رسائل مقتضبة عن حرب العام 1967
2026.06.04
نصر شمالي
تقديرا مني لأهميتها، أعيد في هذا اليوم (5-6) نشر هذه الرسائل المقتضبة الأربع عن حرب العام 1967..
الرسالة الأولى:
خلافا لما هو شائع وعاطفي، من كلام غير موضوعي (ولا نقول أكثر) تدفق وما زال يتدفق كالسيول الجارفة متناولا هزيمة العرب في "حرب الأيام الستة" على أنها، ببساطة، فقط مجرد "عار العرب" المهزومين دائما وأبدا، لا أكثر ولا أقل، ننشر هنا، بالمقابل، هذا الكلام الموضوعي تماما، وغير العاطفي نهائيا، والذي تستدعيه منطقيا كل قراءة جادة ومسؤولة لذلك الحادث العالمي التاريخي الهائل:
- "لقد زرعت بذور حرب العام 1967 في نتائج حرب السويس عام 1956، حيث كانت حرب 1967 حرب الولايات المتحدة وليس حرب "إسرائيل"، فبتاريخ 3 آذار/مارس 1957 بعث الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور بكتاب يقرر فيه قائلا: "إن مضائق تيران سوف تكون ممرات دولية"! وبدوره، وضع جون فوستر دالاس وزير الخارجية ملاحظاته التي قال فيها: "إن الولايات المتحدة تعتبر كل تبديل في الأمر الواقع في مضائق تيران عما هو عليه بعد حرب 1956 تهديدا للسلام ويستوجب الحرب"! وبعد أن عادت القوات المصرية إلى المضائق في أيار/مايو 1967 اعتبرت عودتها إلى أرض هي لها عدواناً! وأعلن الرئيس الأميركي ليندون جونسون أنه يعتبر عودة القوات المصرية عدواناً! قال جونسون: "نحن قلقون من انسحاب قوة الطوارىء الدولية من غزة ومن سيناء، وأود أن أضيف أن إغلاق خليج العقبة في وجه السفن الإسرائيلية أعطى للأزمة بعدآ جديداً وخطيراً، والولايات المتحدة تعتبر الخليج طريقاً للمرور الدولي، وقرار إغلاقه في وجه الإسرائيليين غير مشروع، ويمكن أن يؤدي إلى موقف يهدد السلام"! وهكذا تكون واشنطن هي من أعلن الحرب.
الرسالة الثانية:
صارت واشنطن سيدة إمبراطورية السويس بعد حرب عام 1967! فهي، في الخمسينيات، حلت محل بريطانيا في المنطقة العربية التي ازدادت أهميتها أكثر بكثير.. ولكي تتحقق السيادة على المنطقة بشكل جيد كان لا بد من السيطرة على قبرص، وعلى شواطىء البحر الأحمر، وعلى مضيق باب المندب، وعلى سوقطرة وحضرموت، وحتى على جزر كوريا موريا اليمنية على الأقل! لماذا؟ لأن كل قوة طامعة تستطيع انتزاع قناة السويس من البريطانيين كان لا بد لها من أن تصبح سيدة لإمبراطورية السويس طالما بقيت حريصة أن لا تفلت القناة من يدها، وهذا الهدف هو الذي دفع واشنطن إلى وضع مخططات اقتضى تنفيذها أن تكون لها علنآ رقابة على قبرص، وعلى المنشآت العسكرية الإسرائيلية، وأن يكون لها موطىء قدم عسكري في السعودية، وفي الحبشة، وأن تحاول باستماتة إخضاع مصر والسودان واليمن والصومال، وجميع تلك البلدان التي كانت تابعة لبريطانيا ولغير بريطانيا! وفي هذا السياق.. نشبت حرب عام 1967، حيث أصبحت واشنطن سيدة إمبراطورية السويس!
الرسالة الثالثة:
ما هي ميادين حرب عام 1967؟
لم يكن ميدان حرب 1967 هو تلك الرقعة من الأرض التي دارت فوقها المعارك، فقد شمل ميدان الحرب شمال أفريقيا، ومالطة، واليونان، وتركيا، وإيران، وشبه الجزيرة العربية، والبحر الأحمر! لقد شنت الولايات المتحدة حرب العام 1967 ووضعت في حسابها جميع الوسائل لتربحها بسرعة! وقد لاحظ الملحقون العسكريون الغربيون وسواهم أن قاعدتي "ويليس" و"العدم" الأميركيتين في ليبيا قد نشطتا نشاطاً محموماً طيلة الأسابيع التي سبقت نشوب الحرب.. وكذلك كان الحال في القاعدة الأميركية في أسمرة التي كانت مجهزة بواحدة من أعظم محطات الاتصالات اللاسلكية في العالم، وكانت واسطة الاتصال بين واشنطن وقيادة جيوشها في الهند الصينية، ومن هذه القاعدة تلقت الطائرات الحربية الإسرائيلية/ الأميركية إشارات الاستطلاع قبل أن تنطلق لأداء مهماتها.. وأيضا، كان للمطارات العسكرية في إيران وتركيا واليونان، المرتبطة باتفاقات تسمح باستخدامها، دورها في حرب 1967، يضاف إليها القاعدة الجوية الأميركية الكبرى في الظهران! وكذلك فإن الأسطول الأميركي السادس كان في حالة تأهب قصوى، وقد راح يجول في عرض البحر، متخذاً من قبرص ومن كريت ومن الموانىء التركية نقاط استناد! وكان إسهام الأسطول السادس في الأعمال الحربية ملحوظاً، بل كان المراقبون يملكون وثائق مخزية حول تحركاته!
الرسالة الرابعة:
لقد نشبت الحرب، وانتهت بتوقف إطلاق النار، وأغلق الأميركيون قناة السويس بأدواتهم الإسرائيلية، فمن خسر ومن ربح؟ منذ أغلقت القناة حرمت مئات الموانىء الأوروبية، وغير الأوروبية، من شريانها الحيوي.. وأصبح الإغلاق في يد واشنطن ورقة رابحة في المفاوضات مع أوروبا والروس، لتحقيق انصياع أوروبا أكثر لسياساتها الدولية، وأيضا لكبح جماح الروس! أما إسرائيل، التي كانت تطالب بالسماح لها بالمرور في القناة، فقد صارت تتمنى أن تظل القناة معطلة إلى ما لا نهاية! والحال أن سفن الولايات المتحدة ليست بحاجة كحاجة غيرها من الدول لقناة السويس، كطريق بحري، لكنها بحاجة إليها كسلاح للضغط الدبلوماسي.. فمن مجموع 20635 سفينة عبرت قناة السويس عام 1956 كانت منها 789 سفينة روسية، و1125 سفينة فرنسية، أما عن السفن البريطانية التي توقفت والخسائر البريطانية التي تحققت فقد بلغت أكثر من عشرين مليون جنيه إسترليني في الشهر الواحد، حتى أن لندن اضطرت لتخفيض قيمة نقدها، وبات مركزها المالي الدولي مهددآ في العام 1968! وأما عن خسائر مصر بسبب إغلاق القناة فهي خسائر، على أهميتها الكبرى بالنسبة لمصر، لا تستحق الذكر قياسآ بخسائر الدول الأوروبية! وأما إسرائيل فقد أسكرها انتصارها السهل ضد العرب، الذي أهدته لها واشنطن، وأوصلها إلى حالة من العربدة وفقدان التوازن، وذلك كان بفضل عملية حربية هي في حقيقتها فصل من حرب عالمية، لكن واشنطن أرادت إظهارها على أنها مجرد حرب إقليمية محدودة الأطراف ومحدودة الأسباب والأهداف وتقتصر على العرب والإسرائيليين فقط! فحسنت بذلك موقع إسرائيل الإقليمي وأضعفت موقع العرب إلى أبعد وأسوأ الحدود!
----
دمشق - والمرجع الأهم هو كتاب "مفاتيح الحرب" للمفكر/المؤرخ الفرنسي الديغولي بيير روسيه.