مزارعو الحقد والحوراني وجهاً لوجه
2026.08.30
الحموي قيصر
خلال زيارتي القصيرة جداً لمدينتي حماة والتي انتهت اليوم أردتُ توديعها كما يليق بعاشقٍ أن يودع معشوقته الأبدية. سرتُ في شوارعها باكرا وجلستُ مع البعض من أهلها ولا حديث في حماة اليوم إلا عن (مزارعي الحقد) وهم يشنون جولة جديدة من نشر الحقد والضغينة في أرجاء المدينة.
الحدث الأبرز اليوم هو حلقة تلفزيونية لقناة الجزيرة باسم (صالون الجمهورية) يقدمها ابن حماة الإعلامي أحمد فاخوري وستكون إحدى ضيوف الحلقة الدكتورة فداء حوراني. وهنا بدأ مزارعو الحقد في الشارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي جولتهم الجديدة في التشهير برجلٍ مات وامرأةٍ ما زالت تعيش تحت وطأة مجتمع ذكوري يخاف من مجرد ذكر أسمائهما. وطبعاً تصدّر هذه المعركة أبناء مزارعي الحقد أنفسهم الذين يدّعون الآن بعد التحرير الالتزام الكامل بالسلطة وهو الدور الذي خبروه منذ بداياتهم وتربيتهم وتسمينهم في زمن الخلافة العثمانية مروراً بالإدارة العسكرية للانتداب الفرنسي وصولاً إلى التزامهم الكامل مع نظام الأسدين. والغريب في الأمر هو ثقتهم بأن قصصهم التي تم تأليفها في الشوارع والمنزولات الحموية ستبقى أقوى من ذاكرة السوريين والحمويين وأقوى من الكتب المؤرخة لسورية. نعم لقد استنفروا اليوم للدفاع عن كرامتهم الموهومة وخوفهم الدائم من الرجل المتوفى وابنته. ولكن وللتاريخ سأترك لكم بعض المحطات لتذكيرهم بحاضرهم وتاريخهم:
1-بعد التحرير في 08.12.2024 كان إنجازاتهم هي مهاجمة كل ما يمت لأكرم الحوراني بصلة بشكل دوري.
وتشكيل فصيل مسلح عسكري عند بداية أحداث الساحل لدعم حملة (لبت لبت) من شباب وزعران تلك العوائل والتباهي بذلك علناً على وسائل التواصل الاجتماعي.
و للصدفة وأثناء زيارتي منذ أيام شاهدتُ على صفحات حماة في فيسبوك حملةً على آخر وفد حموي اجتمع مع بشار الأسد يتهمونهم فيها بأنهم (شبيحة الأسد) وما لفت نظري أن نحو نصف الوفد وتلك الأسماء مع الصور يعود إلى تلك العوائل بالتحديد (مزارعي الحقد).
وهذا بالفعل ما يثبت أن الأسدين بقدر ما كان الحوراني خصماً كبيراً لهما بقدر ما كانت تلك العوائل عوناً وسنداً للنظام بدءاً من أول زيارة لحافظ الأسد إلى حماة عام 1972.
وهناك من يتحدث حتى عن تآمرهم (بصفقة) على جماعة الإخوان المسلمين (الطليعة المقاتلة) بعد أن سلموا قائد الطليعة مروان حديد الذي بقي ملاحقاً لفترة طويلة من قبل (نظام) حافظ الأسد ليتم القبض عليه في منزل بدمشق وللصدفة فإن مالك الشقة (شهم البرازي) التي أُعتقل فيها. رغم ان رواية الشربجي في كتابه (على ثرى دمشق) اتهم المخبر مصطفى جيرو بالوشاية.
2-أما في عهد الانتداب الفرنسي فما يحدث اليوم ليس سوى امتداد لماضيهم وحسبنا هنا ما جاء حرفياً في كتاب ومذكرات فوزي القاوقجي عن الثورة السورية الكبرى وعما حدث في حماة مع الثوار بعد محاصرة منزل القائد والمستشار الفرنسي حيث يروي حادثة رفع العلم الأبيض قائلاً:
وفجأة رفع المستشار الفرنسي العلم الأبيض على دار المستشارية وكَفَّت القوات الفرنسية عن إطلاق النار. وبينما كنتُ أستعد مع رجالي لاقتحام المقر وإلقاء القبض على المستشار وضباطه فوجئتُ بظهور نجيب آغا البرازي ومعه جماعة من رجاله الذين لم يشتركوا في القتال مطلقاً منذ بداية الحركة. وتَقَدَّم نجيب آغا باتجاه دار المستشارية فظننتُ في البداية أنه متوجه لاستلام المستشار والأسرى واستكمال السيطرة على المقر. لكن ما حدث كان غير ذلك تماماً إذ دخل نجيب آغا إلى المقر واجتمع بالمستشار الفرنسي وتم الاتفاق بينهما على التهدئة. ثم خرج نجيب آغا البرازي وبدأ يدعو الأهالي والوجهاء لاتخاذ موقف محايد والاتصال بالسكان للتوقف عن الاشتراك في الثورة وإلقاء السلاح بحجة حماية المدينة من القصف الجوي والدمار.
وختاماً وطوال رحلة عودتي في الطائرة وأنا أراقب السحاب يتلاشى خلف النافذة ظل سؤال واحد يعتصر ذهني:
كيف لأحفاد مزارعي الحقد الذين برع أجدادهم في رفع أعلام التهدئة بوجه الفرنسيين أن تتبخر الحكمة من وجدانهم فجأة؟ لماذا لم يخرج من بينهم حكيم واحد ينادي في شباب الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين في حماة آنذاك بذات الحجة القديمة قائلاً:
«ألقوا السلاح وحافظوا على المدينة من الدمار والخراب»؟
أم أن حرصهم على سلامة حماة وتجنيبها الدمار لا يحضر إلا أمام الفرنسيين لحماية مصالحهم، بينما يختفي تماماً عندما تكون المدينة على موعد مع بطش الأسد؟»