كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشعور بمسؤولية سقوط النظام

منذر مصري
21 أغسطس 2026
سيكون مخطّطي لكتابة هذا المقال، البدء بالكلام عن مسؤوليتي في إسقاط نظام الأسد ومدى مساهمتي فيه، التي ربّما تكون صفرًا. وما تولّد في داخلي من الشعور بالمسؤولية أمام الآخرين وأمام نفسي، عندما حصل هذا السقوط وبات حقيقة واقعة. وما تلاه من كوارث ومآسٍ كان يمكن وكان يجب تجنّبها مهما كانت الأسباب. ومن ثم محاولة تفسير مواقف وردود أفعال كتلة وازنة من المثقّفين السوريين، كانوا يدعون إلى إسقاط النظام، وشاركوا بطريقة أو بأخرى، بهذه النسبة أو تلك، في تحقيق هذا السقوط! ولأنّي أعلم أنّ جلّ طرحي سيكون ناقصًا وملتبسًا، يكون رجائي أن يتقبّله الآخرون ممّن يخالفوني النظرة، كأفكار تسعى للحوار، أكثر ممّا تسعى لتثبيت نفسها.
سيرة مختصرة لمعارض داخلي:
عنّي شخصيًا، أستطيع الادّعاء بأنّي كنت صاحب موقف سلبي، مضاد، رافض لحكم البعث منذ أن وعيت وجوده كسلطة سياسية ديكتاتورية تتحكّم في مصير البلد ومصير الناس. بدأ هذا في المرحلة الثانوية (1964-1967) التي قضيتها في ثانوية جول جمال، حين، دونما أسباب مباشرة، راحت تتسرّب إلى داخلي مشاعر الرفض والخوف في آن. حتّى إنّي عندما توقفت الامتحانات خلال حرب الخامس من حزيران/ يونيو 1967، تمنيت أن تقصف الطائرات الإسرائيلية المدرسة، ولو بالخطأ! أمّا في الجامعة، فقد ذهبت صداقاتي إلى الفلسطيني نعمان كنفاني، الأخ الأصغر لغسّان كنفاني، والسوداني الشيوعي عمر عبد السلام، والمغربي الفوضوي عبد اللطيف عوّاد. فكتبت عنهم قصيدة ترجمت ونشرت بعد 50 سنة من كتابتها، في مجلة "باريس ريفيو"، شتاء 2025-2026. أذكر أنّ رفيقًا حزبيًّا في اتّحاد الطلبة قال لي يومًا: "صحيح أنّك غير حزبي، لكن مواقفك المعارضة يعرفها الجميع". وأظنّني حافظت على استقلالي هذا حتّى اليوم، رغم الشبهات التي طاولتني وأدّت إلى اعتقالي، ومعي أخي رفعت، سنة 1987.
بدأ بعدها مسلسل استدعائي لفروع الأمن لأيّ سبب، صورة أو رسالة أو لقاء عابر! لكنّ سنة 2000، سنة وفاة الأسد الأب وتوريث الابن، كانت بمثابة انعطافة حقيقية في حياتي، فقد وقع في روعي أنّي أستطيع أن أكون شريكًا في عملية التغيير المزمع والقريب في سورية. فكنت من الموقّعين على بيان الـ99 مثقّفًا سنة 2000، وبيان الألف سنة 2001، وراح اسمي يورد على ما يُعرض عليّ وما لا يُعرض من بيانات، منها بيان، حرصت السلطة نفسها على إخفائه، يطالب به رياض الترك (1930-2024)، الأسد الابن بالاستقالة! أرسلته لي سهير الأتاسي، ولم يوقّعه حينها من اللاذقية سوى بشير دواي وأنا. وبحكم كوني شاعرًا، كلّفت بكتابة رسالة التعزية بمقتل جبران تويني، 12/12/2005، التي وقّعها 11 مثقّفًا سوريًّا، ونشرت على الصفحة الأولى لصحيفة "النهار". "يسلموا إيديك على هالكلام الحلو"، قال لي ميشيل. كلام حلو أثار حفيظة موالي النظام لدرجة أنّهم طالبوا بشنقنا في ساحة المرجة! وبدل الشعر والرسم اللذين أحسب أنّ الله خلقني لأجلهما، قذفت نفسي في معمعة لا عهد لي بها، وهي كتابة مقالات في الشأن السوري العام، ونشرها في الصحف اللبنانية، كان منها "السيناريوهات الثلاثة لنهاية الأبدية" الذي نشر في ملحق "النهار"، 17 نيسان/ أبريل 2005، ضمن ملف: "23 مثقفًا سوريًا يكتبون على درب الاستقلال الثاني في سورية ولبنان". أعقبه منعي من السفر للمرّة الأولى سنة 2006، ثم منعي من السفر للمرّة الثانية سنة 2009. أمّا بعد سنة 2011، وبقائي في حفرة الموت والدمار والتشرّد، فقد كلّفني ما لا يمكن لأحد مجرّد تخمينه، آخره ورود اسمي في قائمة الإرهاب رقم 35، الصادرة عن وزارة العدل السورية بتاريخ 31/8/2020.
وعود الثورة:
في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، سقط النظام، من حيث أدري ولا أدري، لذلك أعترف أنّي احتجت كي أصدّق سقوطه، إلى الخروج من بيتي ذلك الفجر، والمضي ركضًا إلى ساحة الشيخ ضاهر لمشاركة أهل مدينتي وهم يسقطون التمثال، أن أراهم يدوسون رأس الصنم بأحذيتهم. وكي تبقى تلك الصورة حيّة في ذاكرة الآخرين كما في ذاكرتي، كتبت: "مديح اللحظة"، فلم أترك وصفًا جميلًا إلّا وألصقته بها. ولا أظن شيئًا في العالم كان يستدعي منّي، وأنا في غمرة فرحي، الشكّ بأنّ هذه اللحظة هي ما حلم به السوريون دهرًا وضحوا لأجله بكلّ شيء. لذا في أوّل لقاء جرى بين "المحرّرين" وممثّلين عن أهل المدينة، كنت أوّل المتحدثين، وكان أوّل ما قلت: "بما أنّكم ترفعون علم الثورة، فإنّ للثورة وعودًا، عليكم الإيفاء بها".
مسؤوليّتي كمبشّر بسقوط النظام:
أنا المبشِّر، أو قل، أحد المبشّرين، المحرّضين، المهلّلين، الذين أكالوا الوعود بسقوط الأسد، وبأنّ سقوطه هو الشرط الوافي والكافي ليصير لدينا نحن السوريين، أجمعين، وطن حرّ كريم، نحيا فيه بدون تفريق وبدون تمييز. حتّى وإن كنت لست من الذين أسقطوه، ولا ممّن فتحوا له الباب وقالوا له تفضل، ولكنّي شعرت بمسؤوليتي عن هذا السقوط! أوّلًا في أن أجعله سقوطًا ناجحًا، وكاملًا، بكلّ رموزه ومرتكزاته السياسية والأمنية والثقافية أيضًا! لأنّه لا يمكن أن تتحقّق وعودي لأبنائي وأحفادي، وللسوريين أجمع، ما لم يكن السقوط نهائيًّا. إلّا أنّي سرعان ما عرفت أنّ هذا أقرب ما يكون إلى الحلم المستحيل! نصف قرن من نظام عصبوي عصاباتي، مرتكب للفظائع! لا يمكن أن ينتهي بمجرّد سقوطه كسلطة! لا ريب، سيمرّ بعثرات، بل بسقطات، وامتحانات أقرب للمحن، لا شيء يضمن بأنّ أيّ سلطة ستأتي بعد السقوط سوف تنجح بعدم الوقوع فيها، أو بعبورها!
فمن الطبيعي، انظروا إلى العراق وليبيا واليمن، يقولون، أن يستغرق الخروج من حفرة الدم والموت والخراب زمنًا قد يطول لسنوات عديدة! من هنا جاءت فكرة بأنّه عليّ، وعلى أمثالي المبشّرين والمهلّلين بسقوط النظام، أن نعطي من أسقطوه، محرّري السوريين من سجنهم المؤبّد، من كانوا؟ وكيفما جاؤوا؟ كلّ الوقت الذي يحتاجونه، الفرصة تلو الفرصة حتّى يتعلّموا، ونجد لهم الأعذار! ونغضّ النظر عن نواقصهم وعدم كفاءتهم، ألم يجيئوا من المغاور؟ وعن فشلهم في إيجاد أنصاف الحلول لأهمّ وأخطر ما في أيديهم من الملفّات. غير أنّ هذا الموقف الإيجابي من المرحلة، المتعفّف عن التطبيل والتزمير للسلطة! وفي الوقت ذاته، غير الواقع في العدائية المطلقة ضدّها، أظهر مع الوقت، مع انقضاء ما يزيد عن السنة والنصف من العجز عن الخروج من حفرة النظام الموحلة والزنخة، والوقوع المرّة تلو الأخرى في الفخاخ التي نصبها على طريق السوريين إلى الخلاص! تخلّلها حدوث مجزرتين دمويّتين بحقّ، ليس العلويين والدروز فحسب، بل بحقّ السوريين جميعًا، اقبلوا هذا منّي، لأنّ المجزرتين كانتا طعنتين في صدر الفرحين والآملين بسقوط النظام أكثر منهما لرافضي سقوطه وأعدائه، أقول أظهرني هذا أمام الآخرين، رغم تضامني الصريح مع الضحايا، وإدانتي للقتل والخطف منذ البداية، وكأنّني أقف على حياد، متلبّسًا بروح سلبية لم أحتج أن ينبّهني لها أحد، في مواجهتي لأفدح ما يمكن أن يواجه البلد من مخاطر خلال كلّ تاريخه! لأنّ الموقف الأصحّ، الموقف الإيجابي الحقيقي، لمن بشّروا وساهموا، كلّ بطريقته، بسقوط نظام الأسد، هو أن يعملوا ألّا يعود، لا هو ولا ما يشبهه كثيرًا أو قليلًا! وأن يتابعوا معارضتهم للسلطة القائمة حتّى تتحقّق وعود ثورة السوريين، ويروا أنفسهم يمضون على الطريق الصحيح للوطن الحرّ الكريم الذي ثاروا وضحّوا من أجله.
ماذا عن مسؤولية الآخرين:
"في سورية، قل لي من أيّ طائفة أنت، أقول لك أيّ معارض أنت". وهذا، تعلمون، ليس من اختراعي! لكنّي أستحضره الآن ليس لوصم المعارض السوري بالطائفية، كما يتّهمه الكثيرون، بل لتأثّره الطبيعي والمحتّم كإنسان بمحيطه، وبعلاقاته الإنسانية مع هذا المحيط، بصلات القربى والجيرة والصداقة! ويمكن لنا تبعًا لهذا المنطق، المبسّط ليصلح للاستخدام في هذا السياق، تقسيم السوريين لطرفين، طرف أوّل استقبلوا السقوط وكأنّه معجزة سماوية، وليس لديهم ما يخشونه على أنفسهم ممّا سيأتي وسيحدث بعده، بل العكس، فهم يأملون منه كلّ خير. وطرف ثان لديهم يخافون هذا السقوط ويقضّ مضاجعهم. ذلك أنّ النظام الأسدي قد روّج لسنين طويلة فكرة أنّ سقوطه سقوطهم، نهايتهم، وبأنّهم سيكونون تحت رحمة أعدائهم، المتربّصين بهم! وهنا يبرز السؤال: "كيف تعامل معارضو النظام مع محيطهم هذا بعد سقوطه، وخلال السنة والثمانية أشهر الثقيلة الماضية؟".
بداية، حاولوا طمأنتهم بأنّ سقوط النظام لمصلحتهم، فقد حرّرهم من مستعبديهم، الذين أخذوا أبناءهم للموت لتثبيت سلطتهم واستمرار نهبهم. ثم راحوا يدعونهم للخروج من القفص الذي سجنهم النظام فيه بحجّة حمايتهم، والانضمام إلى بقية السوريين في عملية بناء بلدهم. إلّا أنّ هذا الخطاب الجميل، للأسف، لم يصلح سوى لمدّة قصيرة! فما حدث بعد السقوط، ممّا صنّف دوليًا على أنّه جرائم حرب ترقى لجرائم ضدّ الإنسانية، اعترفت بها السلطة القائمة وأحدثت هيئات ولجان لتقصّي حقائقها ومعرفة مرتكبيها، وبعده مسلسل الاغتيالات الطائفية الذي لم ينته لليوم وحالات خطف النساء الموثّقة! أفقده كلّ معنى، وكلّ قدرة على الإقناع، مع ما تبدّى في الجو العام المشحون من قلّة التعاطف الشعبي وانعدامه رسميًّا، ما كان خليقًا به أن يخفّف من آثارها الكارثية في المجتمع السوري. وهنا صار واجبهم أن يقفوا معهم في محنتهم. "سأكون دائمًا مع الضحايا"، قالت لي سمر يزبك. وأن يؤكّدوا لهم أنّهم لن يتخلّوا عنهم. فهم أبناؤهم وإخوتهم قبل أن يكونوا معارضين، وإن كانوا ممّن دفعوا أغلى الأثمان نتيجة معارضتهم. ما دفع ببعضهم إلى تبرّؤهم من سوريتهم، فسورية ماتت وانتهت، وإعلان ندمهم، إذا لم يكن على معارضتهم للنظام، فعلى تأييدهم لثورة السوريين. فقد تكشّف لهم أنّها في الأساس ثورة طائفية! وأنّ السوريين لم يثوروا سوى ليبدّلوا طائفة ديكتاتورهم! وكأنّهم بهذا يتوسّلون غفرانًا ما، وإعادة اعتبار عاطفيّة ونفسية، بعد هذا السقوط الذي قذف أهلهم إلى المجهول، الذي ربّما ما عاد مجهولًا، بعد أن شاهدوا بأمّ أعينهم إخوة وأخوات وأبناء لهم يتضرّجون بدمائهم.
ضفة ثالثة