفةٍ لحماية المجتمع إلى أداةٍ للسيطرة عليه، ينتشر الرعب ويتآكل السلم الأهلي. الخوف لا يقتل الشجاعة فقط، بل يقتل الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويزرع الشك في العلاقات الاجتماعية، ويجعل الناس يهمسون بدلاً من أن يتكلموا، ويتوارون بدلاً من أن يشاركوا في الشأن العام. إنّ سورية الجديدة التي يحلم بها أبناؤها لا يمكن أن تقوم على إرث الرعب، بل على سيادة القانون، واستقلال القضاء، ومساءلة كل من تجاوز حدوده أياً كان موقعه.
يريد المواطن السوري حياةً كريمةً تتناسب مع ما قدمه من تضحياتٍ جليلة. يريد الأمان والطمأنينة على حياته وحياة عائلته، حاضراً ومستقبلاً. يريد أن يشعر بأنّ دمه وعرقه لم يذهبا هدراً، وأنّ وطنه يتسع له دون استقصاء أو تهميش، إلا لمن تلوثت أيديهم بالدماء، أو نهبوا أموال الشعب وأفسدوا في الأرض. فالعدالة ليست انتقاماً، بل شرطٌ للمصالحة الحقيقية، وهي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين المواطنين، وتُطوى به صفحات الماضي الأليم دون إنكارٍ أو تزييف.
الوطن في معناه العميق ليس حدوداً جغرافيةً فحسب، بل هو كرامة وحقوق. هو لقمة الخبز المصونة، والحق في التعليم والعمل والعلاج، كما هو الحق في التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية. هو ممارسة الحقوق الثقافية والسياسية التي تنص عليها وثائق حقوق الإنسان، للنساء والرجال معاً، دون تمييز أو إقصاء. وهو أيضاً احترام التعدد الفكري والسياسي، ورفض التخوين والتكفير لأي فكرٍ أو نهجٍ سياسي، ما دام ملتزماً بالسلمية وسيادة القانون. فالتنوع الذي طالما كان سمة المجتمع السوري يجب أن يتحول من مصدر قلقٍ إلى مصدر غنى، ومن ذريعةٍ للصراع إلى قاعدةٍ للتكامل.
يريد السوريون أن يبدؤوا حياةً جديدة يمارسون فيها حرياتهم في ظل نظامٍ ديمقراطي تسوده العدالة وتكافؤ الفرص، ويحتضن جميع مكوناتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية. نظامٌ يضمن تداول السلطة، ويفصل بين السلطات، ويخضع فيه الجميع للقانون بلا استثناء. ديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع فحسب، بل تتجسد في الشفافية، ومكافحة الفساد، وتمكين المجتمع المدني، وإشراك الشباب والنساء في صناعة القرار.
إنّ الطريق إلى هذه الحياة الجديدة ليس سهلاً، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة، وجرى تغليب مصلحة الوطن على مصالح الأفراد والجماعات. إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ بإعمار الثقة، وإطلاق طاقات السوريين في الداخل والمهجر، وفتح الأبواب أمام الكفاءات، وإقامة عقدٍ اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية.
يريد السوري أن يودّع زمن الخوف إلى غير رجعة، وأن يفتح نافذة الأمل لأطفاله، وأن يرى في مدنه وبلداته مدارس تعج بالحياة بدلاً من أنقاض، ومستشفيات تقدّم العلاج بدلاً من أنين، وأسواقاً تضج بالحركة بدلاً من صمت الحاجة. يريد أن يستعيد صوته، وأن يشعر بأنّ وطنه ليس سجناً كبيراً، بل بيتاً واسعاً يتسع لأحلامه.
لم يعد مطلب السوريين اليوم شعاراً عاطفياً، بل حاجة وجودية: أن تكون سوريا وطناً قابلاً للعيش. هذا المطلب ليس كثيراً على شعب ٍ قدّم ما قدّم من تضحيات، وصبر ما صبر من آلام. إنه حقّ طبيعي ووضعي، أخلاقي وقانوني، وشرطٌ لبقاء الوطن ذاته. فالوطن الذي لا يمنح أبناءه الكرامة والحرية والعدالة، يفقد معناه. أما الوطن الذي ينهض على هذه القيم، فإنه يستحق أن يُعاش ويُدافع عنه، ويُبنى حجراً فوق حجر، وأملاً فوق أمل.