حرب حزيران.. هزيمة في أيام ستة
2026.06.06
علاء الدين تلجبيني
يقول رئيس جهاز الاستخبارات المصري اللواء أمين هويدي في كتابه من أسرار وخبايا حرب 1967:
"يظن البعض أن حرب 1967 بدأت في الساعة الثامنة والدقيقة الخمسين من يوم 5 حزيران (يونيو) 1967، وأنها انتهت بعد ستة أيام، أو ربما ست ساعات على بدئها.
وهذا في واقع الحال تبسيط للأمور. كانت هذه الحرب أحد توابع زلزال ثورة يوليو (تموز) 1952 في مصر، وسبقتها حروب باردة وساخنة على ساحة الصراع العربي - الإسرائيلي، وما زالت توابعها تنفجر حتى الآن في صورة أزمات متتابعة تتباين أشكالها ودوافعها بتغير الظروف والأحوال. كانت بداية الحرب إذاً قبل ذلك اليوم المشؤوم بمدة طويلة، أما نهايتها فلم تتحدد بعد، ولا يعرف أحد متى ولا كيف تكون."
متل اليوم في 5 حزيران/ يونيو 1967
أقلعت الموجة الأولى من الطائرات الإسرائيلية حوالي الساعة 7:45 صباحاً بتوقيت المنطقة، ووصلت إلى أهدافها في المطارات المصرية بعد ذلك بدقائق، حوالي الساعة 8:00 صباحاً. استهدفت الطائرات، وبعنف، القواعد الجوية المصرية بشكل أساسي في الضربة الأولى. وانقشع الغبار عن 25 غارة استهدفت قواعد غرب القاهرة وفايد وأبو صوير. لقد دُمِّرت أربع مطارات في سيناء ومطاران في مصر تدميراً كاملاً، كما قُطع كابل الاتصالات الذي يربط القوات في سيناء بالقيادة العليا المصرية. أما الضرر الأكبر فحلّ بسلاح الجو ذاته، إذ دُمِّرت 203 طائرات على أرض المطار خلال نصف ساعة.
يصف الطيار المصري هاشم مصطفى حسن، الذي كان في بئر التمادا، مشهد الموجة الأولى:
"بعد ثلاثين ثانية من الهجوم الأول وصلت موجة ثانية من الطائرات، فركضنا في الصحراء نبحث عن غطاء، لكن الطائرات لم تطلق علينا النار، بل حامت فوق رؤوسنا. دهش طياروها عندما رأوا القاعدة وقد دُمِّرت كلياً، فلم يبق أمامهم أي هدف، وكنا نحن الهدف الوحيد المتبقي."
فقدت القيادة المصرية أعصابها وتوازنها نتيجة هذه الضربات الخاطفة، وأصبح الجيش المصري في وضع ضعيف بسبب فقدانه الغطاء الجوي، ما ترك القوات البرية مكشوفة في الصحراء دون أي غطاء جوي، وهو ما جعل المشير عبد الحكيم عامر يأمر تلك القوات البرية بالانسحاب.
يُذكر بأنه في صباح الهجوم صدر قرار بإيقاف تشغيل الدفاع الجوي عن سماء مصر كلها، لأن المشير عبد الحكيم عامر كان سيطير للاجتماع بقادة الجيش على الجبهة. وبينما كانت طائرة المشير في الجو، في طريقها إلى الاجتماع المقرر مسبقاً، بدأ الهجوم الجوي الإسرائيلي، وهو ما شل حركة المضادات الأرضية، إذ إن البطاريات المصرية المضادة للطيران وعددها مائة، ومواقع صواريخ سام-2 المضادة للطيران والبالغ عددها 27، لم تتلقَّ أي أوامر بإطلاق النيران.
يقول صدقي محمود عن طائرة المشير عامر التي كانت في السماء:
"كانت تطير في غابة من النفاثات الإسرائيلية"
أحاطت الطائرات الاسرائيلية بطائرة المشير عامر، التي لم تستطع الهبوط مطلقاً، إذ أخذت تحوم من مطار محترق إلى مطار محترق آخر لمدة تسعين دقيقة تقريباً قبل أن تتمكن من الهبوط في مطار القاهرة الدولي
يقول مايكل أورن في كتاب ستة أيام من الحرب: حزيران 1967 وصناعة شرق أوسط جديد:
"بدت نتائج الضربة الأولى خيالية ولا تُصدق."كتب موشيه دايان بعدها:
"حجر واحد فقط، لكنه ذو وزن مميت، خرج من القلب."
مع ذلك ظل ذلك الحجر في قلوب الجمهور الإسرائيلي، إذ كان ينبغي إبقاء مدى النجاح الذي أحرزه سلاح الجو الإسرائيلي سراً أطول زمن ممكن، لتأخير فرض الأمم المتحدة وقفاً لإطلاق النار ريثما تكون الدبابات الإسرائيلية قد توغلت في سيناء.
في الثامنة والربع أصدر موشيه دايان كلمة السر "الملاءة الحمراء"، وكانت الحرب البرية على وشك الحدوث.
وصلت الموجة الثانية من المقاتلات إلى أهدافها في 14 قاعدة، نصفها تقريباً غربي القناة، وجميع مواقع الرادارات المصرية. نفذ سلاح الجو 164 غارة في أكثر من مائة دقيقة، ودمر 107 طائرات مصرية أخرى، وخسر تسع طائرات. فقد دمر 286 طائرة من ترسانة الطائرات المصرية البالغ عددها 420 طائرة، منها 30 طائرة توبوليف-16، و20 من طراز ميغ-19، و75 من طراز ميغ-17، و32 طائرة نقل وحوامات، وقُتل حوالي ثلث طياريها. وعُطلت 13 قاعدة عن العمل، ودُمرت 23 محطة رادار ومواقع مضادة للطائرات.
نقل مراسل صحيفة لوموند الفرنسية في الشرق الأوسط قائلاً:
"كانت الشوارع في القاهرة تغص بالمتظاهرين، وكانت المدافع المضادة للطيران تطلق نيرانها. قُطعت جميع خطوط الهواتف، وكان المصدر الوحيد للأخبار بيان الحكومة الذي كان يتغنى بالانتصارات، وترد الجماهير بحماس: ستسقط إسرائيل، والإذاعة تبث الأغاني الوطنية، تقاطعها نداءات حماسية: إن اللقاء قريباً في تل أبيب."
لم تكن القيادة الأردنية على علم بالكارثة التي لحقت بالجبهة المصرية، وكان جيشها بقيادة الفريق المصري عبد المنعم رياض قد تسلم برقية من المشير عامر يدعي فيها أن الجيش المصري يقاتل في طريقه إلى صحراء النقب، ففتح الأردن جبهته بأسلحة خفيفة ومدفعية قصيرة المدى، وقامت طائرات أردنية بقصف مواقع إسرائيلية. وما إن عادت هذه الطائرات للتزود بالوقود حتى تم تدميرها، وبعد 15 دقيقة تصدت سوريا للطائرات الإسرائيلية فوق الأردن، يعاونها سرب عراقي، وكانت النتيجة خسارة معظم الأسطول الجوي السوري في المعركة.
يقول أحد الباحثين الروس:
"لماذا بقيت الطائرات الحربية المصرية بدون حماية؟! علماً أن السياسيين ووسائل الإعلام العربية كانوا يتحدثون عن الانتصار على إسرائيل، وأن المسألة هي في التوقيت فقط."
ويضيف:
"إن أغلب أفراد الجيش المصري كانوا من الفلاحين الأميين، أما الضباط فقد تحولوا إلى طبقة بيروقراطية برجوازية، إضافة إلى عدم المسؤولية وقلة الموهبة لدى المشير عبد الحكيم عامر والمجموعة المحيطة به، مقارنة بالمستوى العالي من عمل المخابرات الإسرائيلية."
ويشير إلى أن الجنرال دايان اعترف بأن 50% من نجاح إسرائيل في الحرب يعود إلى المخابرات الإسرائيلية.
ويرى أن جمال عبد الناصر اتهم الطيارين الأميركيين والإنجليز بتدمير الطائرات المصرية لكي يحفظ ماء الوجه. وأخفت القاهرة عن موسكو في اليوم الأول للحرب حقيقة الخسائر، لكن المقدم الطيار الأميركي بو لارسون اعترف بوصول 192 طياراً أميركياً في حزيران/ يونيو 1967 إلى إسرائيل على هيئة سائحين.
يقول جمال عبد الناصر في إحدى اجتماعاته بمجلس الوزراء بعد الحرب:
"الحقيقة من ضمن أسباب الهزيمة أن القيادات العسكرية ما كانتش مصدقة إن اليهود هيهجموا... وعاملين حفلة للطيارين سهرانين فيها لغاية الساعة 4 الصبح."
كانت الجبهة السورية هادئة، يقطع صمتها أصداء المعارك التي كانت تدور على الجبهة الأردنية، غير أن ذلك الصمت لم يلبث أن تحول إلى صوت هدير صاخب مع تقدم القوات الإسرائيلية صباح السادس من حزيران إلى مرتفعات الجولان.
بعد تحييد سلاح الجو المصري والسوري والأردني والعراقي، ركزت القوات الإسرائيلية الهجوم على الجبهة المصرية ثم الجبهة الأردنية، مع تركيز الدفاع النشط على الجبهة السورية، وتوجيه الضربات النارية بالمدفعية والطيران إلى مواقع الجيش السوري في الجولان لمنع تنفيذ أي هجوم من الجانب السوري، على الرغم من أنه لم يكن لدى القوات السورية أي خطة للهجوم سوى شن هجمات على المستوطنات الإسرائيلية.
في الثامن من حزيران وصل الجنود الإسرائيليون إلى ضفة قناة السويس، وكانت معظم المدرعات والآليات العسكرية المصرية مدمرة، وآلاف الجنود المصريين بين قتيل وجريح.
وفي ذلك اليوم هاجمت إسرائيل سفينة أميركية قبالة سواحل سيناء، وقتلت 34 أميركياً وجرحت 170، وادعت أن الهجوم تم بالخطأ.
في التاسع من حزيران، وعلى الجبهة المصرية، حدثت مجازر ضد بعض الجنود المنسحبين في سيناء، خاصة على طريق العريش.
في مساء اليوم ذاته فاجأ الرئيس المصري جمال عبد الناصر الشعب المصري والعالم العربي بإعلان استقالته من رئاسة الجمهورية، في خطاب تاريخي بثه التلفزيون المصري.
هزم عبد الناصر.. هزمت مصر..
كانت نتائج حرب حزيران قاسية جداً على الجبهة المصرية عسكرياً وسياسياً. أنهت عصراً من الدعاية الشعبوية التي طغى فيها الحماس على مرارة الواقع. تعرض المشروع القومي العربي لصدمة قاسية، وخسرت مصر شبه جزيرة سيناء، وتدمر سلاح الجو، وأُغلقت قناة السويس، وتراجعت هيبة الجيوش العربية، وانكشفت عوراتها أمام شعوبها. بالمقابل، تعززت مكانة إسرائيل.
المصادر:
حرب حزيران/ يونيو 1967: مسارات الحرب وتداعياتها – مجموعة من المؤلفين.
حرب حزيران 1967: قراءة في الوثائق السوفيتية – صادر عن مركز حرمون للدراسات.
محضر اجتماع رئاسة الوزراء المصري – 20 تموز 1967.
أمين هويدي: أضواء على نكسة 67.
مايكل أورن: ستة أيام من الحرب: حزيران 1967 وصناعة شرق أوسط جديد.
********
صورة نشرتها مجلة آخر ساعة المصرية بعد إستقالة جمال عبد الناصر عشية هزيمة حزيران 1967. في ملامح جمال عبد الناصر تبدو مرارة الهزيمة واضحة، كتب الكاتب الشهير يوسف السباعي معلقا على صورة ناصر مقالة عنوانها:
"ليست لليأس والحزن... وإنما للأمل والعمل."
بذل الإعلام المصري جهدا كبيرا بعد النكسة لإظهار عبد الناصر بصورة القائد الذي تلقى الضربة لكنه ما زال قادراً على النهوض، وهو ما ساهم لاحقاً في موجة التأييد الشعبي التي أعقبَت إعلانه الاستقالة.
أما عن يوسف السباعي
كان السباعي وزيراً للثقافة ورئيساً لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام، وصاحب نتاج أدبي غني، من أشهر أعماله رواية رد قلبي التي صوّرت انتصار ثورة تموز/ يوليو 1952 من منظور اجتماعي وطبقي.