كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اللواء أحمد سويداني من رئيس أركان إلى سجين

علاء الدين تلجبيني

يوم 11 شباط/فبراير 1968 تقدّم اللواء أحمد سويداني باستقالته من رئاسة هيئة الأركان العامة في الجيش، فتم تعيينه رئيسًا لمكتب الشباب والرياضة، وتعيين مصطفى طلاس قائدًا للأركان العامة بدلًا عنه ومعاونًا لوزير الدفاع حافظ الأسد، حيث رُفع طلاس استثنائيًا من رتبة مقدم إلى رتبة لواء.
أتُّهم السويداني بأنه شخص غير متوازن و أعصابه متعبة وغير قادر على السيطرة على أفعاله وتصرفاته.
يقول نيكولاس فاندام في كتابه الصراع على السلطة في سوريا: كان أحمد سويدان المنحدر من حوران من أنصار صلاح جديد، وكان خلعه بمثابة إزاحة الشخصية العسكرية الرئيسية المتبقية من حوران. في الواقع كان يعني هذا الإجراء تصفية أو تحييد العناصر من العسكريين والمدنيين الحورانيين من جهاز الحزب والجيش بوصفهم كتل قوى منفصلة. وهذا لم يكن يعني عدم وجود أي ضباط حورانيين بالجيش أو أن البعثيين الحورانيين قد حُرموا من شغل مناصب عليا في جهاز الحزب، بل كان يعني نهاية دورهم كمجموعة قوة لها وزنها، ولم يُمنحوا فيما بعد فرصة إعادة تجميع أنفسهم كجماعات ذات قوة في القوات المسلحة، بحيث يشكلون تهديدًا خطيرًا للفصائل الأخرى (كالعلويين) داخل القوات المسلحة أو داخل الحزب.
كانت علاقات سويداني بصلاح جديد قد توترت نتيجة كارثة حرب 1967 وأصبح سويداني في مجالسه العامة و الخاصة يهمس حول (علونة الجيش) وأصبح يدمدم ويتذمر من النفوذ العلوي في الجيش، وكان هذا سببًا كافيًا ليتخلى صلاح جديد عنه ويتخلص منه.
يقول قائد الجيش الشعبي محمد إبراهيم العلي في كتابه حياتي والإعدام: (إن الأمر الذي قصم ظهر سويداني لم يكن إقالته من رئاسة الأركان العامة ولا إدراكه للفارق بينه وبين وزير الدفاع، إنما لتخلّي اللواء صلاح جديد عنه).
كان البديل مصطفى طلاس خيار صلاح جديد وبقية أعضاء القيادة القطرية ليكون رئيسًا للأركان لأنه أحد أعضاء تلك القيادة، فيما كان حافظ الأسد يفضل اللواء عواد باغ. يقول حنا بطاطو: (لم يكن طلاس ذو ثقل بأي شكل من الأشكال، فقد أمكن الاعتماد عليه في تنفيذ إرادة الأسد بإخلاص).
بعد اقالته باشر السويداني عمله في مكتب الشبيبة والرياضة، وشرع يزور فروع الحزب في المحافظات ليشرح وجهة نظره التي كان يلخصها بأن بمقدور أي عضو في القيادة القطرية أن يعمل في قطاع تراه القيادة مناسبًا في محاولة للعودة مجددا عبر حشد تأييد في صفوف الحزب.
فيما أرسل صلاح جديد الضابط محمد إبراهيم العلي (قائد قوات الصاعقة) إلى الفروع الحزبية ليشرح لهم مبررات إزاحة أحمد سويداني، التي كان سببها اتساع خلافاته مع وزير الدفاع. راقبت عيون حافظ الأسد و صلاح جديد سويداني بشكل مُركّز حتى شهر نيسان 1968 حين استيقظت القيادة على خبر مغادرة سويداني البلاد سرًا إلى العراق عن طريق لبنان بعد أن ترك سيارته في منطقة الزبداني. وقيل ان قائد الاركان في عهد الشيشكلي شوكت شقير هو من سهل دخوله الى لبنان وانتقاله الى العراق.
في بيروت يذكر أكرم الحوراني أن سفير الجزائر لدى لبنان أخبر أحد الصحفيين المقربين بلجوء اللواء سويداني فجأة إلى السفارة طالبًا اعتباره لاجئًا سياسيًا، ولكن الجزائر رفضت طلبه نظرًا لصداقة رئيسها بومدين مع حزب البعث والرئيس الاتاسي. بعد رفض الجزائر قبول سويداني لاجئًا، توجه إلى العراق بعد ثورة السابع عشر من تموز 1968.
في العراق أقنع اللواء أمين الحافظ والقيادة القومية، التي حمّلته مسؤولية دعم صلاح جديد بانقلاب 23 شباط، الرئيس أحمد حسن البكر بعدم قبوله لاجئًا، فقرر السويداني المغادرة إلى القاهرة جوًا. في الطريق قررت الطائرة الهبوط في دمشق للتزود بالوقود، فتم اعتقاله من داخل الطائرة من قبل المخابرات السورية.
أما رواية محمد إبراهيم العلي فتقول إن العراقيين لم يرحبوا بالسويداني الترحيب الكافي، فطلب من القيادة في دمشق العودة، ونصحوه بعدم العودة إلا إذا وافق الرئيس الأتاسي، فأخبرهم باستعداده لتقديم نقد ذاتي لتصرفه الخاطئ الذي حمله إلى بغداد من دون علم القيادة. ورغم كل التحذيرات عاد السويداني إلى سوريا معولًا على نجدة رفاقه القدامى الذين خاض معهم أشرس المعارك في وجه الرفاق السابقين أيضًا.
سيق السويداني إلى سجن المزة بعد اعتقاله في اب 1969 كما تم اعتقال العديد من العسكريين الحورانيين في الجيش (عدد صحيفة الحياة اب 1969) بقي السويداني في سجن المزة حتى 1994.
أحمد سويداني هو من ضباط البعث ومن الدائرة الواسعة للجنة العسكرية التي كانت تضم 15 عضوًا، من بينهم ثلاثة من حوران هم موسى الزعبي ومصطفى الحاج علي وأحمد سويداني.
شغل منصب مدير المخابرات العسكرية في عهد أمين الحافظ بين 1963 و1965، وكان إلى جانب طلاس من الضباط السنة الذين وقفوا إلى جانب صلاح جديد في صراعه مع أمين الحافظ، فكوفئ بترفيعه من مقدم الى لواء وتعيينه بمنصب رئيس الأركان العامة بين 1966 و1968، وكان قد لمع اسمه في قضية الجاسوس إيلي كوهين الشهيرة عام 1965.
لم تشفع للسويداني كل مواقفه السابقة، ولم يتعلّم من أخطاء رفاقه، فوقع في الفخ ذاته الذي سقط فيه قبله عمران والحافظ والبيطار وحاطوم والشاعر. في المقابل، اختار طلاس الانحياز لاحقًا إلى صف حافظ الأسد، فكان من الرابحين في لعبة السلطة، بينما دفع الآخرون ثمن الصراع إقصاءً أو سجنًا أو نفيًا. هكذا، في تلك المرحلة، لم تكن الكفاءة ولا التاريخ النضالي معيار البقاء، بل القدرة على قراءة موازين القوة والانحياز في اللحظة المناسبة.
مصادر
حنّا بطاطو (فلاحو سوريا)
مذكرات أكرم الحوراني
بشير زين الدين (الجيش والسياسة في سوريا)
موقع وزارة الدفاع السورية
الصراع على السلطة في سوريا لينيكولاس فاندام
حياتي والأعدام لمحمد ابراهيم العلي 
*****
تعقيب من القيادي البعثي والوزير الأسبق مروان حبش:
أولا، بدلا من أن تأخذ المعلومات عن اللواء السوداني ممن لا علاقة لهم بالمؤسسة صاحبة القرار، كان عليك أخذها من كتابي "البعث وثورة آذار" وهو بحوزتك.
لم يعزل اللواء السويداني، بل هو الذي أصرّ وبإلحاح شديد على الاستقالة، وكانت المرة الثانية التي قدم بها استقالته، بعد أن رفضت بالمرة الأولى.
ثانيا، كان قرار قيادة الحزب بعد حرب حزيران إلغاء الترفيع الاستثنائي، عندها اقترحت القيادة أن يكون عواد باغ نائب رئيس الأركان رئيسا للأركان، وطلبت من وزير الدفاع أن يأخذ رأي اللواء عواد الذي اعتذر عن قبول المنصب، مبديا استعداده العمل مع أي ضابط تسميه القيادة.
ثالثا، ولذلك اقترحت على وزير الدفاع بصفته قائدا للجيش أن يقترح من يرغب بالتعاون معه، وكان جوابه أن لا مرشح، ويتعاون مع من تسميه القيادة. عندها طلبت القيادة من المكتب العسكري بالقيادة قائمة بأسماء الضباط الحزبيين الأعلى رتبة، وكان من بينهم اسم المقدم مصطفى طلاس (على أبواب الترفيع لعقيد) وكان الاختيار له للأسباب التالية:
- كان عضوا منتخبا في المكتب العسكري ١٩٦٥ التابع للقيادة القطرية بعد حل اللجنة العسكرية.
- كان عضوا منتخبا في القيادة القطرية من المؤتمر القطري الذي عقد بشهر آب ١٩٦٥ حتى أقدمت القيادة القومية (مخالفة النظام الداخلي الحزب) بحل القيادة القطرية أواخر كانون إول ١٩٦٥. لذلك فإن اختياره لا يثير حساسية لدى رفاقه العسكريين لأنه كان في منصب سياسي رفيع من قبل. ولا علاقة لأهواء صلاح جديد بترشيحه، إنما كان له أثناء التصويت صوتا كيفية الأعضاء.
رابعا- حين تسمية المقدم طلاس رئسا للأركان لم يكن عضوا في القيادة القطرية.

أرجو احترام الموضوعية والخبر الصحيح من مصادره، ودمت بخير.