مملكة ايبلا صاحبة أوّل دستور يقيد صلاحيات الملك
قبل أكثر من أربعة آلاف عام، كانت إيبلا صاحبة أول دستور ينص على تقييد صلاحيات الملك في أهم شيء، وهو تحديد مدة جلوسه على الكرسي بسبع سنوات غير قابلة للتمديد او التجديد، وهكذا ازدهرت مملكة ايبلا تحت حكم ملوكها الدستوريين واصبحت اكبر ممالك ذلك الزمان، إلى ان خرج من بينهم من اشتطت اطماعه واستطاب الجلوس على كرسي العرش، ولم يغادره بانقضاء مدته بل مدد لنفسه سبع سنوات أخرى، فكان فيها اندثار مملكة ايبلا العظيمة تحت سنابك الغزاة الاكادييين، لتصبح أثرا بعد عين تغطيها الحرائق والركام، ولتخرج من التاريخ والجغرافيا لمدة تزيد عن أربعة آلاف عام، واهم مكتشفات ايبلا مكتبة القصر الملكي التي بقيت نصوصها محفوظة كاملة على ١٦٠٠٠ رقيم طيني مصفوفة على ارفف مكتبة القصر الملكي وكأنها من مكتبات هذه الأيام، ومن بين اهم محتوياتها ذلك القاموس الوسيط بين لغة ايبلا واللغة السومرية التي اصبحت مقروءة الان، مما سهل قراءة محتوياتها، لتنشر تباعا في مجلة خاصة أنشئت باسمها، ولن تستنفذ ترجمة ونشر نصوصها من قبل لجنة مختصة في خمسين عام، لكثرة وأهمية ما احتوته من معلومات عن كل جوانب الحياة في المملكة، من مراسيم ملكية تبدأ بعبارة (نحن ملكة وملك ايبلا...) مما لاتجده حتى في أيامنا من تشريف للمرأة، ومن الاتفاقيات والعلاقات مع الممالك الاخرى، حتى مع الدولة الفرعونية المصرية القديمة، وقوائم بالصادرات والواردات والأموال، بنزاهة وحرفية وشفافية نحلم بمثلها هذه الأيام.. الخ مما دعا علماء الآثار إلى اعتبار هذا الكنز اهم اكتشاف اثري في القرن العشرين، لما اضافته مكتبة القصر الملكي من معلومات هامة عن مرحلة كانت ما تزال لغزا يحاول فكه المؤرخون.
ان هذا القليل من التفصيل عن واحدة من الحضارات العظيمة التي كانت قد ازدهرت على الأرض التي نعيش عليها اليوم على مدى حوالي اربعمائة عام، على فترتين، قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، ولم تدمر الا على أيدي الغزاة الخارجيين الذين ما كانوا ليفلحوا في تدميرها لولا نخرها من الداخل، يقودنا إلى طرح السؤال الهام: ترى لو كان الذين استمرأوا التفريط الشنيع في قيمة الوطن في ايامنا يعرفون شيئا عن تاريخه المثقل بالحضارات العظيمة المتعاقبة على مر آلاف السنين، وعن عبقرية بناة هذه الحضارات التي ورثها جيلنا الحاضر ليمارس بعضه العداء غير المحدود لها، اما كان يفترض بشعبهم، أن يلجم شهواتهم الذاتية المرضية ولا يسمح لهم ولا لأي كان بالانتقاص من قيمة هذا التاريخ الحضاري والانحطاط عن مستواه الرفيع، وبالاحرى، عدم المواظبة على البناء عليه والارتقاء، بدلا من إزالة إمكانية استمراره حاضرا ومستقبلا؟
صفحة د. عارف دليلة