كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ذكريات اتحادية (عن زيارة اتحاد الكتّاب لبشار الأسد عام 2000)

جمانة طه

تزامن العام 2000 بوصول بشار الأسد إلى سدة الرئاسة مع انتخابات اتحاد الكتاب العرب لمجلس الاتحاد ومكتبه التنفيذي. وذات يوم ونحن في جلسة للمكتب التنفيذي قال رئيس الاتحاد علي عقلة عرسان: "بعد أيام سيكون لنا لقاء مع رئيس الجمهورية، وهذه لفته كريمة من سيادته برغم مشاغله الكثيرة". وقتذاك عرفت أن مثل هذا اللقاء لأعضاء المكاتب التنفيذية في الاتحادات والنقابات مع رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية عادة معمول بها. ترافق الخبر مع استمزاج الآراء والأفكار التي يمكن طرحها ومناقشتها مع الرئيس، كما ترافق بإقناع رئيس الاتحاد "بصعوبة" أن يطلب تأمين سيارات لأعضاء المكتب أسوة بباقي النقابات والاتحادات في سورية.
رحب الرئيس بنا، وأعرب عن امتنانه للشعب السوري لأنه تعامل مع انتقال الرئاسة إليه بهدوء ومحبة، وأشار إلى أنه سيعمل على استقرار الوطن وتحسين الوضع الاقتصادي للشعب وتوفير الأمان والحرية. كان أول سؤال توجه له يتعلق بموقف سورية في عهده حول المسألة الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، فقال: لا شيء تغير في هذه القضية ولن يتغير، بالرغم من أنهم يحاولون معي للتنازل عن ثوابتنا ظنًا منهم أنهم ينجحون بذلك لأني شاب صغير. وعند سؤاله عما جرى بملف الفساد الذي كان مسؤولا عنه، قال: العمل به مستمر وإن كان غير معلن. وفي السجن أعداد من الفاسدين ستوقع عليهم أحكام وفق أفعالهم. وأيضا جرى الحديث حول تأمين حرية الكلمة والرأي، وكانت كل إجاباته تحمل التفاؤل. وأنا وبسبب هوسي بالتنظيم والنظافة، قلت له: كلنا هنا لسنا دمشقيين، وعندما أتـينا من مدننا المختلفة بهدف الدراسة في الجامعة كانت دمشق لؤلؤة بنظافتها وجمالها وأناقة أهلها، لكنها مع التكاثر السكاني وغياب الرقابة عمت الفوضى وانتشرت النفايات في الشوارع الرئيسية والحارات وأمام المحلات. وأرجو من سيادتك الإيعاز بما يلزم حول ذلك. وأريد أن أشير أيضًا إلى وضع الأرصفة السيء وعدم تمكن المواطن من الاستمرار بالمشي عليها خمس دقائق متواصلة إما بسبب الحفر، أو المحارس الخشبية "الكولابات"، أو تحويلها من قبل حراس المسؤول إلى مقهى لشرب الشاي والمتة. فقال: معك حق بشأن الكولابات وقد أعطيت أمرا بإزالتها "طبعا لم تزل بل تطورت إلى غرف صغيرة مصنوعة من الألمنيوم ولها نوافذ زجاجية"، أما بشأن الحفر في الأرصفة فأرى أنك تبالغين وقد يكون ذلك بحسب المكان الذي تسكنين فيه!! إجابته كرئيس للبلاد أذهلتني، ولم أستطع أن أقول: يقع منزلي في شارع من أحسن مناطق دمشق.
...
قبيل انتهاء المقابلة أشار رئيس الاتحاد "بشيء من الارتباك" إلى حاجة أعضاء المكتب إلى سيارات، أجاب بشار: لا يوجد لدينا سيارات كافية ولكن يمكن منحكم أربع نمر لأربع سيارات. قلنا لا جدوى من هذا الحل، فأماكن سكننا متباعدة. ومرة أخرى أذهلني سيادته بتفضله كرمًا علينا. رد عليه الزميل ميخائيل عيد: سأعلق النمرة فوق باب بيتي فأنا لا أملك ثمن سيارة، وقال الزميل قاسم المقداد: وأنا أيضًا ليس لدي قدرة على تكاليف سيارة. "مؤخرًا أظهرت الثورة منذ أيام وجود 1300 سيارة له في كراجاته".
ولا أرى بأسًا من أن أفصح عن شك ساورني وقتها بأن هذه الواقعة الهزلية هي من تدبير رئيس الاتحاد وبالاتفاق مع صديقه "أبو سليم" رئيس المكتب الرئاسي. لأنه كان لا يحتمل أن يصبح الأعضاء بغنى عن سؤاله توصيلة بسيارة الاتحاد، ونادية خوست التي يهمه أمرها لديها سيارة، وبثينة شعبان ابنة القصر لديها سيارات. في المحصلة أخذتُ نمرة ابتاع ابني لها سيارة من السوق الحرة، ومثلي فعل الزملاء عبد القادر الحصني ووليد مشوح وعبد الكريم ناصيف.
قبيل انتهاء المقابلة طلب مني وليد مشوح أن أسأل الرئيس صورة له معنا. ومما لا يخطر على البال أن ينكر رئيس الاتحاد الصور التي وصلته من وكالة سانا، وبالتالي لم نرها. من أجل المصداقية قدم الاتحاد لنا 150 ليترًا من البنزين شهريًا، وعندما عرفت بثينة شعبان بذلك طالبت الاتحاد بحصتها من البونات عن سنة كاملة، صدقوا أو لا تصدقوا!  
طبق الأصل