كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المحطة القادمة

منصور المنصور

اكتشفت حبي لمحطات القطار متاخرا، ولعل هذا هو السبب الذي جعلني أكتب فيلمي "المحطة القادمة".
الفيلم أنتجه التلفزيون السوري عام 2008، وحاز جائزتين ذهبيتين في مهرجان القاهرة التلفزيوني، جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل بطل، التي ذهبت إلى الفنان فايز قزق.
بطل الفيلم كاتب قصص، لكنه ليس كاتبًا عاديًا. لديه عادات غريبة، منها أنه يكتب قصصه وهو في القطار. يسافر من دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى حلب، وإلى اللاذقية، ويحجز غرفة في القطار، ثم يجلس وحيدًا، يشرب قهوته، يدخن، ويكتب. ربما هذه الحالة غير المستقرة، حالة السفر، هي تعبيرا عن حالته النفسية غير المستقرة ايضا. كان يبحث عن نفسه، عن شيء يفتقده ولم يعثر عليه. لان حالته النفسية لم تكن مستقرة ولم يكن راض لا عن نفسيه ولا عن العالم كله. كان يشعر بأنه غير قادر على التكيف مع الواقع الذي يحيط به. العالم بالنسبة إليه أصبح مكانًا قاسيًا أكثر مما يستطيع قلبه أن يحتمل. حروب، صراعات، قتل، دماء، وأناس يموتون كل يوم. كانت أخبار العراق في تلك السنوات ثقيلة على روحه؛ انفجارات هائلة في بغداد، وسيارات مفخخة، والارهاب يضرب شوارع بغداد. كان يتابع كل ذلك، ثم يعود إلى غرفته، إلى أوراقه وقهوته وسجائره، محاولًا أن يجد في الكتابة مكانًا آخر يمكن أن يعيش فيه. كان يحمل في داخله أسئلة وجودية وعبثية كثيرة. أسئلة لا يجد لها إجابات، وكلما حاول أن يهرب منها عادت إليه بصورة أشد. لماذا يعيش الإنسان في عالم كهذا؟ ما معنى أن يستيقظ كل صباح ليجد أن العالم ما زال قادرًا على إنتاج المزيد من الموت؟ وما قيمة حياة فرد واحد أمام هذا الخراب الكبير؟ كانت تلك الأسئلة تتحول داخله إلى صراع نفسي عنيف. وفي لحظة بلغ فيها هذا الصراع ذروته، حاول الانتحار. تناول كمية كبيرة من الأدوية، لكن صديقًه اكتشف الأمر في الوقت المناسب، ونُقل إلى المستشفى وأنقذ حياته.
عاد الى الكتابة في القطار. كان يكتب عن صبية، تخيلها كثيرا. لا يعرف اسمها، ولا يعرف أين يمكن أن تكون، لكنه كان يراها في خياله كما لو أنها موجودة فعلًا. مرة يتخيل أنه التقاها في حديقة، ومرة في شارع، ومرة في السوق. وفي إحدى الصور التي تتكرر في خياله، يراها تمشي تحت المطر وهي تحمل مظلة ملونة. كان يتخيل نفسه يمشي معها تحت المطر، يتأملها، يتحدث إليها، ويشعر بأن العالم، ولو لدقائق، أصبح أقل قسوة. لم تكن الصبية مجرد امرأة يتخيلها؛ كانت نقيضًا لكل ما كان يكرهه في العالم. كانت الحياة كما يتمنى أن تكون: هادئة، بسيطة، جميلة. ثم حدث ما لم يكن يتوقعه.
في إحدى رحلاته بالقطار، وبينما دخل عربة الكافيه ليشتري قهوة، وقعت عيناه على صبية تجلس بجانب النافذة. وفي اللحظة الأولى التي رآها فيها، شعر بشيء غريب يجتاحه. أحساس أعمق من الدهشة، واعمق من اللذة. ترافق ذلك مع برق لمع في السماء واضاء القطار كله، ثم اعقبه صوت الرعد. ظل ينظر إليها، مرتبكًا مشوشا ومضطربا، وكأن ذاكرته تحاول أن تطابق وجهًا حقيقيًا مع صورة ظلت تعيش في رأسه طويلًا. همس لنفسه:
ـــ هيي... هيي تبع الحلم.
سمع صوت دقات قلبه بوضوح. واصغى اليها وهي تتكلم بالموبايل. ومن خلال كلامها عرف أنها تعمل في مجال التربية والتعليم.
هذه الصبية تشبه إلى حد بعيد الصبية التي ظل يتخيلها في قصصه. لم يعد يستطيع أن يتعامل مع الأمر باعتباره مصادفة. بدأ يعتقد أنها هي نفسها؛ المرأة التي كان يكتب عنها دون أن يعرف أنها موجودة.
وعندما وصل القطار إلى محطة دمشق، نزلت، وكان بانتظارها شخص ما في سيارة. راقبها هو من بعيد، ثم استقل سيارة أجرة وتبعها. تبعها في شوارع دمشق، ورآها تمر في أماكن مختلفة. نزلت من السيارة وتسوقت اكثر من مرة، وكان يحاول جاهداان يبقى خلفها. ولكن فقد أثرها، ولم يعد يعرف اين تسكن
راح يبحث عنها. استعاد كل ما استطاع أن يتذكره من حديثها في الهاتف، ومن الأماكن التي مرت بها، ومن الأسواق التي ظهرت فيها. بدأ يبحث في دمشق، في الأماكن التي توقع أنها قد تكون فيها. مرت الأيام، ثم الأسابيع، ثم الأشهر.
مرت الأيام، ثم الأسابيع، ثم الأشهر. وبعد أن كان قد وجد شيئًا يجعله يريد الحياة، فقده قبل أن يلمسه.
ومع مرور الوقت، بدأ اليأس يعود إليه. وربما أن صبيته لم تكن موجودة بالاساس، وكل ما راه ليس الا خيالا، تصورات منحها عقله معنى أكبر من حقيقتها.
بعد اشهر، وفي يوم عادي كان عائدًا إلى شقته، يحمل كيسًا فيه بعض البرتقال. صعد إلى شقته، ووقف أمام الباب، وأخرج مفتاحه ليشرع في فتحه. وفي تلك اللحظة خرجت جارته من شقتها. وكانت برفقتها صبية. رفع عينيه إليها، وتوقفت عيناه. عرفها، هي نفسها التي رآها في القطار. هي نفسها التي ظل يبحث عنها في شوارع دمشق، ثم سافر إلى حمص بحثًا عنها، وقضى أشهرًا يطارد أثرها.
المفارقة التي جعلت كل ذلك يبدو عبثيًا ومؤلمًا في الوقت نفسه، أنها لم تكن بعيدة عنه أصلًا. كانت تسكن بجانبه، ضيفة عند صديقتها التي هي جارته. الحيط على الحيط. والباب قبالة الباب. وكان يبحث عنها في دمشق، بينما كانت تعيش على بعد خطوات منه.
ـــ ملاحظة: للاسف الفلم غير متوفر على اليوتيوب. كان متوفرا حتى عام 2014 قام التلفزيون او احد المسؤولين فيه بحذفه