كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المدارس الفكرية الأربع للسياسة الخارجية الأمريكية 2 من2

لؤي سلمان

أسّست المدارس الأربع، التي تمّ استعراضها في الجزء الأول، لمرجعيةٍ ديناميكيةٍ دائمة ميّزت السياسة الخارجية الأمريكية، وأتاحت لأي إدارة اختيار المقاربة الأنسب وفق الظروف الدولية وخرائط المصالح المرتبطة بالأمن القومي الأمريكي. وقد ألبس ذلك السياسةَ الخارجية الأمريكية لبوساً براغماتيّاً قلّ نظيره في المجتمع الدولي الذي نعيش تحت مظلته.
بعد الحربين العالميتين، ظهرت الحاجة إلى مقارباتٍ جديدة ضمن الإطار العام لما عُرف لاحقًا بـ«المدرسة الواقعية»، التي أتاحت للإدارة الأمريكية أن تنتقي من المدارس الكلاسيكية ما تشاء، وأن تُعدّل أو تُضيف بحسب الظرف والحاجة. وعليه ظهرت أفكار ومقاربات جديدة حملت تسميات مختلفة، من أبرزها:
1- نظرية الاحتواء التقليدي (Traditional Containment):
صاغ هذه النظرية الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان في مقاله الشهير عام 1947، والذي عرض فيه رؤيته للسياسة الأمريكية خلال الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفييتي.
تستند نظرية الاحتواء التقليدي إلى منع توسّع الخصم جغرافيًا وأيديولوجيًا، لا سيما في أوروبا الغربية، من دون غزو موسكو أو محاولة إسقاط النظام مباشرة. ويتم ذلك عبر بناء تحالفات استراتيجية للردع العسكري ومنع التوسع (مثل حلف شمال الأطلسي)، واعتماد الصبر الاستراتيجي طويل المدى، مع قبول وجود الخصم،
ولكن في حالة حصار وتقييد.
الاحتواء التقليدي: هاملتونيّ البنية، مع مزجٍ خفيف من الخطاب الويلسوني.
2- الاحتواء الشامل (Comprehensive Containment):
يأتي الاحتواء الشامل تطويرًا للاحتواء التقليدي، بحيث يتم توظيف جميع الأدوات المتاحة لمحاصرة الخصم في مختلف المجالات: العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والتكنولوجية، والإعلامية، والثقافية.
وتمكّن هذه المقاربة الولايات المتحدة من فرض عقوبات اقتصادية واسعة، وفرض عزلة دبلوماسية، وممارسة الضغط في المؤسسات الدولية، وتحجيم نفوذ الخصم في سلاسل الإمداد والتكنولوجيا.
وخير مثال على ذلك: السياسة الأمريكية تجاه الصين، خصوصًا في المجال التقني، وشبكات المواصلات التجارية، إضافة إلى بناء التحالفات في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ.
هاملتوني اقتصاديًا، وجاكسوني شرس وحاد.
3- نظرية الاحتواء المزدوج (Dual Containment):
وهي، باختصار، التعامل مع خطرين متوازيين في الوقت ذاته، عوضًا عن دعم طرفٍ ضد طرف.
أسّس لها وأعلنها الدبلوماسي مارتن إنديك في شباط/فبراير 1994، في ندوة لمجلس سياسة الشرق الأوسط، حين كان مديرًا لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي. وقد أُقرّت هذه السياسة في سياق رسم سياسة الرئيس بيل كلينتون تجاه الخليج.
هي سياسة مشتقة من مفهوم الاحتواء في الحرب الباردة، ولكن تجاه خصمين إقليميين معًا (إيران والعراق).
العراق: الإبقاء على العقوبات، وفرض مناطق حظر طيران، والتهديد الدائم لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لنظام صدام حسين.
إيران: فرض عقوبات اقتصادية، وعزل دبلوماسي دولي، والحد من قدرتها على التسلح، والإبقاء على قواعد أمريكية في دول الخليج.
وقد تعرّضت هذه النظرية لانتقادات بسبب تناقضها المنطقي وكلفتها العالية، إذ تطلبت وجودًا عسكريًا مكثفًا في منطقة الخليج.
4- الصدمة والرعب (Shock and Awe):
بعد تعثر سياسة الاحتواء المزدوج، برزت نظرية «الصدمة والرعب»، وهي عقيدة عسكرية تقوم على إحداث شللٍ نفسي ومعنوي لدى العدو عبر استخدام قوة نارية ساحقة، بما يُقنعه بعدم جدوى المقاومة، فتنهار إرادته وتنظيمه.
صيغت هذه النظرية بصورتها الحديثة في كتاب «الصدمة والرعب: إحراز السيطرة الساحقة» الصادر عام 1996، الذي وضعه المنظّران العسكريان الأمريكيان هارلان ك. أولمان وجيمس ب. ويد، ضمن إطار مفهوم «الهيمنة السريعة».
طُوّرت الفكرة داخل أوساط جامعة الدفاع القومي في الولايات المتحدة، باعتبارها تصورًا جديدًا لكيفية استخدام التفوق التكنولوجي والمعلوماتي للجيش الأمريكي لتحقيق حسمٍ سريع في الحروب، عبر تحطيم وعي العدو في الميدان، لا مجرد تدمير قواته ماديًا.
أشهر مثال على تطبيقها: غزو العراق عام 2003.
وتُعدّ هذه النظرية نموذجًا محدّثًا لبعض ما جرى في اليابان خلال الحرب العالمية الثانية.
5- الدبلوماسية المكوكية لهنري كيسنجر:
تندرج هذه السياسة ضمن إطار الواقعية والواقعية الجديدة، وتعتمد مقاربة كيسنجر على مبدأ توازن القوى وتعظيم المصلحة الأمريكية، عبر صفقات مرحلية وإدارة الصراعات بدل حلّها جذريًا.
ومن أبرز أمثلتها:
مفاوضات فك الاشتباك بين مصر وإسرائيل.
مفاوضات فك الاشتباك بين سورية وإسرائيل.
لؤي خليل سلمان
مركز أرواد للأبحاث – الدراسات السياسية في شرق المتوسط
أوهايو – الولايات المتحدة الأمريكية 
د. عبد الله حنا: برنامج الحزب الشيوعي السوري 1931 يدعُو إلى الوحدة العربية
مروان حبش: حكاية الشريط الأخضر أو الحزام العربي
د. عبد الله حنا: إرهاصات الحركة الشيوعية في بلاد الشام ومأزقها
د. عبد الله حنا: الحزب العربي الاشتراكي المناهض للإقطاعية ومؤسسه أكرم الحوراني
مروان حبش: حول اللجنة العسكرية قبل خمسين عاماً
د. عبد الله حنا: محمد مبارك والتيار الإسلامي الوطني العروبي
مصطفى السباعي واشتراكية الإسلام
هل تَزامن الحراك في لبنان والعراق مجرد صدفة؟
مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين
الإخوان المسلمون في سورية
الإخوان المسلمون وسلفيتهم.. النشوء في مصر والحاضنة في سورية
فاتح جاموس: موقفنا الشامل من حلقة شمال شرق سوريا...
د. عبد الله حنا: الحزب السوري القومي الاجتماعي 1932 وزعيمه انطون سعادة
علي سليمان يونس: في بعض جرائم الأخوان ومحاولتهم الانقلابية
كيسنجر يقول عن أنور السادات إنه أغبى رئيس عربي