كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في ذكرى مغادرة القوات الفلسطينية للبنان

في مثل هذه الساعة، قرابة العاشرة من صباح 31 أغسطس/آب 1982، كنت أقف على سطح الباخرة "شمس المتوسط"، أراقب شاطئ بيروت وهو يبتعد عن عينيّ رويدًا رويدًا، فيما كانت المدينة تقترب أكثر من القلب، حتى تكاد تستقر فيه إلى الأبد.
هذه الصورة ليست تذكارًا من رحلة بحرية، بل شاهدٌ على واحد من أثقل أيام العمر. خلفي بارجة أميركية تراقب خروجنا، وأمامي بحرٌ مفتوح على المجهول، وفي صدري حزن رجل جاء إلى بيروت مؤمنًا بأنه لن يغادرها إلا إلى فلسطين محررة، فإذا به يخرج منها مضطرًا، مع رفاق دربٍ جمعتهم الثورة وفرّقتهم المنافي.
كانت الباخرة تحمل عددًا من أبرز قادة الحركة الوطنية الفلسطينية: خليل الوزير "أبو جهاد"، وصلاح خلف "أبو إياد"، ونمر صالح "أبو صالح"، والعقيد سعيد موسى مراغة "أبو موسى"، واللواء سعد صايل "أبو الوليد"، وطلال ناجي، ومحمد عباس "أبو العباس"، وغيرهم ممن شكّلوا، في ذلك الزمن، العمود الفقري للثورة الفلسطينية. وكان على ظهرها أيضًا مناضلون عرب، والفنانة الكبيرة نادية لطفي، التي لم تكن يومًا بعيدة عن فلسطين ومقاومتها.
كنا ننظر إلى بيروت بصمت. لم يكن في القلب متسع للكلام. هناك، على الشاطئ الذي يتراجع أمامنا، تركنا شهداء وذكريات وبيوتًا وأصدقاء، وتركنا أيامًا عشناها تحت النار، لكننا عشناها مرفوعي الرأس. صمدنا، نعم؛ غير أن الإرادة الصهيونية المدعومة بالقوة الأميركية نجحت في إخراج المقاومة الفلسطينية من المدينة التي احتضنتها، وإبعاد الثورة عن أقرب ساحاتها إلى فلسطين.
كانت البارجة الأميركية الظاهرة خلفي في الصورة تختصر المشهد كله: مقاومون يغادرون مدينتهم محاطين بأساطيل القوى الكبرى، وكيان صهيوني لم يكن يخوض حربه وحده، وأمة عربية يتآكل فعلها بينما يظل أبناؤها يدفعون الثمن من دمهم وأعمارهم وأحلامهم.
لم أكن أتصور، وأنا في ذلك العمر، أن أربعة وأربعين عامًا ستمر، وأنني سأعود إلى هذه الصورة وقد غزا الشيب الرأس، وأثقلت السنون الجسد، ورحل كثيرون ممن كانوا معنا على ظهر الباخرة. استُشهد أبو جهاد وأبو إياد وأبو الوليد وأبو العباس، وغاب آخرون تباعًا، وبقيت وجوههم معلقة في ذاكرة ذلك الصباح؛ كأنها لم تغادر سطح "شمس المتوسط"، وكأن البحر لم يمض بنا بعيدًا.
كان محمود درويش يكتب في ذلك الجرح: "بيروت خيمتنا… بيروت نجمتنا". وكانت حقًا خيمتنا ونجمتنا؛ المدينة التي احتضنت أحلامنا، وضمّدت جراحنا، ثم ودّعتنا وهي تنزف.
واليوم، تمر الذكرى فيما يبدو الواقع الفلسطيني والعربي أكثر تراجعًا، والمشروع الصهيوأميركي أشد شراسة واتساعًا، وحلم الدولة الفلسطينية أبعد مما تخيلناه ونحن نغادر بيروت. لكن الحلم الذي دفع من أجله الآلاف حياتهم لا يسقط بالتقادم، ولا تلغيه هزيمة، ولا تدفنه موازين قوة مختلة.
لقد مضى من العمر أكثره، ولم يعد منه ما كان. وربما لن ترى عيوننا فلسطين كما حلمنا بها يومًا؛ حرة، مستقلة، وعاصمتها القدس. لكنني أرفض أن أورث أبنائي وأحفادي اليأس. سأترك لهم هذه الصورة، لا بوصفها صورة خروج، بل بوصفها شهادة على جيل حاول، وقاوم، وصمد، وأصاب وأخطأ، لكنه لم يساوم يومًا على أن فلسطين وطنٌ لا يموت.
لعل الأبناء والأحفاد يكملون ما عجزنا عن إتمامه، ولعلهم يعبرون هذا البحر يومًا في الاتجاه الآخر؛ لا مطاردين إلى المنافي، ولا محاطين بالبوارج الأميركية، بل عائدين إلى فلسطين التي انتظرت طويلًا أصحابها.
ابتعدت بيروت يومها عن أعيننا… لكن فلسطين لم تبتعد لحظةً عن القلب.
د. عبد الله حنا: دير الزور والدولة العربية في مذكرات ابنها ثابت العزاوي
قضية الجاسوس كوهين بين حبش و خوري
د. عبد الله حنا: من عوامل انهيار الدولة العربية الحديثة ، داخليا
د. عبد الله حنا: الأيام الأخيرة للدولة الفيصلية أو الدولة العربية الحديثة
د. عبد الله حنا: مفخرتا الدولة العربية السورية الحديثة العلمانية
مروان حبش: حزب البعث العربي النشأة والتكوين4
مروان حبش: نشأة وتكون حزب البعث العربي- ح2
مروان حبش: نشأة وتكون حزب البعث العربي- ح1
د. عبد الله حنا: الدولة العربية السورية الحديثة في ذكراها المئوية.. وعملية بنائها
د. عبد الله حنا: الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي- ح2
عدنان بدر حلو: مرحلة حكم المصارف.. أبعد من الانتخابات الفرنسية
د. عبد الله حنا: طبيعة الدولة العثمانية
د . بهجت سليمان: العقل النّظريّ والعقل العمليّ.. رأيٌ في فكر "الأزمة"، وفي حلّها العمليّ
حوار على "عودة لقصة القائد المؤسس للبعث"
مروان حبش: الحزب بعد حركة 23 شباط وحتى المؤتمر القومي التاسع