الرجل المعلق بين نسختين علي العجمي بين طرسوس وواسط وهالت - الجزء الأول
سيمون خالد علي
تنشر هذه الدراسة في جزأين لأن قصة علي العجمي تقوم على شبكة من الرجال والكتب والبلدان تمتد من الساحل السوري إلى حلب وطبرية وطرسوس وواسط. يبدأ هذا الجزء من السؤال الذي وصل إلى معلا ربيع سنة 1353 للهجرة، ثم يعود إلى القرن الرابع للهجرة ليتتبع أبا سعيد الطبراني وشيخه أبا الحسين الجلي ولغة النسب التعليمي، قبل أن يصل إلى الأسماء المتقاربة وإلى الرجل الطرسوسي الواسطي الذي يحمل أوضح سيرة مدنية باسم العجمي، وعند واسط وطرسوس تتضح الخلفية التي ستقود في الجزء الثاني إلى مصر وهالت وديوان المنتجب.
في سنة 1353 للهجرة، الموافق 1934 وأوائل 1935، وصلت إلى شيخ مسن في الساحل السوري اسمه معلى ربيع ورقة أسئلة أرسلها إليه رجل من قرية سلحب اسمه محمد إبراهيم. كان معلى قد جاوز الخمسين، وأمضى عمره في قراءة نصوص لم تطبع وفي الرد على مسائل ترده من القرى في مغلفات. وكان من بين ما سأله محمد إبراهيم سؤال دقيق وحاد إلى حد مدهش، سأله عن بني فضل وبني طرخان، ولماذا مدحهم الشاعر المنتجب العاني، وكان السائل يصفهم بأنهم هالتيون ويطلب بيان نسبهم.
أجاب معلى بأن شيعتهم في ذلك العهد كانوا يسكنون الأمصار وعالم السواد، لهم أضداد ويحبون التكتم، ولم يدونوا تاريخا يذكرون فيه رجالهم المشهورين ولا العائلات أصحاب السيادة خوفا من وقوع ذلك في أيدي الحكومة، وختم هذا الطرف من جوابه بأنه لم يقف من ذكرهم على أكثر من هذا. ثم انتقل من العائلتين إلى الرجل الذي نسبتا إليه، وكتب أن أبا نصر منصور ذكر في رسالة المنصفة أن أبا ذهيبة قال إن أبا سعيد هالتي، وأن في كتاب نسب التلاميذ ذكرا أن الشاب الثقة تلميذ علي العجمي، وعلي المذكور ينسب إلى هالت، وتفقه على يد أبي الحسين الجلي، وشهد له أبو الحسين أنه ثقة بعده، ولكثرة ما أخذ منه سماعا أسند إليه أكثر رواياته ومؤلفاته وصار أشهر تلاميذ أبي الحسين.
هذه الجملة هي أقدم موضع مؤرخ متاح يجمع في عبارة واحدة أبا سعيد وعلي العجمي وهالت، ومنها تبدأ الصورة المركبة للرجل. وهي تحيل إلى كتابين لم يصل أصلهما، وتنسب قولا إلى خصم مذهبي قديم، وتضع بين الشاب الثقة وبين هالت رجلا ثالثا، وبعد قوله وعلي المذكور ينسب إلى هالت تأتي أوصاف التفقه على أبي الحسين الجلي، وشهادته بالثقة، وكثرة السماع، وإسناد أكثر الروايات والمؤلفات، وهي أوصاف تطابق علاقة أبي سعيد بالجلي كما تحفظها نصوص أبي سعيد نفسها.
في كتاب آخر كتبه حسين ميهوب حرفوش، وسماه خير الصنيعة، وجمعه من مخطوطات أسرته قبل وفاته سنة 1959، تظهر الفكرة نفسها في موضعها الطبيعي، في ترجمة أبي سعيد الطبراني. يقول حرفوش أولا إن كتاب النسب الشريف يجعل أبا سعيد تلميذ الجلي وهو الرابع والثلاثون، ثم يضيف أنه ذكر في نسخة أخرى أن أبا سعيد كان تلميذ علي العجمي، ينسب إلى هالت، ولم يسمع إلا واحدا لا غير، ويربط حرفوش هذا الواحد بالسيد عيسى البانياسي تلميذ أبي سعيد.
ولأن الاسمين اللذين يحيط بهما الغموض، هالت وعلي العجمي، يقعان على طرفي رجل ثالث معروف تماما، فالبداية الصحيحة هي من المعروف، ومن هنا يجب الرجوع إلى القرن الرابع للهجرة لبناء الشخصيات والشبكات التي حملت هذه الجملة عبر عشرة قرون قبل أن تعود بها إلى معلى ربيع.
اللقب الشاب الثقة غريب، مركب من صفتين لا تجتمعان عادة، الشباب الذي يقلل الثقة عند أهل الرواية، والثقة التي تمنح بعد طول العمر، وتفسيره أن اللقب شهادة صادرة عن شيخ لتلميذه، بشهادة معلى ربيع نفسه إذ قال وشهد له أبو الحسين أنه ثقة بعده. وهوية صاحب اللقب ترد في صدر كتاب الرد على المرتد نفسه تعريفا بمؤلفه، تصنيف الشاب الثقة أبي سعيد ميمون بن القاسم الطبراني. وفي هداية المسترشد وسراج الموحد لأبي صالح الديلمي تأتي الترجمة صريحة، ومن المؤمنين الأجلاء في الدين وقدوة العارفين ثقة الدين وسراج الموحدين الشاب الثقة أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني، ثم يصفه الديلمي بأن له في التوحيد كتبا ومصنفات وأشعارا أنيقات، ولو جمع شعره لصار ديوانا كبيرا، وسيرته معروفة بخطوطها العريضة، ولد سنة 969 تقريبا، ونسبته إلى طبرية، وتوفي سنة 1035، وبينهما حياة طويلة موزعة بين داخل الشام وساحله. وشيخه المعلن في كل نصوصه هو أبو الحسين محمد بن علي الجلي، الرجل الذي جعله الخصيبي خليفته في حلب ومات نحو سنة 1009.
وتتوزع مجالس أبي سعيد مع الجلي بين بيروت وطبرية وطرابلس وحلب. ففي خبر بيروت يسمي أبو سعيد الجلي سيدي وموالي وشيخي وموالي، أما طرابلس الشام فالنص يقول صراحة إن المجلس كان لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، أي سنة 1008 للميلاد، وتؤيد ذلك فهارس المخطوطات التي تذكر تحديث أبي سعيد بمجموع الأعياد في طرابلس سنة 398 للهجرة. وفي طبرية سنة 391 للهجرة، الموافق 1001، يروي أبو سعيد عن أبي مالك الحسن بن علي الجلي، أخي أبي الحسين، ثم تأتي حلب سنة 1009، وفيها أنشد الجلي تلميذه ديوان الخصيبي. وتضع هذه التواريخ نشاط أبي سعيد الموثق في الشام عند مطلع القرن الحادي عشر، وتفصله زمنيا عن الرجال الذين انتهت حياتهم في سبعينيات القرن الرابع للهجرة. وفي أواخر عمره انتقل أبو سعيد إلى اللاذقية، وبانتقاله انتقل ثقل الجماعة من داخل الشام إلى الساحل الشمالي.
ومصنفاته كثيرة، منها كتاب المعارف وتحفة لكل عارف، ومجموع الأعياد، وكتاب الدلائل في معرفة المسائل، والرد على المرتد ويسمى أيضا الرسالة النجحية، والرسالة المنصفة في حقيقة المعرفة، وكتاب الحاوي في معرفة الفتاوى، وفي مقدمة الحاوي يصرح بأنه جمع المسائل مما سمعه من سيدي وموالي الشيخ الثقة أبي الحسين محمد بن علي الجلي، فيصير الكتاب سجلا لصوت الشيخ في فم التلميذ. وخصومته المشهورة كانت مع إسماعيل بن خلاد البعلبكي المعروف بأبي ذهيبة، رأس الجماعة الإسحاقية في زمنه، تلميذ إسحاق الأحمر وخليفته. وكتب أبو ذهيبة كتبا كثيرة، الفحص والبحث، والكشف والتبيين وإثبات الحجة، والرسالة القاهرة، والرسالة الحرانية، وردا على رجل يسمى ابن كشكة. وفي مقدمة الرد على المرتد يشكو أبو سعيد من أن خصمه صنع رسالة يطعن فيها عليه ويهجن قول شيخه أبي الحسين. وبلغت الخصومة حد التعيير الشخصي، فكان أبو ذهيبة يعير أبا سعيد بأنه ميمون البشكار نسبة إلى عمل مرتبط بصنع الخبز، ويرد عليه أبو سعيد بأن خصمه كان يتولى عملا إداريا وماليا وشرطيا. ورد على أبي ذهيبة أيضا أبو نصر منصور بن أبي الحسين محمد بن علي الجلي، ابن الشيخ نفسه، في رسالة سماها المنتصفة وما فيها من حقائق المعرفة، يخاطب فيها خصمه يا ابن ذهيبة، ويتهمه بأنه يحاول أن يجعل الخصيبي إسحاقيا ويرده إلى أصله فيسميه أحمري الأصل.
وهذه الخصومة جزء كبير منها حرب على الأنساب التعليمية. ففي الفصل الحادي والعشرين من الرد على المرتد يرد أبو سعيد نسب أبي ذهيبة إلى إسحاق الأحمر وينفي عنه نسب الخصيبي، وتأتي في هذا الموضع القاعدة التي تتكرر من لم تثبت أبوته لم تصح أخوته. فالطرفان يستعملان إعادة تصنيف النسب التعليمي سلاحا، وفي هذا المسار كان وصف أبي سعيد بالهالتي لقبا جدليا يرده به خصمه إلى خط تعليمي غير الخط الذي يعلنه، ومن هنا تفهم مفارقة جملة معلى ربيع، أبو سعيد تلميذ الجلي بشهادة نصوصه، وفي نسخة من سجل المشيخة يظهر تلميذا لعلي العجمي.
والجواب موجود في كتب أبي سعيد نفسها. مصرحا به في نصوصها ، تعريف مباشر في كتاب الدلائل في معرفة المسائل، الولد هو التلميذ والوالد هو المعلم، ثم يأتي لفظ الجد مرتبة تعليمية أعلى، أي شيخ الشيخ، وتربط صحة الأبوة بصحة طريق تلقي العلم، ويعضد هذا الشرح النظري المفصل في الحاوي، إذ يشرح الجلي فيه هذا النظام مسألة مسألة، الولد الحقيقي هو التلميذ، والسماع يشبه الولادة، والتفقه حولان وتنقص في بعض الحالات إلى سنة. وفيه الموضع الحاسم أن السيد والمعلم شخصان مختلفان عند الحاجة؛ فإذا كان السيد أميا أو عاجزا عن التعليم أذن لغيره أن يفقه التلميذ وينسبه إلى سيده. وفيه أن تصحيف الأسماء وتبديلها لا تجوز المسامحة فيه في الأبوة والأنساب، وأن النسب الحبل الموصول، وأن من صحت أبوته ثبتت أخوته، وأن على الجماعة إصلاح النسب ولو بالسفر أو بالمكاتبة إلى بلد آخر. ويزيد الحاوي هذا التفريق وضوحا، إذا فقد التلميذ سيده بعد الاتصال به وقبل بلوغ مرحلة التفقه طلب له سيد آخر يوصله ويكمل معه السماع، كما تسأل مسائل الكتاب صراحة عن استبدال السيد والانتساب إلى غيره. فالانتساب إلى مصطلح قائم داخل النظام، ولا يساوي آليا سمع من أو تفقه على أو كان تلميذا مباشرا له.
وبهذا النظام تجتمع الجملتان ، الرجل الواحد يجمع انتسابا إلى سيد، وتفقها على يد آخر، ورواية عن ثالث. وصيغة قديمة محفوظة في كتاب المجموع تصف هذا البناء بدقة، إذ يقول المؤمن عن نفسه، أشهد بأني نصيري الدين، جندبي الرأي، جنبلاني الطريقة، خصيبي المذهب، جلي المقال، ميموني الفقه؛ ست نسب في رجل واحد، وكل واحدة تشير إلى باب مختلف من التلقي. ومن هنا لا تتعارض تلمذة أبي سعيد للجلي مع ورود علي العجمي في فرع آخر من سجل المشيخة. ويقدم شاهد نسب التلاميذ وفروعه الأساس النصي الذي حفظ اسم علي العجمي وصلته بأبي سعيد وهالت.
ويضاف إلى هذا الجهاز الاصطلاحي شاهد آخر، كتاب المشيخة، الذي أعيد التعريف به في دراسة لبيلا تندلر كريغر في 2013 و2014 بعد أن كان يعد في الدراسات الغربية مفقودا منذ أكثر من مئة وخمسين سنة، وذكرت الدراسة العثور على نسختين متطابقتين منه. ولا يرد اسم علي العجمي في الفحص النصي المتاح لهذا الكتاب، بينما ترد في الطبعة المنشورة صيغة تذكر الخصيبي وشيخيه هالت والجنان. ويشرح ذلك وصف هالت بأنه عم الخصيبي داخل شجرة الأبوة العلمية نفسها، هالت أخ للجنان في الدين، والجنان شيخ الخصيبي، فيكون هالت أخا لسيده لا عما له من الدم. كما يجعل قولهم ينسب إلى هالت وصفا لموقع في شجرة الانتساب.
ولفهم النسبة التي تدور عليها القصة، يجب النظر إلى كلمة العجمي نفسها. ففي مادة منسوبة إلى أبي سعيد يرد للمؤمن عدد من الأسماء الرمزية على وجه التأويل، منها المؤمن عجمي لأنه عجم عن الباطل، إلى جانب فارسي وكردي ورومي وغيرها بتفسيرات من الجنس نفسه، فتؤدي الكلمة وظيفة اصطلاحية ، وفي الاستعمال الخارجي للقرن الرابع ينقل ابن العديم عن كتاب مفقود في سيرة سيف الدولة قول المتنبي لابن خالويه، فإنك عجمي وأصلك خوزي، فتدل الكلمة على الأصل غير العربي. وهي كذلك نسبة متكررة في أكثر من بيئة، في واسط ابن العجمي، وفي الكتب شاريك العجمي وإينال العجمي وشار بابك الأعجمي، وفي حلب أبو الحسن العجمي البزاز، وفي طرسوس قبل قرنين ابن العجمي النيسابوري. ولهذا لا تعمل النسبة وحدها دليلا على اتحاد شخصيتين، وإنما تكتسب قيمتها حين تجتمع بالاسم والزمن والمكان والوظيفة.
حلب عرفت في زمن سيف الدولة تجمعا ديلميا مستقرا حتى حملت محلة فيها اسم درب الديلم، واستولى دزبر بن أونيم الديلمي على أنطاكية ثم حلب سنة 966 قبل أن يهزمه سيف الدولة. واستمر الحضور الديلمي في زمن أبي سعيد نفسه داخل العالم الفاطمي، ومن رجاله أبو الحسن علي بن منصور الديلمي الذي وصفه الثعالبي بأنه ديلمي الأصل عراقي المنشأ شامي الوطن. وعلى الجانب الكردي يذكر ياقوت أبا الحجر المؤمل بن المصبح الكردي الذي تولى أفامية نحو أربعين سنة قبل أحداث سنة 903، وبقيت أسرته حتى سنة 1031 حين أسكن شبل الدولة نصر بن مرداس حامية من الأكراد في الموقع الذي صار يعرف بحصن الأكراد. أما القزلباش فهويتهم متأخرة إلى أواخر القرن الخامس عشر، أي بعد زمن هذه القصة بخمسة قرون. وتكشف هذه الخريطة أن وصف العجمي كان طبيعيا في بيئة تختلط فيها أصول إيرانية وديلمية وتركية وكردية وعراقية وشامية، فلا تكفي النسبة وحدها لتعيين رجل بعينه من غير الاسم والزمن والمكان والوظيفة وصلته بالشبكة التعليمية.
وقبل الانتقال إلى الرجال الذين يحملون أسماء قريبة من صاحب القصة، يجب ترتيب الأسماء التي يسهل الخلط بينها. فأولها أبو الحسن علي بن عبد الله الطرسوسي الصوفي، سكن بخارى وتوفي بها سنة 992، وهو رجل موثق جيدا عند السمعاني. ويشترك مع الواسطي في علي وابن عبد الله وأبي الحسن والطرسوسي، لكن التاريخ يفصل بينهما فصلا قاطعا، البخاري مات سنة 992، والواسطي كان يجيز بواسط سنة 1038، فهما رجلان. ثم علي بن الحسن بن القاسم بن عبد الله بن المترفق، أبو الحسن الصوفي، المتوفى سنة 1016، نزل طرسوس وحدث بدمشق ومصر، وطريقه دمشقي مصري. ثم أبو الحسن علي بن زيد بن عبد الله الطرسوسي الفرضي، المتوفى سنة 876، وعلي بن عبد الملك الطرسوسي، الفقيه الأديب المتوفى سنة 994. وفي حلب يظهر أبو الحسن علي بن عبيد الله بن أحمد العجمي البزاز، الذي قال فيه أبياتا أبو سعيد العطاردي في زمن ابن خالويه، وهو شاهد آخر على شيوع تركيب أبي الحسن والعجمي في القرن العاشر.
ثم تأتي مجموعة من الرجال يحملون الاسم علي بن أحمد، ولكل واحد منهم طريقه الخاص. هناك علي بن أحمد الطربائي المرتبط بطرباء قرب كربلاء في خبر يرويه الخصيبي بنفسه، وأبو القاسم علي بن أحمد الطبراني الذي يروي عنه أبو سعيد في مجموع الأعياد، وعلي بن أحمد الأنطاعي صاحب منزل طبرية في خبر عقبة الصاغة، وأبو القاسم علي بن أحمد الأنطاكي المعروف بالمجتبى الحاسب المهندس ببغداد المتوفى سنة 987، وأبو الحسن علي بن أحمد العجمي المعروف بالضيف سديد الدولة. والطربائي والطبراني شخصان تفصل بينهما طبقة كاملة. أما أبو الحسن علي بن أحمد العجمي المعروف بالضيف فقد دخل حلب واليا فاطميا سنة 1016، فأحسن السيرة وبالغ في العدل حتى كتب إليه الحاكم بأمر الله ولقبه سديد الدولة. ويضعه هذا في حلب وأفامية في العقود التي كان فيها أبو سعيد يتردد بين حلب والساحل، وأفامية نفسها تقع على مشارف الغاب حيث ظهر بعد قرون مقام يحمل اسم الشيخ علي العجمي. غير أن أخبار سديد الدولة تعرضه واليا وناظرا ولا تذكر له سماعا أو رواية أو حلقة علم، كما أن اسم أبيه أحمد و ليس عبد الله.
وأما أبو القاسم علي بن أحمد الطبراني وعلي بن أحمد الأنطاعي فهما طرفا عقدة شبكية مباشرة داخل دائرة أبي سعيد. فأبو القاسم علي بن أحمد الطبراني ثابت نصيا في كتب أبي سعيد نفسه، إذ يقول عنه في مجموع الأعياد حدثني به بإسناده، ويؤيده فهرس نشرة رودولف شتروتمان بعبارة روى عنه المؤلف. وفي الطرف الآخر خبر يرويه أبو سعيد بلسانه، محفوظ في مجمع العلوم، أن علي بن أحمد الأنطاعي استحضره بطبريا في بعض الليالي إلى منزله في عقبة الصاغة، وحضر أبو الحسين أحمد بن الحسين البغدادي المعروف بابن شرك. ولا يجمع نص واحد بين نسبتي الطبراني والأنطاعي، ولا ترد كنية في خبر طبرية، كما أن طبرية اسم لموضع بواسط أيضا، لذلك يبقى كل اسم في قناته النصية الخاصة. أما كتابة الأنطاعي فله تفسير كتابي مثبت يرده إلى الأنطاكي و ليس إلى العجمي، بشهادة موضع مماثل في المنتظم لابن الجوزي. وفي الخارج شخصية تاريخية ثابتة تحمل الاسم والكنية والطبقة، أبو القاسم علي بن أحمد الأنطاكي الملقب بالمجتبى، الحاسب المهندس من خاصة عضد الدولة البويهي، وتوفي في الثالث عشر من ذي الحجة سنة 376، أي في أيار 987. وتعرفه تراجم المجتبى بأنطاكية وبغداد ولا تضعه في طبرية، كما تسبق وفاته التاريخ الصلب لأبي سعيد في طبرية سنة 1001. ولهذا تحفظ النصوص الطبراني والأنطاعي والمجتبى في قنوات متمايزة، ولا تسمي واحدا منهم بالعجمي ولا تربطه بهالت.
وفي الجهة الأخرى من الخريطة يفتح باب واسط. فبعد قرن ونحوه من زمن أبي سعيد نزل بواسط المحدث الرحال أحمد بن محمد السلفي، وكان في المدينة شيخ من أهلها اسمه خميس بن علي بن أحمد، أبو الكرم الواسطي الحوزي، ولد سنة 1055 وتوفي سنة 1116. فجلس السلفي إليه يسأله عن رجال بلده واحدا واحدا، وقيد أجوبته في جزء صار من أنفس ما وصل عن الحياة العلمية في مدينة عراقية واحدة. وفي هذا الجزء ترجمة مفردة لأبي الحسن العجمي، طرسوسي الأصل، صالح مسند ثقة، يروي عن أبي بكر بن مهدي خال أبي عبد الله السقطي وعن أبي بكر الشمشاطي الخطيب بواسط، وله ابن هو أبو بكر المعروف بالهرمزان، صاحب حديث كثير وقراءات عوال عن الكتاني، جلس صدرا للقراء في جامع واسط واشتهر بالصلاح وحفظ القرآن. ويظهر الرجل في مواضع أخرى من الجزء نفسه بصيغ علي العجمي الطرسوسي، وعلي العجمي والد الهرمزان، وعلي العجمي الراوي عن البابسيري. وهكذا تجتمع في شخص واحد النسبة العجمية والأصل الطرسوسي والوظيفة الإسنادية وشيخان مسميان وابن معروف في مدرسة القراء بواسط.
وأما أبو بكر الشمشاطي فقد تحقق تحققا تاما، محمد بن جعفر بن أحمد الشمشاطي، الخطيب المقرئ، نزيل واسط، قرأ عليه الناس بواسط سنة 358 للهجرة، أي نحو سنة 969 للميلاد، ووثقه خميس الحوزي نفسه. وهذا التاريخ مهم، رجل نسبته إلى شمشاط، مدينة على الفرات الأعلى في الثغور، مستقر خطيبا مقرئا بواسط يقرأ عليه الناس بها سنة 969، أي بعد سقوط طرسوس بأربع سنين. وهو شيخ الطرسوسي.
ثم يمنح ذيل تاريخ مدينة السلام لابن الدبيثي هذا الرجل تاريخا صريحا. ففي ترجمة هبة الله بن محمد بن محمد بن مخلد الأزدي، أبي المفضل المعروف بابن الجلخت الواسطي الزاهد المقرئ، يذكر ابن الدبيثي أن ابن الجلخت سمع علي بن عبد الله الطرسوسي، وأنه قدم بغداد سنة 475 للهجرة وحدث بها عن أبي الحسن العجمي، ثم يسوق إسنادا نصه، أنبأنا علي بن عبد الله العجمي سنة ثلاثين وأربع مئة، أنبأنا محمد بن أحمد البابشيري، حدثنا جعفر بن أحمد بن سنان. وبهذه الترجمة تجتمع ثلاث صيغ لرجل واحد، علي بن عبد الله الطرسوسي، وأبو الحسن العجمي، وعلي بن عبد الله العجمي. كما تعطيه تاريخا مباشرا في سنة 430 للهجرة، الواقعة بين تشرين الأول 1038 وأيلول 1039، فيكون حيا يجيز ويحدث في ذلك العام. وقد أعاد الذهبي هذا النص في المختصر المحتاج إليه، وأعطى الصفدي في الوافي بالوفيات نسبه كاملا وقال إنه حدث ببغداد عن علي بن عبد الله العجمي.
ويأتي ابن نقطة في تكملة الإكمال فيسميه تسمية كاملة، علي بن عبد الله الأعجمي الطرسوسي. ويذكر أن كاتب الوقف حدث عنه، وأن أبا عبد الله محمد بن علي الجلابي الواسطي حدث عن كاتب الوقف، فتظهر سلسلة واسطية واضحة، علي بن عبد الله الأعجمي الطرسوسي، ثم علي المعروف بصدقة كاتب الوقف، ثم محمد بن علي الجلابي الواسطي. وتضيف هذه الرواية صيغة الأعجمي بالألف إلى الصيغ التي جمعها ابن الدبيثي. وتظهر الصيغة نفسها في مقتطف من أنس المحاضرة، أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الأعجمي الطرسوسي، ثنا أبو بكر محمد بن جعفر. وبهذا تستقر الصيغ الأربع للاسم في أكثر من قناة، علي بن عبد الله الطرسوسي، أبو الحسن العجمي، علي بن عبد الله العجمي، وعلي بن عبد الله الأعجمي الطرسوسي.
وكاتب الوقف نفسه، الذي كان اسمه صدقة فيكره أن يسمى به، شخصية تستحق وقفة، فهو أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله، كان معلما في الحوز، ثم انتقل إلى خدمة الوقف مع دخول الأتراك العراق، وكانت عنده الرواية عن أبي الحسن العجمي وعن ابن سمنان المؤدب والقاضي أبي الحسين بن الرؤاسي وأبي بكر بن طاوان المعروف بشرارة، وكانت عنده القراءات عن أبي علي بن علان. وهذه الترجمة تعطي، من قلب هذه الشبكة، مثالا موثقا على أن الاسم الذي يظهر في السند قد لا يكون الاسم الوحيد الذي حمله صاحبه، رجل واحد اسمه علي ويعرف بصدقة ويشتهر بوظيفته.
وكان ابنه أشهر منه في واسط. فأبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله الطرسوسي، الملقب بالهرمزان، له في السؤالات ترجمة أطول من ترجمة أبيه. يقول خميس إنه من أبناء المحدثين، جلس صدرا للقراء في جامع واسط، وكان حسن الحفظ للقرآن، وقرأ عليه أبو الحسن بن الصفار وغيره، كما قرأ هو على أبي الحسن بن علان وعلى أبي حفص الكتاني ببغداد. واشتهر بليلة الصافات، حين قام بالقرآن في ليلة نصف شعبان بصوت جهير، واجتمع إليه الناس في مسجد موسى، الجامع الشرقي بواسط، يتابعون قراءته حتى بلغ آخر سورة الصافات في ركعة. ويظهر في الوافي بالوفيات أن ابن الصفار قرأ على ابن علان وابن الواف والهرمزان أحمد علي العجمي، فتلتصق نسبة العجمي بالبيت و ليس بالأب وحده. وقراءة الهرمزان على أبي حفص الكتاني المتوفى سنة 1000 تضع نشاط هذا البيت قبل مطلع القرن الحادي عشر، بينما كان أبوه علي بن عبد الله حيا سنة 1038، أي بعد وفاة أبي سعيد سنة 1035 بثلاث سنوات.
وترك الهرمزان بدوره أثرا في سلسلة القراء بواسط. فأحمد بن محمد بن الحسن العكبري ثم الواسطي المقرئ، المتوفى سنة 477 للهجرة، قرأ القراءات على أصحاب أبي علي أحمد بن محمد بن علان وأبي بكر الهرمزان، فاستمرت مدرسة الهرمزان جيلا بعده. ويظهر لقب الهرمزان أيضا في اسم عبد الرحمن بن الهرمزان الواسطي، وهو مقرئ روى القراءة عرضا عن عبد الغفار بن عبيد الله الحضيني وقرأ عليه أبو القاسم الهذلي بواسط، من غير نسب معروف يصله ببيت علي بن عبد الله. وفي المدينة نفسها عاش رجل مستقل هو أبو الفضل محمد بن أحمد بن عبد الله بن فاذويه البزاز المعروف بابن العجمي، المولود سنة 431 والمتوفى سنة 511. وهكذا تقوم هوية بيت علي بن عبد الله على اجتماع الاسم الكامل والكنية والأصل الطرسوسي والإقامة في واسط والابن وشبكة التلامذة والإسناد المؤرخ.
وتكشف طرق القراءات أن واسط ومصر لم تكونا مدرستين منفصلتين في هذه الطبقة. فأبو القاسم الهذلي، صاحب الكامل في القراءات، قرأ بواسط على عبد الرحمن بن الهرمزان الواسطي، وقرأ على أبي علي بن علان في منزله سنة 444 للهجرة، ثم ظهر الهذلي نفسه في مصر داخل مدرسة ابن غلبون. وفي طريق مواز رحل أبو علي الحسن بن القاسم الواسطي المعروف بغلام الهراس من واسط إلى بغداد ومكة ومصر وحران ودمشق، وقرأ في مصر على ابن نفيس، وابن نفيس شيخ مباشر لعبد الرحمن بن الفحام، أبرز تلامذة أبي الحسن علي بن العجمي. وهكذا كانت البيئة الواسطية والعراقية متصلة فعليا بالحلقة المصرية التي حملت قراءة علي بن العجمي. ومع هذا الاتصال تسجل المصادر علي بن عبد الله الواسطي وأبا الحسن علي بن العجمي المصري في قناتين مختلفتين، مادة الواسطي لا تذكر رحلة له إلى مصر، ومادة المقرئ لا تسميه بعبد الله ولا بالطرسوسي ولا بالواسطي.
وطرسوس التي منها جاء أصل هذا الرجل مدينة كانت رأس الثغور الشامية، فيها بيوت لأهل خراسان وأهل ما وراء النهر وأهل الشام وأهل العراق، يعمرها الغرباء ويقيم فيها الزهاد والقراء والمرابطون. وقد عرف فيها قبل رجلنا بنحو قرنين رجل يحمل النسبتين معا، أبو جعفر محمد بن مسعود بن يوسف النيسابوري، نزيل طرسوس، المعروف بابن العجمي، حدث ببغداد سنة 862، ووصف في سير أعلام النبلاء بأنه شيخ الثغر، فتركيب العجمي والطرسوسي نمط طرسوسي معهود ، ثم انتهت المدينة، ففي سنة 965 أطبق نقفور فوقاس على الثغور الشامية، فسقطت المصيصة في تموز ثم سقطت طرسوس في آب من السنة نفسها، وكانت شروط التسليم أن يخرج من شاء منهم آمنا إلى داخل الشام لا يحمل إلا نفسه، وترك سائر ماله للجند، وهدم المسجد الجامع أو حول إلى اصطبل. وذهب أهل طرسوس في اتجاهات متعددة، منهم من مضى إلى أنطاكية قبل سقوطها هي الأخرى بعد ثلاث سنين، ومنهم من نزل حلب والجزيرة، ومنهم من انحدر مع الفرات إلى العراق، ويذكر المقدسي أن كثيرا ممن خرجوا من طرسوس استقروا في بانياس الساحلية، وهي بلد الرجل الوحيد الذي قال سجل المشيخة إن أبا سعيد أسمعه، عيسى البانياسي. هناك ثلاثة شواهد فردية مؤرخة تبين أن الحركة وقعت فعلا، منها رجل من كرمان دارها طرسوس خرج في سنة السقوط فنزل دمشق واحتفظ بالنسبتين معا، ومنها الشمشاطي نفسه شيخ صاحبنا، رجل نسبته إلى ثغر من ثغور الجزيرة يقرأ عليه الناس بواسط سنة 969 أي بعد سقوط طرسوس بأربع سنين. فالثابت أن الرجل واسطي الدار وأن أصله طرسوسي بشهادة خميس الحوزي، والثابت أيضا أن شيخه ثغري مهاجر نزل واسط، فاجتماع العناصر في مساحة واحدة وزمن واحد يفسر كيف يمكن لاسم مقترن بطرسوس أن يعبر إلى العراق من جهة وإلى ساحل الشام من جهة أخرى في الجيل نفسه، من غير أن يكون هناك رجلان مختلفان.
عند هذه النقطة تتجمع الخيوط الأولى للقصة. أبو سعيد ثابت في دائرة الجلي، ولغة النسب التعليمي تفسر اجتماع أكثر من خط في سيرة رجل واحد، كما أن اسم العجمي كان مألوفا في الشام والعراق ،وفي واسط تبرز سيرة أبي الحسن علي بن عبد الله الأعجمي الطرسوسي بشيوخه ورواياته وابنه الهرمزان، بينما تكشف طرق القراءات اتصال واسط بمصر. من هنا تنتقل القصة في الجزء الثاني إلى المقرئ المصري، ثم إلى عاصم وعاجم وسلاسل الخرقة، قبل الوصول إلى هالت وشبكته في ديوان المنتجب والخاتمة التي تجمع الطريقين.
الصورة للشيخ معلا ربيع
صاحب الجواب المؤرخ سنة 1353هـ الذي حفظ أقدم صيغة مؤرخة تجمع أبا سعيد وعلي العجمي وهالت.