كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ريفيات.. من أناشيد الأجداد على وتر الطبيعة في حب الحياة

د. غسّان القيم

 مواسم قطاف الزيتون والعصر.. عبق الخير والبركة.. ذاكرة الأرض والفرح المقدس
حين يقترب الخريف، وتبدأ نسمات تشرين تلامس أغصان الزيتون يدبّ في القرى نشاطٌ يشبه الفرح المقدّس.
إنه موسم القطاف والعصر واحدًا من أعمق وأجمل الطقوس في الذاكرة الريفية مواسم الزيتون والعصر تلك الأيام التي تعبق برائحة التراب والقطاف والزيت الطازج حيث كانت الحياة كلّها تدور حول الشجرة المباركة.
موسم الشجرة التي باركها الله وبارك أرضها شجرة الزيتون التي لا تموت، والتي أورثت أبناء الريف سرّ البقاء والكرامة منذ آلاف السنين.
كانت النسوة يتهيأن منذ الصباح الباكر، يحملن السلال والمفارش ويتوجهن نحو الحقول بقلوبٍ مفعمة بالبهجة.
تتردّد أصوات الأغاني بين الأشجار:
"عالمايلة يا زيتونة عالمايلة..."
فيتهادى الغصن خجلاً من لمسات الأيدي التي تجمع ثمره بحنوٍّ يشبه الدعاء.
يبدأ القطاف، بعضهم يلتقط الحَبّ حبةً حبة وبعضهم يهزّ الأغصان برفقٍ لتتساقط حبات الزيتون على الشراشف المفروشة تحت الأشجار.
ورائحة الزيتون الأخضر تملأ المكان تختلط برائحة التراب الرطب وعرق الفلاحين فيتكوّن من هذا المزيج عطرٌ لا يُنسى عطرُ الأرض حين تفرح.
وحين تمتلئ السلال يبدأ يوم العصر المنتظر. تُحمَل الغلال إلى المعصرة الحجرية القديمة حيث الرحى تدور ببطءٍ كأنها تهمس للأرض بما جرى في الحقول.
يُصبّ الزيت الذهبي في الجرار الفخارية صافياً لامعاً كالشمس، وتعمّ المكان صرخة الفرح الأولى حين يتذوّق أحدهم الزيت الجديد بقطعة خبزٍ ساخن..
في تلك اللحظة لا شيء يضاهي البساطة والبهجة، فالزيت ليس فقط قوتاً بل رمز للعافية والكرامة وعرق الجدود الذين زرعوا وحصدوا بقلوبٍ عامرة بالإيمان.
اليوم، ورغم تبدّل المواسم وتغيّر المعاصر تبقى رائحة الزيت الطازج قادرةً على إعادة كل شيء صوت الأغاني ضحكات الفلاحين ويد الأمّ وهي تمسح بركة الزيت على جبين طفلها.
فمواسم الزيتون ليست ذكرى فحسب إنها نبض الأرض وذاكرة الناس ووشم الحنين على وجه الزمن.
كم شهدتِ ياشجرة الزيتون من صلواتٍ خضراء تحت ظلالك وكم خبّأتِ في أغصانك أسرار القرى ودموع الأمهات!
يبقى زيتك نوراً في المصباح وشفاءً في القلب، وحنيناً يقطر من زمنٍ لم تغب عنه البركة.
*****
جدل الخبز… أنشودة الطحين والمحبّة في البيوت الريفية القديمة.. فعل حياةٍ وذاكرةٍ واحتفاءٍ بالبقاء..
 
في مطابخ الريف قبل أن يعرف الناس آلات العجن الحديثة، كانت المرأة الريفية تبدأ يومها بخشوعٍ يشبه الصلاة، وهي تُمسك الطحين بيديها لتبدأ جدل الخبز.
ذلك الطقس البسيط الذي لم يكن مجرد إعداد للعجين بل احتفال صامت بالحياة يحمل عبق الطقوس الأنثوية القديمة بكل ما فيها من دفء ومحبّة تخلطه بملح الحبّ وتخمّره بأنفاس الصبر ثم تطرّيه براحتيها كما لو كانت تداعب قلب الأرض.
كانت النساء يجتمعن حول «المائدة الخشبية» أو «القَصعة» وهنّ يتهامسن ويغنين وتتماوج الأيدي في انسجامٍ كأنها فرقة موسيقية من القمح والماء.
ومع كلّ حركةٍ من يديها كانت الأمّ تُلقّن بناتها سرّ العيش وكرامته، فالخبز في البيت الريفي لم يكن قوتًا فحسب بل رمز الشرف والوفاء.
حين يكتمل العجين تُغطّى القصعة بقطعة قماش بيضاء كأنها حجاب القداسة وتُترك لتختمر على مهلٍ تمامًا كما تنضج الحكايات في ذاكرة الأمهات.
ثم تبدأ مرحلة الجَدْل حيث تتحول الكرات الصغيرة إلى ضفائر من الطحين والدفء تتراقص على راحات اليدين قبل أن تُزفّ إلى التنور..
هناك في قلب النار يكتمل السرّ يخرج الخبز ذهبيًّا كالفرح طريًّا كالحنين دافئًا كحضن الأمّ.
وما إن تفوح الرائحة حتى تمتلئ الدار بالسكينة. كانت النسوة يقلن دائمًا:
"ريحة الخبز الطازج تفتح أبواب البركة."
تلتفّ العائلة حول الرغيف المقطّع يأكلون وهم يبتسمون وكأنهم يتناولون ذاكرة البيت وملح الأيام.
اليوم، في زمن العجّانات والخبّازات الكهربائية ما زالت بعض الجدّات يُصررن على جدل العجين بأيديهن لأنهن يعلمن أن الخبز لا يُصنع بالطحين والماء فقط بل بالحبّ الذي يسكن الأصابع.
كلّ رغيفٍ خرج من رحم التنور حمل حكايةَ امرأةٍ خبزت قلبها مع الطحين وضفرت أحلامها مع العجين.
إنه خبزُ الحياة… وجدائلُ الأمّهات التي لا تحترق مهما اشتعلت نار الزمن.
******
"خايف اهزك يا غربالي يهر منك كل عزيز و غالي"
الغربال: أداة الفلاح وذاكرة القمح ورحلة كفاحه الطويلة مع الأرض
 
لم يكن الغربال مجرد أداة خشبية مشدودة بخيوط معدنية أو شعرية بل كان رمزاً من رموز البيت الريفي العتيق ورفيق الفلاح في رحلة كفاحه الطويلة مع الأرض. فمنذ فجر الزراعة ومع أولى السنابل التي حملتها الأيدي العاملة إلى البيوت كان الغربال ينتظر مكانه في صدر المجلس أو المخزن كأنه حارسٌ للغلة وصوتٌ يميز بين الخير والضرر بين القمح والشوائب.
يصنع الغربال في معظم القرى من إطار خشبي دائري يُشدّ عليه نسيج معدني أو شبكي دقيق تختلف فتحاته بحسب الغاية منه. وكان صانع الغربال أو ما يسمى بالغربالي يعتني عناية خاصة بدقة ثقوبه حتى يؤدي وظيفته كاملة. بعض الغربالات كانت واسعة الفتحات لاختيار الحبّة الكبيرة وبعضها ضيّقة لغربلة الدقيق والطحين.
حينما يحين موسم الحصاد ويُجمع القمح في البيدر يأتي دور الغربال كمرحلة تنقية أخيرة بعد التذرية.. يوضع القمح فيه ويهزّه الفلاح أو ربّة البيت بحركة دائرية متناسقة، فتتطاير الشوائب والتبن والغبار جانباً، ويبقى القمح الصافي ناصعاً كذهب الأرض. كانت هذه العملية وإن بدت شاقة تحمل في طياتها إيقاعاً تراثياً يرافقه أنين الغربال وصوت الحبوب المتساقطة كأنه موسيقى الريف القديمة.
الغربال لم يكن مجرد أداة زراعية بل دخل في الأمثال الشعبية، فقالوا:
"لا يختفي شيء عن الغربال" في إشارة إلى كشف الحقائق. وكان يُذكر في الأعراس والأغاني الفلاحية رمزاً للفرز بين الخير والشر وبين الحق والباطل. حتى الأطفال كانوا يلعبون به أحياناً في البيوت، فيتحول من أداة عملية إلى جزء من الذاكرة الحية.
مع تطور الآلات الحديثة تراجع دور الغربال في الحقول، لكنه ظلّ في ذاكرة الريف شاهداً على زمن البساطة والكدح. كثير من البيوت القديمة ما زالت تحتفظ به في زواياها ليس للحاجة العملية فقط، بل باعتباره قطعة تراثية تعبق بذكريات الأجداد وبصوت الأمهات وهنّ يغنين أثناء تنقية القمح:
"يا غربال يا بو الحلقات.. صفّيلي القمح من النكهات"
وهكذا يظل الغربال رمزاً من رموز التراث الزراعي السوري أداة جمعت بين الوظيفة العملية والرمزية الروحية بين الحقل والبيت، وبين ذاكرة الأرض وذاكرة الناس.
والـغــربــال دخل في وجدان الناس حتى صار مثلاً يُضرَب في كثير من المواقف لأنه رمز التمييز والفرز وكشف الخفي. وهذه بعض الأمثال الشعبية التي قيلت عنه:
"ما بيخفى شي عن الغربال"
يقال للدلالة على أن الحقيقة لابد أن تنكشف مهما حاول الناس إخفاءها.
"الحق مثل القمح ما بيخفا على الغربال"
بمعنى أن الصواب لا يختلط بالباطل، فكما يفرز الغربال القمح من الشوائب يكشف الزمن الحقيقة من الزيف.
"بدك تكذب؟ كذّب بس ما تغرّبِل"
يقال لمن يبالغ في الكذب فالغربال يكشف العيوب ويُظهر الحقيقة.
"الغربال الجديد إلو شدّة"
يقال عن الإنسان الجديد في عمله أو منصبه إذ تكون له هيبة وحضور في البداية ثم تخف شدته مع الوقت.
"الغربال ما بيواري الشمس"
أي لا يمكن إخفاء شيء واضح وجلي مثلما لا يمكن للغربال أن يحجب ضوء الشمس.
"مين بيقدر يغطي حالو بالغربال؟"
مثل يُضرب فيمن يحاول ستر عيبه بأمر لا يستره فالغربال مثقّب لا يصلح غطاء.
******
الجـــاروشــة أو الرحى.. أداة القمح والحبوب.. وذاكرة البيوت القديمة عندما تهمس بأيام الزمن الجميل والنفوس النقية
 
تعالوا معاً نعود إلى الزمن العتيق حيث البيوت الطينية والعائلات التي تجتمع حول أدواتها اليومية البسيطة، فكانت الجاروشة واحدة من أهمها تحمل بين أحجارها صوت الأجداد ورائحة الخبز الأول.
لم تكن الجاروشة مجرد حجرين صامتين، بل كانت قلب البيت الفلاحي وجرس الحياة اليومي الذي لا يهدأ. هي أداة حجرية بدائية لكنها عريقة تعود إلى أزمنة ما قبل الطواحين والرحى الكبيرة، وكانت مخصصة لجرش القمح والحبوب يدوياً الجاروشة (الرحى )لتتحول إلى طحين أو برغل أو لتجهّز للخبز والطعام.
تتألف الجاروشة عادة من حجرين دائريين من البازلت أو الحجر الكلسي الصلب.
الحجر السفلي يكون ثابتاً ومستقراً، في وسطه نتوء بسيط أو ثقب لتثبيت المحور.
الحجر العلوي يكون متحركاً مثقوباً من الوسط يُسكب منه القمح ليقع بين الحجرين ثم يُدار بواسطة مقبض خشبي مثبت على جانب الحجر.
حين تبدأ اليد بإدارة الحجر العلوي يتسلل صوت الاحتكاك الناعم كأن الحجرين يتحدثان معاً فتتفتت الحبوب بينهما وتتحول إلى دقيق أو مجروش.
كانت الجاروشة أو الرحى جزءاً أساسياً من كل بيت فلاحي..
في الصباحات تجلس النساء حولها يُدرنها بأيدٍ صبورة ويغنين أغاني فلكلورية خفيفة لتخفيف التعب.
الأطفال كانوا يلتفون حولها يراقبون الحبوب وهي تنزل شيئاً فشيئاً، ويتسابقون لمساعدة أمهاتهم.
وكان صوتها إيقاعاً مألوفاً في القرى، يعلن عن حياة لا تهدأ عن خبز يُخبز وبرغل يُعدّ، وحياة تدور مع دورانها..
الجاروشة لم تكن مجرد أداة بل كانت رمزاً لـ الاكتفاء الذاتي والكدح الأسري. كانت الأمثال الشعبية تذكرها أحياناً كناية عن العمل المتواصل والشقاء الجميل. ويقال إن بعض البيوت القديمة كانت تحفظ جاروشة الأمهات كذكرى عزيزة تزين بها صدر الدار وكأنها قطعة أثرية من الروح.. ما زلت احتفظ بها ذكرى من أمي رحمها الله..
مع دخول الطواحين المائية والهوائية ثم المطاحن الحديثة.. تراجع دور الجاروشة لكنها بقيت في الذاكرة الشعبية رمزاً لأيام البساطة والاعتماد على الجهد اليدوي. كثير من القرى السورية والشرقية ما زالت تحتفظ بها كقطعة تراثية وبعض المتاحف تعرضها كأداة حملت سرّ القمح الأول.
وهكذا تبقى الجاروشة أكثر من مجرد حجرين إنها شا
******
 المعرجلينة.. روح البناء الطيني وأثر الأجداد
 
"المعرجلينة" هي أداة تراثية عريقة تحمل في ملامحها عبق الماضي وأصالة الحرفة القديمة. اسطوانية الشكل مصنوعة من الحجر الثقيل، تُستخدم منذ القدم في دحل ورصّ أسطح البيوت الطينية لتمنع تسرب مياه المطر وتحفظ دفء المأوى.
كانت الأيدي الخبيرة تسير بها جيئةً وذهابًا فوق السطح تُدحرجها بحركات موزونة ودقيقة حتى تتماسك طبقات الطين ويُصبح السقف صلدًا لا يخون ساكنيه في الشتاء. صوتها وهي تُجرّ فوق الطين الرطب كأنما نشيدٌ قديم تردده الأرض يشهد على مهارة البنّاء وصبره.عجوز يدحل سطح بيته القديم بالمعرجليني
المعرجلينة لم تكن مجرّد أداة.. بل كانت رمزًا للحرص والدقة، وصورة من صور التكاتف المجتمعي، حيث كان الجيران يجتمعون في مواسم البناء، ويتعاونون على دحل السطوح باستخدامها في جوّ تسوده المحبة والعمل الجماعي.
واليوم، ورغم تغيّر أدوات البناء ما زالت المعرجلينة تقف شاهدًا صامتًا على فنّ العمارة الطينية محفوظة في الذاكرة الشعبية تُعرض في المتاحف أو تزيّن الزوايا التراثية لتُخبر الأجيال القادمة عن حكاية الطين والمطر والبُناة الأوائل الذين صاغوا من البساطة عظمة.
******
 
"الصَّمَد".. محراث الفلاح القديم حين كانت الأرض تُفلَحُ بعرق الجبين..
 
في زاوية من زوايا الذاكرة الريفية وبين طيات التراث المنسي يرقد "الصَّمَد" محراث الفلاح القديم يوقظ في ذهنه حنين الماضي شاهداً صامتاً على زمن كانت فيه علاقة الإنسان بالأرض علاقة عشق وكدح. ليس مجرد أداة زراعية بل رمزاً لصبر الفلاح ومهارته ورفيق دربه في بواكير الصباح حين تتنفس الأرض أول أنفاسها ويغوص الحديد في التراب الطيني وكأنه يكتب قصيدة من الشقاء النبيل.
"الصَّمَد" ذلك المحراث الخشبي ذو النصل الحديدي الصلب، كان يُجرّ بقوة الثيران أو الحمير أو حتى الجمال في بعض المناطق، يتلوى بين التربة يشقها ببطء وثبات، يهيئها لزرع القمح أو الشعير أو العدس. صُنع بيدٍ خبيرة من خشبٍ قويٍّ مقاوم لعوادي الزمن وثُبّت حديده بمهارة حدّاد قروي يعرف كيف يجعل الحديد صبورًا مثل صاحبه.
رغم ما شهده العالم من تطور تقني وظهور المحاريث الآلية العملاقة، ظل "الصَّمَد" مخلصًا في خدمته لبعض القرى الجبلية الوعرة حيث لا يصل صوت الماكينة، ولا تحتمل الأرض عجلات الحديد. هناك ما زال الفلاح يشد على يد الصَّمَد ويترك خلفه أخاديد من الرجاء، وهو يعلم أن ما يُزرع بالكدّ لا بدّ أن يُحصَد بالخير.
اليوم يُعرض "الصَّمَد" في المتاحف والمهرجانات التراثية، تحيط به نظرات الإعجاب ودهشة الأجيال الجديدة، لكنه لا يزال في عيون من عاشوا زمنه أكثر من مجرد أداة... إنه ذاكرة وطن وسطر من حكاية الأرض والإنسان منذ أقدم العصور.
******
 
الباطوس... ذاكرة الحجر ورائحة الزيتون وحبات القمح المقشور
 
في قلب كل قرية من قرى ريف الساحل السوري، كان هناك مكان لا تخطئه العين ولا يغيب عن ذاكرة من عاش طفولته بين تلك التلال الخضراء... إنه "الباطوس".
ليس مجرد قطعة حجر بل شاهدٌ صامت على مواسم الكدح ومسرحٌ مفتوح لحكايات الجدّات وضحكات الأطفال وعرق الفلاحين.
الباطوس كما يعرفه أهل الساحل، هو حجر دائري عريض مصقولٌ بفعل الزمن وسواعد الرجال توضع فوقه كميات من الزيتون أو القمح ليُفرد عليها دولاب حجري ثقيل يُدار إما يدويًا أو بوساطة حيوان وغالبًا ما يكون البغل هو الشريك الدائم في هذه الرحلة البطيئة والدقيقة.معصرة زيتون قديمة من مائة عام في الساحل
في موسم القطاف كانت العائلات تتجمّع حول الباطوس تُفرغ سلال الزيتون الأسود اللامع فوق سطحه، وتبدأ عملية الرصّ حيث يُعصر الزيتون شيئًا فشيئًا وتُستخلص "الزَفْرة" الأولى قبل نقله إلى المعصرة. كانت العملية تُشكّل طقسًا قرويًا بامتياز فيه مشاركة وتعاون، وكان يُعدّ خطوة مهمة قبل الوصول إلى الذهب الأخضر زيت الزيتون الذي يُخزن في الجرار الفخارية ويُعدّ فخر كل بيت.
ولم يقتصر دور الباطوس على الزيتون فحسب، ففي مواسم الحصاد كان يُستخدم لتقشير القمح أو ما يُعرف محليًا بـ"الدرُس". كانت السنابل تُنثر على سطحه ويدور عليه الحجر الثقيل حتى تتفكك الحبوب عن قشورها، في مشهد يترافق مع غناء النسوة وأصوات الأولاد المتجمعين حول أمهاتهم.
صحيح أن المعاصر الحديثة قد أخذت مكان الباطوس اليوم وأن آلات الدّرس قد غزت الحقول، لكنّ الباطوس ما زال محفورًا في الذاكرة تمامًا كما حفر هو على مر السنين أثره في أرض القرية.
هو أكثر من أداة... هو قطعة من روح الأرض، فصلٌ من حكاية المكان، وصوتٌ من زمنٍ كانت فيه الحياة أبسط، لكنها أعمق معنى وأغزر دفئًا.
دمتم ذاكرة لاتمحى..
*****
ما أجمل الصباح حين يكون محمولًا على نسمات الأرض الطيبة، مشبعًا برائحة الزعتر البري وخبز التنور الساخن، ينبض من تراب بلادنا الجميلة سوريا حيث تتعانق الحضارة والإنسان، وتمتزج الذاكرة بعطر الماضي ووهج الحاضر...
صباح الخيرات المزروعة من أرض بلادي لا يشبه أي صباح آخر، فهو ليس مجرّد وقت من اليوم بل طقس تراثي عتيق يُولد من رحم التاريخ ويحمل في قلبه أصوات الأمهات وهنّ يعجنّ الحنين ويخبزن الأمل على مواقد الطين.
هناك، في بيوت الطين التي لم تهزمها السنون، حيث تتراكم الأزمنة كما يتراكم الغار على رفوف البيوت القديمة، تستيقظ "الأم السورية الأبدية"، تلك التي لا يعرف التعبُ إلى يديها سبيلاً. تحضر لنا اللقمة الطيبة، لا فقط من القمح بل من نبض قلبها، ومن ماء النبع، ومن أعشاب الجبل وتقدمها لنا كما تقدم الأرض زهرها للمطر.
هذه الأم العظيمة ليست فقط سيدة بيتها، بل هي حارسة الذاكرة، وسفيرة المحبة وصوت الأرض حين تنادي. تُرضع أبناءها حب التراب، وتُطعمهم حكايا الجدات التي لا تموت، وتُعلمهم أن العطاء لا ينضب، وأن الجرح إذا ما تداوى بالمحبة صار وردة.
وفي هذا الصباح يأتينا صوت قادم من البعيد... صوتٌ فيه رجعُ الأزمنة الأوغاريتية، كأنّ البحر يهمس بأسراره القديمة كأنّ الأبجدية الأولى تنبض من جديد، كأنّ أوغاريت لم تغب بل ما زالت تروي لنا أغانيها المنقوشة على ألواح الطين، وتخبرنا أن الحب يبدأ من الحرف، وأن الكلمة حين تخرج من قلب محبّ تخلد.
صباحكم حكاية عشق أوغاريتية...
عشقٌ يبدأ من فم الناي ويستمر في نسيج السجاد في دمعة العين حين تتذكر بيتًا قديمًا في شال الوالدة في ذوق الزيتون المغمّس بالزعتر في رائحة القهوة المرة التي كانت تعدّها الجدّة وقت الأصيل.
صباحكم من تلك الأرض التي كتبت أول نوتة موسيقية، وعلّمت البشر كيف يغنون للحب والسلام قبل أن يُحمل السلاح. صباحكم من تراب أوغاريت حيث الرماد يتحول إلى أسطورة وحيث كل حجرٍ يحكي كل جدارٍ ينصت وكل ظلٍ يحفظُ الأثر.
عندما أتحدث عن حضارة استحضر روحها ازرعها في القلوب وامنحها حياةً جديدة. في الكلمات تختلط أنين الممالك القديمة مع أهازيج الأمهات، ويعلو صوت التراث لا كحنينٍ باكٍ بل كـ نشيد أمل لا يموت.
فلتبقى أوغاريت تنبض فينا
ولتظل سوريا أمًّا أبدية
ولنصنع من صباحاتنا مرآة لذاكرتنا
ذاكرتنا التي لا تشيخ
تمامًا كالأرض
تمامًا كالأم
تمامًا كالحب الأول...
******
 
"وشوشات القمح المسلوق.. عطر الأمومة ونداء ذاكرة دفءٍ لا تشيخ حين تنثر الأمهات الذهب على سطوح البيوت القديمة"..
 
في صباحات الخريف المائلة للبرودة كانت البيوت الدمشقية واللاذقانية والسورية عموماً تعبق برائحة سليقة القمح، ذاك الطقس الشعبي الأصيل الذي لم يكن مجرد إعداد طعام، بل كان احتفالاً عائلياً صغيراً.
كانت الأم رحمها الله تبدأ التحضيرات مبكراً، فتغسل حبات القمح الذهبية بعناية ثم تضعها في القدر الكبير على النار وتنتظر حتى يفوح بخارها الممزوج برائحة القمح المسلوق ليملأ أرجاء البيت دفئاً وطمأنينة.
وبينما يتصاعد البخار، كانت عيون الأطفال تراقب المشهد بلهفة يتسللون بخطوات صغيرة خجولة نحو القدر يمدّون أيديهم بخفة ليخطفوا حفنة من الحنطة الساخنة يرشّون عليها قليلاً من السكر، ويضحكون فرحين وكأنهم امتلكوا كنزاً. تلك اللقمة البسيطة لم تكن مجرد حبوب مسلوقة بل كانت طعم الطفولة ومذاق الذكريات التي لا تُنسى.
بعد أن تُسلق الكمية كاملة، كانت الأم تنشرها على سطح المنزل تحت شمس الخريف الدافئة، فتبدو الحبوب وكأنها سجادة ذهبية تمتد بلمعانها فوق السطوح. قسم منها يُجهّز ليصبح برغلاً بعد أن يُجرش على الرحى، وقسم آخر يُحتفظ به للقمحية، ليبقى زاداً مباركاً في المواسم القادمة.
كان هذا الطقس يحمل معنى المشاركة والاستمرارية حيث لا ينفصل الطعام عن الذاكرة ولا عن روح العائلة. كانت النسوة يتبادلن الخبرات والقصص أثناء التحضير، والأطفال يترقبون ساعة "السرقة الحلوة"، والبيت يعيش حالة من الفرح البسيط الذي لا يشبه شيئاً من صخب أيامنا الحالية..
هكذا كانت سليقة القمح ليست مجرد طعام بل حكاية من دفء الأمومة، وعطر البيوت القديمة، ووشوشات الزمن الجميل التي ما زالت تهمس في القلب حتى اليوم.
******
من هناك حيث تبدأ الحكاية ولاتنتهي..
لننسج معًا خيوط الحكاية كما كانت، على النول اليدوي من قلب الريف السوري من عبق قرية "دير ماما" حيث لا يزال الزمن يهمس لنا بأصوات الأجداد.. ويربت على أكتاف الذاكرة..
من خيطٍ يتلو خيطًا، ومن أناملٍ تعرف تمامًا كيف يُروى التاريخ على النول حين تتكلم خيوط الحرير لا بالكتابة، بل بالغزل والنسج، بالصبر والحنين.
في قرية "دير ماما"، الواقعة بين تلال الريف المصيافي الهادئة لا يزال هناك صوت خافت، لكنه ثابت يعلو فوق ضجيج العصر: صوت النول اليدوي وهو يطرق بإيقاعٍ يشبه نبض القلب، ينسج الحرير كما لو كان ينسج الذاكرة ذاتها.
تجلس امرأة مسنّة أو ربما رجل شاب ورث هذه الحرفة عن جدّه أمام آلة خشبية عتيقة تُزيّنها بقايا خيوط من حريرٍ ذهبيّ أو أرجوانيّ، خيوطٍ استخرجت بحرص من شرانق دودة القز التي تربّت بعناية في بيوت الطين والحجر. هذه الخيوط التي بدأت رحلتها في سكون ستتحول بعد ساعاتٍ طويلة من العمل الهادئ والدقيق إلى قطعة فاخرة من القماش لا تُقدّر بثمن.
ليس مجرد نسيج ما يُنتج هنا ولا مهنة عابرة.. بل طقسٌ يوميّ تُمارسه الأيادي كما لو كانت تُقيم صلاة سرّية لا يسمعها إلا من عاش حكاية هذا النول.
الجلوس أمام النول ليس عملاً وقتيًا.. بل هو أسلوب حياة.
كل تفصيل فيه محمّل بالرمز:صناعة الحرير من دود القز
رائحة الخشب القديم الذي شهد على مئات القصص.
صوت الخيوط وهي تتمدد بين أطراف النول.
صرير الخشبة التي تُثبّت الخيط كما لو كانت توقظ الذاكرة من غفوتها.
كانت دودة القز تُربى بعناية في بيوت الريف يعتني بها الكبار والصغار تتغذى على ورق التوت في انتظار أن تُنتج شرانقها الثمينة، ثم تُغلى هذه الشرانق وتُفكك بخفة لتُستخرج منها خيوطٌ دقيقة لا ترى بالعين بسهولة، لكنها تملك قدرة سحرية على التحول إلى قماش يشبه الضوء في رقّته والماء في انسيابه.
صناعة الحرير: ذاكرة لا تُمحى.. في السابق، كانت قطعة الثوب الحريري تُهدى في المناسبات الكبيرة:
في يوم الزفاف.. أو كجزء من جهاز العروس..
أو تُحفظ داخل صندوق الكتان في البيوت القديمة، وتُفتح في لحظة حنين أو وداع.
وكم من أمٍّ غزلت بيديها ثوبًا لابنتها، وكم من جدّة جلست لساعات أمام النول تنسج وهي تغني أغاني لا تُفهم كلماتها إلا من سمعها من صدرها مباشرة.
كانت هذه الحرفة أيضًا مصدر فخر، فهي لا تحتاج فقط إلى مهارة تقنية بل إلى حسّ فنيّ راقٍ إلى صبر يشبه صبر النحاتين ودقّة لا يمتلكها إلا من تعلّم أن يتعامل مع الحياة كما يتعامل مع خيطٍ هشّ: بهدوء وحرص وحب.
بين الماضي والحاضر... ما زال الصدى حيًّا.
ورغم كل التطور، ورغم آلات الخياطة الحديثة ومصانع الأقمشة السريعة، لا يزال هناك من يتمسك بهذا الفن، لا كتقليد قديم فقط، بل كخيط يصلنا بجوهرنا ببطء الحياة الجميل بعلاقتنا اليدوية مع الأشياء قبل أن تسرقنا السرعة.
في "دير ماما" النول ليس مجرد خشب وأوتاد وخيوط، بل هو ذاكرة حيّة.
هو صوت يأتيك من البعيد، يهمس في أذنك ويقول:
"لا تنسَ من أنت، ولا تنسَ أن الجمال لا يُصنع في العجلة بل في الصبر، في التفاصيل، في اليد التي تعي قيمة كل خيط.."
إذا أغمضت عينيك الآن ربما تسمع صرير النول وترى امرأةً تبتسم وهي تنسج لا لأنها أنجزت قطعة جديدة، بل لأنها أعادت خيطًا آخر من الذاكرة إلى الحياة.
ففي نهاية المطاف هذا النول لا ينسج القماش فقط...
بل ينسج الحكاية ذاتها.
 
مركز الوثائق التاريخية في دمشق.. وثائقه الأصلية في مكان آمن
معبد الضمير (بتسكين ض): تحفة معمارية شاهدة على عظمة العمارة الرومانية في بادية الشام
الرأس العاجي الاوغاريتي وجهٌ يطلّ من أربعة آلاف عام وما زال يفيض دهشة وهيبة
الرقيّم الذي أنطق الطين وانطلق أبجدية أوغاريت بعيون ناسخٍ خبير
سقوط كنيسة آيا صوفيا
"البربارة" طقس الحياة والخصب وحكاية القمح والفرح في الساحل السوري وأهازيج الدفء في ليالي كانون
مقام الأربعين في قاسيون
أبجدية أوغاريت.. الأبجدية الخالدة التي شكلت تاريخ الكتابة
حين تكلم الطين.. عقود البيع والشراء في أوغاريت وشهودها في سوق الحياة
"الليّا".. من الأغاني التراثية في الساحل السوري
الأغاني التراثية الساحلية.. نغم البحر في الذاكرة التي حملت صوت الموج ودفء الناس
اللغة العامية الساحلية كثير منها أوغاريتي.. "أيلي" و"هنه".. الخ
قصة الجرار الفخارية الثمانين التي اكتشفت في موقع مينا البيضا في ثلاثينيات القرن الماضي
جبل صفون بريف اللاذقية
هريسة القمح في ريف الساحل السوري.. طقس تراثي جميل يحمل عبق الأرض حين تهمس حبات القمح بدفء الذاكرة