كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

السلم الأهلي وإدارة الاخنلاف

مروان حبش

 لم يعد مطلب السوريين اليوم رفاهية سياسية أو شعاراً عاطفياً، بل حاجة وجودية: أن تكون سوريا وطناً قابلاً للعيش. فخلال العقد الماضي، مرت سوريا بظروفٍ استثنائية جعلتها واحدة من أكثر البُلدان تدميراً في التاريخ الحديث. فمن حربٍ طاحنة، ارتكبت فيها انتهاكات جسيمة، ومجازر مرعبة بحق الشعب السوري على يد النظام البائد، إلى مجازر وانتهاكات أخرى في ظل السلطة الانتقالية الحالية، التي طالت بعض مكونات الشعب السوري، وانهيار في مؤسسات الدولة والمجتمع، وما خلّفته من خوف عميق وشروخ في الثقة بين مكونات الشعب الواحد. في ظل هذا الواقع، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن استعادة الوطن، لا بوصفه أرضاً فحسب، بل إطاراً جامعاً للحياة المشتركة؟
إن أي حديث عن المستقبل السوري يبدأ من السلم الأهلي، لا باعتباره هدنة مؤقتة أو غياباً للعنف فحسب، بل باعتباره شرط الاجتماع السياسي نفسه. وهو البيئة التي تسمح للناس أن يعودوا فاعلين في حياتهم اليومية، وأن يشعروا بأن وجودهم في هذا البلد غير موضع شك. من دونه، يصبح الاختلاف مصدر قلق دائم، وتتحول التعددية من غنى اجتماعي إلى تهديد وجودي.
إدارة الاختلاف هي جوهر السياسة في المجتمعات المتنوعة. غير أن هذه الإدارة لا يمكن أن تنجح في ظل خوفٍ متبادل أو شعور بالإقصاء. فحين تفقد الجماعات ثقتها بأن الدولة لا تحمي الجميع على قدم المساواة، تنكفئ إلى انتماءاتها الأولية، وتبحث عن الأمان خارج الإطار الوطني. هنا تتآكل فكرة الدولة، ويضعف المجتمع المدني، ويتحوّل المجال العام إلى ساحة تنازع لا إلى مساحة شراكة.
إن بناء الدولة في سوريا لا يتحقق عبر الحضور الأمني الطاغي أو منطق الغلبة، بل عبر استعادة معناها الجامع: دولةٌ حامية، لا مهيمنة. عادلة، لا انتقائية. ضامنة للحقوق، لا مانحة لها.
الدولة الحديثة التي يحتاجها السوريون هي تلك التي تؤسس لشرعية تقوم على القانون والمواطنة، وتكفل المشاركة المتكافئة في الشأن العام، وتطمئن جميع مكونات المجتمع إلى أن مصالحها مصانة ضمن إطار وطني واحد.
إن إعادة بناء الثقة العامة هي التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة. وهذه الثقة لا تُستعاد بالخطابات، بل بإجراءات ملموسة: عدالة انتقالية تنصف الضحايا، ومؤسسات شفافة خاضعة للمساءلة، وإصلاح إداري يحدّ من الفساد، ونظام سياسي يفتح المجال أمام التعددية الحقيقية. حينها يشعر المواطن أن صوته مسموع وحقوقه محفوظة، ويصبح شريكاً في الاستقرار لا متلقياً له.
ليست السياسة، في معناها الأصيل، صراعاً صفرياً على السلطة، بل إدارة رشيدة للمصالح العامة. ومن دون شعورٍ بالشراكة في المصير، لن يتحقق استقرار دائم. فالوطن ليس مجرد حدود وسيادة، بل عقدٌ اجتماعي بين أبنائه، يضمن لهم الكرامة والأمن وفرص الحياة الكريمة. وكلما تعزز هذا العقد، تراجعت احتمالات العنف، وتقدّم منطق التعاون.
سوريا، بهذا التاريخ العريق والتنوع، تملك مقومات النهوض إن أحسنت السلطة تحويل عراقتها وتنوعها إلى مصدر قوة. المطلوب ليس إنكار الاختلاف، بل تنظيمه ضمن قواعد دستورية واضحة، تُعلي من شأن المواطنة وتمنع احتكار السلطة. فالمسافة الآمنة بين الجماعات لا تُبنى بالإقصاء والتهميش، بل بالثقة المتبادلة في دولةٍ عادلة.
السوري يريد سوريا وطناً يعيش فيه، لا ساحة صراع دائم. يريد دولة تطمئنه إلى حاضره وتفتح له أفق المستقبل؛ دولة يشعر فيها بأن انتماءه الوطني يوفّر له الحماية لا القلق، وبأن مشاركته في الشأن العام حق لا امتياز. هذا هو الطريق إلى استعادة معنى الوطن: "شراكة في المصير، وعدالة تضع الجميع تحت سقف واحد".
إن العيش في سوريا المستقبل، لا بد من أن ينطلق من إدراك بأن الوطن ليس عبئاً إضافياً على القلق العام، بل هو مصدر أمان ورغبة مشتركة في البناء. وفي هذا السياق، يكون الإيمان بأن السلم الأهلي ليس مجرد شعار، بل هو شرط الوجود نفسه، وهو المدخل الذي يبني عليه السوريون مجتمعهم الجديد.
يبقى السؤال الذي يتردد في نفوس كل السوريين: كيف يُمكن بناء سوريا وطناً يعيش فيه الجميع، ويُعاش من أجلها؟ والإجابة تكمن في الاطمئنان، الذي لا يُمكن تحقيقه إلا من خلال توثيقه دستورياً، وممارسته فعلياً. ومن خلال الشراكة في المصير، وفي إدارة الاختلافات بنجاح ضمن إطار وطني شامل.
إن الحديث عن سوريا المستقبل، يجب أن ينطلق من الوعي بأن السلم الأهلي ليس مجرد شعار أو استحقاق مؤقت، بل هو شرط دائم لبقاء هذا الاجتماع بين مكونات الشعب. هذا هو الطريق إلى بناء دولة، لا تقتصر وظيفتها على فرض الأمن، بل تخلق مساحة مشتركة يعيش فيها الجميع، ويُدار فيها الاختلاف ضمن أفق وطني شامل.
تستطيع سوريا أن تتجاوز محنتها إذا استطاعت بناء دولة تُشعر الجميع بالأمان من خلال تفعيل الطمأنينة في السياسة، لا كشرط مرحلي، بل كأساس دائم لبقاء الاجتماع الإنساني نفسه.
عندها فقط، يمكن أن تتحول سوريا من جغرافيا أنهكتها الحرب إلى وطنٍ يُعاش فيه، ويُبنى به ومعه.