كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المقدّم عسّان جديد في ذكرى استشهاده

علاء الدين تلجبيني

 متل اليوم في 19 شباط/ فبراير 1957، وفي ظل حالة من التجاذبات السياسية التي كانت تمر بها سوريا، اغتيل في بيروت المقدم المسرّح من الجيش غسان جديد، الذي كان يشغل منصب عميد الدفاع في الحزب السوري القومي الاجتماعي.
يقول سامي جمعة (أحد ضباط المكتب الثاني في عهد عبد الحميد السراج) في كتابه أوراق من دفتر الوطن:
«في أواخر كانون الثاني 1957 أقام عزت شعث (فدائي فلسطيني) بسطة لبيع المكانس قرب مطابع الحزب السوري القومي الاجتماعي في منطقة رأس بيروت، في محيط شارع بلس، التي كان يتردد عليها غسان جديد. واستمر يتظاهر ببيع المكانس أسبوعين حتى ألف سكان المنطقة تواجده.
في التاسع عشر من شباط، وهو اليوم المحدد للقيام بعملية اغتيال غسان جديد، كانت سيارة بداخلها شخصان تقف على بعد خمسين مترًا من بسطة المكانس، معدّة لتهريب عزت شعث فور تنفيذه العملية.
حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر وصل غسان جديد قاصدًا مطبعة الحزب، فما كان من شعث إلا أن أطلق عليه النار من رشاشه السيموبال التشيكي، فأصابه باثنتي عشرة طلقة. وعوضًا عن الهروب باتجاه الشرق حيث تقف السيارة المخصصة لإخلائه من موقع العملية، اتجه شعث غربًا وهو يطلق النار باتجاه مطارديه، ومن بينهم بعض رجال الشرطة ومرافق جديد المدعو عزيز ديوب. وبعد أن لجأ إلى أحد الأبنية تبادل شعث إطلاق النار مع قوة من الشرطة حاصرت المبنى، وأصيب خلال ذلك بجرح بليغ. وتمكن رجال الأمن من إلقاء القبض عليه، وخلال اقتياده هاجمه عزيز ديوب وأطلق النار عليه فأرداه قتيلًا».
يضيف جمعة أن عملية عزيز ديوب قدّمت للشعبة الثانية السورية خدمة لا تُقدَّر بثمن، إذ إن موت شعث مكّنها من نفي أي علاقة لها بالحادث عند اتهامها بتدبيره، وادّعت أن القاتل مطلوب في سوريا لأنه قومي سوري، وأن الحادث كان نتيجة صراع بين تيارين متصارعين داخل الحزب السوري القومي.
اعتُقل عزيز ديوب من قبل الأمن اللبناني على إثر إطلاقه النار على القاتل عزت شعث، وأودع سجن الرمل في بيروت، وبقي في السجن حوالي ستة أشهر، خرج بعدها بريئًا بحجة أنه أطلق النار على جثة هامدة («جثة عزت شعث»). وكان قد تولى الدفاع عنه لدى المحكمة كلٌّ من المحاميين عبد الله قبرصي ومصطفى عبد الساتر، وهما من قادة الحزب السوري القومي.
أما عن غسان جديد، فهو عميد الدفاع في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان قد صدر بحقه حكم بالإعدام سنة 1955 في قضية اغتيال العقيد عدنان المالكي، التي جاءت بعد ثمانية أيام من تسريح المقدمين غسان جديد وزميله سليمان نصر من صفوف الجيش. وكان كل من المالكي وشوكت شقير وراء تسريحه. ويُقال إن سبب تسريح جديد يعود إلى خلافات بين الضباط داخل المؤسسة العسكرية.
غادر غسان جديد دمشق نحو بيروت عقب اغتيال المالكي، في وقت كانت البلاد تغلي والمكتب الثاني يعمل على اعتقال أعضاء الحزب القومي السوري وكل من له صلة بالحزب على نحو عنيف.
في سنة 1957 اتُّهم غسان جديد مع أديب الشيشكلي وسياسيين آخرين بالتآمر لقلب نظام الحكم في دمشق.
كانت سوريا في تلك الفترة تعاني من بروز التيار اليساري، مع عجز رئيس الجمهورية شكري القوتلي عن إقصاء الجيش عن السياسة وفصل السياسة عن الجيش. ولم يتمكن من تفادي وقوع انقلاب جديد إلا عبر الخضوع لليساريين وللجيش وللنفوذ الخارجي الذي تمارسه مصر والسعودية. وفي الوقت نفسه عجز حزب الشعب والحزب الوطني عن تنظيم صفوفهما كممثلين للتيار المحافظ، وضعفت التوجهات المحافظة بسبب صفقة السلاح التي عقدتها مصر مع تشيكوسلوفاكيا، ما دفع القوى اليسارية إلى الضغط نحو تحقيق تقارب مصري–سوري وتشكيل قيادة عسكرية سورية– مصرية موحدة.
فأصبح القوتلي وحكومته أداة بيد عبد الناصر، وأصبح التيار المحافظ في سوريا يرى أنه لا جدوى من السباحة عكس التيار. وكان المال السعودي والنفوذ المصري يهيمنان على سوريا، ولا يجرؤ أحد على مخالفة هذا الاتجاه. واعتمد الأمن الداخلي في سوريا بصورة أساسية على الجيش الذي أضعف الحكم المدني.
وكان الجيش ينقسم إلى خمس مجموعات رئيسية:
مجموعة حزب البعث
مجموعة الشيوعيين
مجموعة الشيشكليين
المجموعة المؤيدة للعراق
مجموعة الحزب السوري القومي
جاء اغتيال العقيد عدنان المالكي في نيسان 1955، وهو من أبرز ضباط الجيش، وتم اتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي، فاجتُثّت من الجيش مجموعة الحزب بقيادة المقدم غسان جديد. وضمن هذه الأجواء حصل الاستقطاب بين كتلتين كبيرتين في الجيش: الكتلة الاشتراكية والكتلة التحريرية (ضباط الشيشكلي). واحتدم الصراع بين هاتين الكتلتين في أواسط الخمسينيات، ما أدى إلى انشطار داخلي مكشوف في الجيش السوري، في سياق تفكك النخب السياسية والاجتماعية السورية. وقد دفعت هشاشة الوضع الديمقراطي في سوريا، وانقسام نخبها العسكرية والسياسية، والتدخلات والتهديدات الخارجية المستمرة، إلى التنازل عن الحياة الديمقراطية والحزبية والتوجه نحو الوحدة مع مصر.
شيّع الآلاف من مناصري الحزب غسان جديد في بيروت، وساروا خلف جثمانه من مستشفى الجامعة الأمريكية في رأس بيروت إلى مقبرة الباشورة. حيث أوردت مجلة صباح الخير المصرية الصادرة آنذاك: «رفض مفتي الجمهورية اللبنانية إقامة الصلاة على جثمان غسان جديد في الجامع». كما صدرت الصحف والمجلات اللبنانية في اليوم الثاني للتشييع وهي تحمل عناوين من قبيل: «50 ألف شيّعوا غسان جديد – المسجد لم يُقفل والصلاة تمت».
شكّل اغتيال جديد، رجل الحزب القوي، ضربة قاصمة للحزب السوري القومي الاجتماعي، واستمرارًا لحلقة تصفية الحزب من الحياة السياسية، لحساب بروز حزب البعث العربي الاشتراكي على الساحة السورية، وترسيخًا لمنطق الإقصاء الجسدي كأداة للصراع السياسي في سوريا.
مصادر:
- سورية الدولة والهوية: قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري (1946-1963)" تأليف خلود الزغيّر
- أوراق من دفتر الوطن لـ"سامي جمعة"
-المقدم غسان جديد في مهب الريح.. تفاصيل - خفايا – آراء.. أدق التفاصيل عن جريمة الاغتيال(4 من 6) مقالة لشمس الدين العجلاني.
تعقيب من أُبي حسن: في تموز 2021، التقيت في بيروت مع أصدقاء من عائلة "حمية" وهي تاريخياً عائلة تنتسب الى الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومن لاينتسب منها إلى ذلك الحزب فهو يناصره ولو ضمنياً على الأقل، قال لي صديقي من تلك العائلة، وحرفياً: "كان الشهيد غسان جديد ينام معظم أيام تواجده في بيروت في منزل أهلي، وذات صباح من شهر شباط 1957، وربما كان صباح 17 أو 18 شباط ذلك العام، وفيما أهلي و(الشهيد) غسان يحتسون القهوة، إذ بإذاعة اسرائيل تعلن خبر اغتيال ومقتل غسان جديد في بيروت، فدهش جميع الحضور من الخبر!".
من التغيير في المؤسسات إلى التغيير بالمؤسسات
في ذكرى مغادرة القوات الفلسطينية للبنان
القصة شبه الكاملة لاغتيال اللواء محمد عمران
كوميديا المأساة.. لقاء السجين مع السجان
مزارعو الحقد والحوراني وجهاً لوجه
استعادة.. بمناسبة صدور الجزء الأول من مذكراته عبد الحليم خدّام حين اتهمَنَا.. بالعَمَالة!
حين تضيق الحياة.. حكايات من سجن المزة
عام 1965م بذور الخلاف بين القيادتين القومية والقطرية للبعث في سوريا
الذكرى الثالثة والثلاثون لرحيل الشهيد اللواء صلاح جديد
بعض ما كتبه اللواء صلاح جديد وهو في سجنه عن الوحدة العراقية السورية، ننشره في ذكرى استشهاده
أيام الزنزانة "السيلول رقم 3".. حُكمٌ بالموت البطيء
صلاح جديد.. في ذكرى وفاته
سقوط تل الزعتر في الذكرى الخمسين لسقوطه
محضر لقاء قصير بين " صلاح جديد" والسفير السوفييتي "نور الدين محيي الدينوف"
السياسةُ الأمنيةُ عقيمةٌ في وظائفها، وكارثيةٌ في نتائجها