كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حين تضيق الحياة.. حكايات من سجن المزة

مروان حبش

بعد اطلاقي، وفي العام 1995 زارتني فيرجينيا. ن. شيري الناشطة في الـ "هيومان رايتس ووتش" وسألتني عن شعوري في المعتقل فأجبتها: الأمس مضى بسرعة، واليوم طويل جداً، والغد بعيد جداً، والرتابة القاتلة هي الصفة الجامعة، وتابعتُ: المعتقل في ظروف اعتقالنا، يعني أنه لا يستطيع رؤية السماء حينما يريد.
وأتممتُ بما أجاب به ابن سينا غلامه حين سأله: متى سيُفرج عنَّا؟ وكان ابن شمس الدولة سلطان همذان قد سجنهما في قلعة فردجان لعدة أشهر
يقيني في الدخول كما تراه..... وكل الشك في أمر الخروج
لم نكن نعرف لبقائنا أمداً، ولا لعودتنا للحرية موعداً، كانت أعمارنا ترحل، وترحل معها آمالنا وأحلامنا، كان الموت والحياة يتراقصان خلف قضبان المعتقل، وكما يرحل النور نحو الليل كان العمر يرحل نحو الموت.
كانت الحياة تغادرنا في صمت والموت يمدُّ يده ليقطف من يريد، وبعد ثلاثة وعشرين عاماً من الاعتقال، اختطف الموت ثلاثة من رفاقنا الدكتور نور الدين الأتاسي – محمد رباح الطويل – اللواء صلاح جديد).
من مقالتي "ما يقارب ربع قرن في المعتقل"
.............................
ليست الذاكرة في المعتقل مجرد استعادة لأحداث مضت، بل هي محاولة لاسترداد حياةٍ كاملة حاولت الجدرانُ أن تبتلعها. سنوات طويلة قضيتها معتقلاً مع رفاقي في سجن المزة العسكري، بعد انقلاب حافظ الأسد. حيث امتد الاعتقال قرابة ربع قرن، وغاب الموعد المعلوم للحرية، وتحول الزمن نفسه إلى جزء من العقوبة.
من نافذة صغيرة، ومن عشّ يمامة، ومن نجمة بعيدة في السماء، ومن قارورة نبيذ مخبأة خلف الصناديق، ومن معركة مع الجرذان ......، كنَّا نصنع لأنفسنا فسحة صغيرة للحياة. لم تكن تلك التفاصيل هامشية في عالمنا؛ فقد كانت، في واقع العزلة والقهر، أشكالاً من مقاومة الفناء والرتابة، ومحاولات للحفاظ على الإنسان فينا، وعلى القدرة على الفرح والتأمل والضحك، ولو في أكثر الظروف قسوة.
أستعيدُ هذه الحكايات بذاكرة لا تخلو من الألم، لكنها لا تستسلم له. ففي الحديث عن السماء والنجوم، وعن اليمامة وفراخها، وعن احتفال رأس السنة، وعن صناعة النبيذ الساذجة، وحتى عن معارك الجرذان، يتداخل الخاص بالعام، والإنساني بالسياسي، والسجن بالحياة. ويصبح كل تفصيل صغير شاهداً على زمن طويل كان فيه الموت قريباً، والحرية بعيدة، والعمر يمضي خلف القضبان.
إنها حكايات رجالٍ لم يستطيعوا اختيار زمن خروجهم من السجن، لكنهم استطاعوا، رغم ذلك، أن يختاروا كيف يعيشون يومهم داخله؛ فصنعوا من القليل الكثير، ومن العزلة رفقة، ومن السماء نافذة، ومن الذكريات وطناً مؤقتاً، ومن التفاصيل الصغيرة معنىً للبقاء.
- السماء التي كانت لنا
كانت هواية رصد الكواكب وأقمارها والنجوم ومواقعها، في الليالي الصافية، إحدى الوسائل التي نستعين بها لتمضية وقت «التنفس الليلي». وكان الرفيق مصطفى رستم، طال عمره، أكثرنا خبرة بهذا العالم البعيد.
كنا نراقب عمر القمر منذ خروجه من المحاق حتى اكتمال بدره، ثم نتابع رحلته العكسية عائداً إلى المحاق. وكان الجدل يشتد بيننا في شهري رمضان وذي الحجة، ولا سيما بين أولئك الذين كانوا يعدّون أنفسهم أكثر خبرة في الفلك، فيختلفون في عمر القمر، وكأن مصائرنا قد أصبحت معلقة بقرصه الفضي.
أما المراقبة اليومية فكانت في الغالب لكوكب الزهرة، "نجمة الصبح والمساء"، ولمواقعه في السماء. وكنا نرقب المريخ، "الكوكب الأحمر"، كلما تكبّد السماء، مرة كل عدة سنوات، ونشهد اقترانه بالزهرة والمشتري. كما شهدنا أكثر من مرة خسوف القمر وكسوف الشمس، وسمعنا عن مذنب هالي، وحاولنا أن نحدد مواقع الدبّين والثريا وسهيل ونجم القطب.
وكان نجم القطب أكثر من مجرد نجم في سمائنا؛ كان دليلاً لنا على معرفة الجهة الصحيحة التي يقع فيها المعتقل. وحين كنا نرفع أبصارنا إليه، كنا نعرف أن وراء الجدران جهةً ما، وأن العالم ما زال يمتد في الاتجاهات الأربعة، حتى لو ضاقت علينا الأرض.
ثم يسرح النظر، وينطلق الخيال بعيداً، فنبحر في درب اللبانة، أو "التبانة" كما كنا نسميها، ونترك وراءنا، ولو للحظات، سقف المعتقل وجدرانه وأسلاكه، ونقيم في سماء لا يستطيع السجان أن يغلقها.
- اليمامة
وفي هذا المكان أيضاً، كنا نراقب من النوافذ الصغيرة اليمام، أو «الستيتة» كما كنا نسميها، وهي تبني من القش أعشاشاً متواضعة، بسيطة، لا تكاد تصمد أمام الرياح العاتية، على أغصان أشجار الصنوبر التي كانت تشمخ إلى ارتفاع يتجاوز الطابق الثاني الذي كنا نقيم فيه.
كنا نراقب اليمام، فتأخذنا الذاكرة بعيداً عن الجدران، إلى شعر أبي فراس الحمداني في أسره، ولا سيما قصيدته التي مطلعها:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة..............أيا جارتا هل تشعرين بحالي
وكان اليمام يبدو في أوقات كثيرة فرحاً بعد تفريخ البيض. وغالباً ما كانت الأنثى تضع بيضتين، ثم يتضاعف فرحها حين تبدأ بإطعام فراخها التي لم يكن قد نبت على أجسادها زغب بعد. كانت الأم تجني الحبوب، ثم تعود بها إلى العش مرات عدة في اليوم.
وكنا نطيل التأمل في مشهد التلقيم؛ تدخل الأم منقارها في منقار فرخها، وتبدأ، في تؤدة وصبر، بإدخال الحبوب إلى فمه، ثم تنتقل إلى الفرخ الآخر، وكأنها تؤدي طقساً أزلياً للحياة، لا تعرف السجون ولا الجدران ولا السجانين.
وظل الحال على ذلك أعواماً طويلة، إلى أن جاء ذلك اليوم العاصف، بأمطاره الرعدية الغزيرة، التي انهمرت ساعات مديدة بلا انقطاع.
وفي الصباح، حاولت الأم أن تطعم فراخها. راحت بمنقارها تحرك مناقيرهم الصغيرة، مرة بعد مرة، لكن دون جدوى. كان كل شيء قد انتهى.
كانت اليمامة طليقة، ومع ذلك كانت حزينة. ولعل الحرية، في تلك اللحظة، لم تكن تكفي لتعويضها عن فراخها. رأيناها واقفة عند العش، كأنها لا تصدق ما حدث، وكأن قلباً صغيراً قد انكسر داخل صدرها.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد "جارتي" إلى بناء عش لها على أغصان تلك الشجرة.
- احتفال المحزونين
بعد أن فُتحت أبواب الغرف المغلقة، وتم «لمّ شمل» جميع أعضاء القيادة في «الغرف»، جاءت ليلة رأس السنة عام 1975. أردنا أن نحتفل بها، لكن على طريقتنا؛ "احتفال المحزونين".
كان المرحوم الدكتور يوسف، أبو جابر، بارعاً في الماكياج والتنكر. وفاجأنا ذاك المساء بأن حضر إلى مكان الاحتفال، أي «المطبخ»، وبرفقته رجل غريب الهيئة: رأسه معمم بعمامة، ويرتدي عباءة سميكة مغلقة أشبه بـ«البرنس المغربي»، وله شارب وسكسوكة. قدّمه لنا على أنه أحد زعماء "الطُوارق"
استقبلناه بالتصفيق، وراح "الضيف" يخطب بنا بلهجة فيها لكنة، وتبادلنا معه بعض الأحاديث. كان "ضيفنا" المرحوم الرفيق حديثي مراد، وهكذا شاء أبو جابر أن يكون.
ثم بدأ السمر، وتناولت الأيدي كؤوساً من نبيذ كنا قد صنعناه محلياً. ولئن كان لا بد من تسمية ذلك الشراب نبيذاً، فقد كان نبيذاً مشبعاً برائحة الكبريت وطعمه، ويمكن لكل واحد منا أن يسميه ما شاء، إلا أن ننكر عليه شرف المحاولة.
وحين اشتد السمر، بدأ السامر، "أبو علي حديثي"، يطربنا بأبيات من العتابا من دون "الميجانا". ومن أبرز ما أنشد:
غالوف "قال أوف": يا جمل جابوك عالمزة وناخوك...
ثم أتبعها:
غالوف: والله لا دق صابر فوق صابر...
ولم يكن الطرب هو سيد الموقف، لكن نفاقنا "المحتفلين" كان كبيراً، فرحنا نطري صوت السامر ونشيد بعذوبته، وكأننا جميعاً اتفقنا على أن نمنح تلك الليلة شيئاً من الفرح، ولو بالكذب على أنفسنا.
بعد منتصف الليل، بدأ مجلس السمر ينفض. انصرف بعض السمار إلى أسرتهم، بينما بقي آخرون "يدردشون" ويحتسون الشراب حتى مطلع الفجر.
لكن الخمرة كانت قد أربكت الجهاز الهضمي لبعض الرفاق، فما لبثوا أن هرولوا من أسرتهم نحو المغاسل، ليقذفوا من أجوافهم ما شربوه.
وهكذا انتهى احتفالنا برأس السنة: ضحكٌ متكلف، وشرابٌ رديء، وعتابا بلا ميجانا، ومعدةٌ متمردة، ورجال محزونون يحاولون أن ينتزعوا من السجن ليلةً واحدة تشبه الحياة.
- نبيذ خلف الصناديق
مع الأيام، تراكمت المعرفة والخبرة في صناعة النبيذ، كما تراكمت معرفتنا بالأواني الزجاجية التي تصلح للتخمير. ففي المحاولة الأولى، عصرنا عناقيد العنب من دون غسلها، وكانت مرشوشة بمادة الكبريت. لم نكن نعرف يومها نوع العنب الصالح، ولا نسبة السكر التي لا يتم التخمر من دونها.
سكبنا العصير في قوارير زجاجية وطنية وأخرى بلاستيكية، ثم أخفيناها خلف الصناديق البلاستيكية. وكنا نرصف تلك الصناديق فوق بعضها حتى تصبح أشبه برفوف نخزن فيها الأغذية والخضار والفواكه، فنحجب بها قواريرنا عن النور وعن عيون الحاجب، ذلك «الجندي السجين» الذي كان مطلوباً منه أن يرفع إلى السجان تقريراً يومياً بكل ما شاهده وسمعه.
كانت القوارير بالنسبة إلينا مشروعاً سرياً آخر، يحتاج إلى الحذر والصبر، تماماً كما تحتاج الحياة في المعتقل إلى ذلك كله.
وكثيراً ما كنا نسمع، في هدوء الليل، أو أثناء تناول طعام الغداء، انفجار إحدى القوارير، يتبعه تسرب محتواها إلى أرض المطبخ، حاملاً معه رائحة التخمر النفاذة.
عندها كنا نتجاهل ما حدث، وكأن شيئاً لم يقع. لا نقترب، ولا نسأل، ولا نعترف بالخسارة. ننتظر حتى يحين وقت انصراف الحاجب مساءً، وحين يغادر، نهرع إلى المطبخ لتفقد خسائرنا.
كان علينا، حتى في صناعة نبيذنا الساذج، أن نعيش بمنطق المعتقل: أن نخفي كل شيء، وأن نتظاهر بأن لا شيء يحدث، وأن نؤجل حتى أبسط شؤون حياتنا إلى اللحظة التي تبتعد فيها "عين" السجان.
- معركة الجرذ
في هذا المكان، في الغرف التي كانت مكان اعتقالنا "القيادة"، خضنا أكثر من معركة مع الجرذان التي كانت تغزو "مطبخنا"، متسللة إلينا من المجاري عبر مصرف المغسلة. جرذان سجن المزة لم تكن كغيرها من الجرذان؛ كانت تعرف المكان، وتحفظ مخارجه ومخابئه، وتبدو كأنها خبرت أساليب السجن وحيله.
لم ندّخر وسيلة في سبيل الخلاص منها، ولا استشارة من أصحاب الخبرة إلا أخذنا بها. جرّبنا الفخاخ؛ نجح أحدها في اصطياد جرذ مرة واحدة، ثم يبدو أن الخبرة انتقلت بين أفراد
"العصابة"، فأصبح الجرذ يلعب بالفخ حتى يطيّر الطعم من مكانه ويلتهمه، وكأنه يسخر من محاولاتنا. أما اللاصق، فقد أثبت أنه يصلح للفئران، وربما يصلح للجرذان أيضاً، لكنه لم يكن يصلح لجرذان سجن المزة، تلك التي كانت القطط نفسها تفرّ أمامها بكل ما أوتيت من سرعة. وجربنا الشعير المسموم، فلم يجدِ نفعاً.
وكانت آخر الاستشارات أن نخلط حبات من الرز ببودرة الجبصين. وكنا نستعمل الماء الغالي لإخراج الجرذ من الزوايا التي يختبئ فيها، فإذا ظهرت "طلائع الغزاة" استُنفر أصحاب النخوة من الرفاق، وتسلحنا بالمكانس ومساحات الشطف، وحاصرنا العدو من كل الجهات، لنمنعه من التسلل إلى غرف النوم، لأن في ذلك مصيبة كبيرة.
كان لا بد من الانتصار، وكنا، في كل مرة، نحققه. وربما كان انتصارنا على الجرذان، في تلك الأيام، يشبه انتصاراتنا الصغيرة الأخرى في المعتقل: انتصارات لا تغيّر شيئاً في مصيرنا، لكنها تمنحنا، ولو للحظات، إحساساً بأننا ما زلنا قادرين على أن نقول «لا» لشيء ما.
بعد سنوات الاعتقال الطويلة، تبدو هذه الحكايات أكثر من مجرد ذكريات عن أيام مضت؛ إنها شهادة على قدرة الإنسان على التشبث بالحياة حين تُسلب منه أبسط شروطها. ففي سجن المزة، حيث كان المستقبل مجهولاً، والماضي يزداد بعداً، والحاضر ثقيلاً ورتيباً، وجدنا في التفاصيل الصغيرة ما يعيننا على الاستمرار.
كان نجم القطب يفتح لنا طريقاً إلى العالم الذي حُجب عنَّا، بينما كانت السماء الواسعة تقول لنا إن هناك فضاءً لا يستطيع السجان إغلاقه. وكانت اليمامة تذكّرنا بأن الحرية لا تعني دائماً السعادة، وأن فقد الأحبة قد يجعل الطليق أسيراً للحزن. وأما الضحك، ولو كان متكلفاً، والاحتفال، ولو كان حزيناً، ومحاولات صناعة النبيذ، ومعارك الجرذان، فلم تكن مجرد تسليات عابرة؛ كانت أشكالاً صغيرة من استعادة الذات.
ولعل أعمق ما تكشفه هذه الذكريات أن السجن لا يستطيع، مهما طال، أن يحتكر حياة الإنسان كاملة. قد يصادر الحركة، ويمنع رؤية السماء، ويؤجل الأحلام، ويستهلك الأعمار، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يصادر الذاكرة والخيال والقدرة على خلق معنى من الأشياء البسيطة.
إن هذه الحكايات تأتي لتشهد على شيء آخر: أن الإنسان، حتى في أقسى العتمات، يستطيع أن يصنع لنفسه يوماً، ولو صغيراً، يشبه الحياة. وفي تلك القدرة على النظر إلى يمامة، أو قمر، أو نجمة، أو حتى جرذ يقتحم المطبخ، تكمن واحدة من أعمق صور مقاومة السجن: أن يبقى الإنسان إنساناً، وأن تستمر الحياة في داخله، رغم أن الأبواب مغلقة.
وفي السجن، لم تكن الأحداث الصغيرة صغيرة أبداً. كانت القارورة، والعش، والجرذ، واليمامة، والقمر، وحتى نجمة بعيدة في آخر السماء، تتحول جميعها إلى أحداث، لأن الحياة حين تضيق، يصبح لكل تفصيل منها وزن الحكاية.