نكوص فكري وسياسي محلي بنكهة شيوعية
2026.02.18
خالد نعمة
في هذا اليوم الفضيل من تاريخي الحياتي، تفضـَّـل رفيقي (فادي ديوب) بتوجيه دعوة فيسبوكية للانضمام إلى مجموعة مفتوحة على هذه المنصة الاجتماعية اسمها (نحو حزب شيوعي سوري موحد) لغرض مناقشة العدد الجديد من جريدة (النور).
وليته لم يفعل، لأنـَّـه بفعلته هذه سيفتح باباً لا قبل له، ولا لمن يتسنمون المسؤولية القيادية في هذا الفصيل الشيوعي بإغلاقه أو حتى بتفنيد بعض ما سيقض مضاجعهم مما سيأتيهم منه نتيجة فتحه.
طبعاً هدف رفيقي الداعي نبيل، لكنه يغيب عن باله، أو هو على الأكثر يجهل، لأنَّ ذلك سابق لحياته الحزبية، أنـَّـني سليل مدرسة مناهضة عبادة الفرد وتأليه الشخصيات، كائنة ما تكون، ومهما كان دورها في تاريخ المجتمعات البشرية أو مساهمتها الإيجابية في تطوُّر هذه المجتمعات، فما بالكم إن كانت الألسنة تلوك ممارساتها وارتكاباتها، وإن كانت مسؤولة عن فظائع لا يمكن إغماض العين عنها حصلت بحق شعوب دولتها. وهو حتماً يجهل أنَّ مادة مترجمة عن الموسوعة الفلسفية السوفييتية بعنوان (عبادة الفرد) وبطول عشرين صفحة تتناول فظائع الحقبة الستالينية كانت هي أولى مساهماتي في العمل الصحافي الحزبي، وقد نشرت في أحد أعداد مجلة (دراسات اشتراكية) عام 1987 مروسة بعبارة (ترجمة: خليل نعمان) وهو أحد الأسماء السرية التي كتبت بها في الصحافة الحزبية الشيوعية.
عندما ولجت إلى موقع المجموعة صدمني منظر الصورة التي تزينه، والتي يرى فيها المرء بالترتيب ومن اليمين إلى اليسار وجوه ستالين ولينين وإنغلز وماركس على خلفية حمراء وبوجود المنجل والمطرقة والنجمة أيضاً.
عندما يتكلـَّـم المرء عن فصيل الموحد الشيوعي، فإنـَّـه ينبغي أن يتذكر أنَّ هذا الفصيل كان قد قطع شوطاً مهماً في مراجعته الفكرية، وأنـَّـه كان قد أنهى ارتباطه بكل ما يمتُّ إلى الستالينية فكراً على الأقل ابتداءً من منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وأنَّ ذلك كان قد تكرَّس في سياساته وبرامجه ووثائقه الصادرة والمعلنة، وقد استمرَّ ذلك النهج الصحيح سياسياً وفكرياً وأخلاقياً أكثر من عقدين ونصف على ما أعرف وأذكر، وإن لم يكن ذلك دون معارضة ومقاومة من بعض الرفاق هنا أو هناك.
قبيل مغادرتي سوريا بداية عام 2014 كان أكثر ما صدمني في مكتب الحزب آنذاك هو شاشة التوقف على حاسب الرفيق (نجم الدين خريط)، الذي كان عضواً في المكتب السياسي ومسؤول المكتب المالي المركزي، ولم يكن قد صار بعد أميناً عاماً لهذا الفصيل.
تلك الشاشة كانت صورة لستالين يطلُّ برأسه منها ليقول: عبثاً كانت محاولاتكم لتنقية صفوف الشيوعيين من آثار آثامي، وكان ذلك إعلاناً صامتاً عن التوجهات الجديدة التي بدأت تنهجها قيادة هذا الفصيل.
ستالين الإشكالي
تـُـعدُّ مقاربة هذه الشخصية من أكثر الموضوعات التاريخية إشكالية وتعقيداً في القرن العشرين، لأنَّ مسؤوليته جمعت في طيـَّـاتها بين بناء دولة صناعية عظمى، وقيادة هذه الدولة في ظل حرب وجودية، واتباعه لنظام قمعي واسع النطاق على مدى حكمه ترك بصماته الشديدة السلبية على مجمل التطور اللاحق، ولذلك فإنـَّـه من الصعب اختزال أمر تقييمه بحكم واحد بسيط.
ابتدأً حكم ستالين فعلياً في النصف الأول من عشرينيات القرن العشرين، وامتد إلى حين وفاته عام 1953، وخلال هذه الفترة رسـَّـخ نظاماً قائماً على سيطرة الحزب الواحد والتخطيط المركزي وعبادة الشخصية.
ويمكن تلخيص أعماله بالقضايا الآتية:
- التصنيع القسري من خلال خطط خمسية، وهو ما حوَّل الاتحاد السوفييتي من دولة زراعية إلى قوة صناعية كبرى خلال فترة قصيرة، إنـَّـما بتكاليف بشرية هائلة، وبمجاعات كارثية، خاصة في أوكراينا.
- أعمال القمع والتطهير المترافقة باعتقالات جماعية، وبوجود منظومة معسكرات العمل القسري ومستوطنات النفي (الغولاغ)، وبالإعدامات السياسية، وبأعمال التطهير الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من أهم الكادرات العلمية والفكرية والسياسية والعسكرية.
- دوره القيادي خلال الحرب العالمية الثانية، فقد لعب دوراً مركزياً في هزيمة ألمانيا النازية، ممـَّـا جعل الاتحاد السوفيتي قوة عظمى بعد هذه الحرب.
وهكذا فالإشكالية الكبيرة لهذه الشخصية تتأتى من أنـَّـها مسؤولة عن تحديث اقتصادي سريع، وقمع سياسي شامل، وتعبئة وطنية هائلة، ونظام خوف دائم، أي أنَّ ستالين هو مثال كلاسيكي على الزعيم الذي يبني الدولة عبر العنف المنهجي.
هذه المسائل المتناقضة والمتعارضة تجعل مسألة النظر إليه وإلى دوره صعبة ومتبدلة تبعاً لزاوية الرؤية والموقف السياسي والسياق الذي يجري في إطاره التقييم، ففي بعض الأوساط الروسية يـُـنظر إليه اليوم كرمز للقوة والانتصار، أمـَّـا في دول أوروبا الشرقية فيـُـنظر إليه كطاغية مسؤول عن معاناة واسعة، في حين أنَّ فترة حكمه تـُـصنـَّـف ضمن الدراسات الأكاديمية كنموذج للأنظمة الشمولية.
شخصيته من منظور نفسي فردي
وُلـِـد ستالين في بيئة فقيرة وعنيفة نسبياً في جورجيا القيصرية، وتشير روايات إلى تعرُّضه لعنف أبوي وإلى خبرات إذلال مبكرة. ويـُـنظر في علم النفس التحليلي إلى هذه الخبرات بوصفها أرضيةً لتكوُّن حساسية مفرطة للتهديد، وحاجة شديدة إلى السيطرة تعويضاً عن شعور مبكـِّـر بالعجز.
ومع ذلك لا يمكن إعطاء تشخيص يقيني لمثل هذه الشخصية التاريخية، لكنَّ كثيراً من الباحثين يرون فيه سمات بارانويدية تتجلـَّـى في ارتيابه الدائم وفي تفسيره للأحداث بوصفها مؤامرات ضده، وسمات نرجسية تعويضية تأخذ مداها في تضخيم الذات مع وجود هشاشة داخلية، وكذلك سمات سيكوباتية مثل القسوة الاعتلالية والبرود العاطفي وقابلية استخدام العنف أداتياً، وهذه السمات، تجعل العنف وسيلة منطقية لحسم الصراعات، إن وُجـِـدت.
وقد لعبت ديناميكية السلطة المطلقة دورها في تغذية ما يـُـسمـَّـى في علم النفس الاجتماعي بتضخـُّـم الأنا السلطوي، إذ إنَّ كل نجاح يـُـعزِّز الشعور بالعصمة لدى مثل هذا الفرد، وكلُّ معارضة تـُـؤوَّل كخيانة وجودية. ومع مرور الزمن، يصبح القمع آلية دفاع نفسية وسياسية في آنٍ واحد.
شخصيته من منظور نفسي اجتماعي
بعد الثورة البلشفية ونتيجة للحرب الأهلية، عاش المجتمع السوفييتي جملة تهديدات داخلية وخارجية وسياقاً من الخوف وعدم اليقين. وفي مثل هذه الأزمنة من القلق الجماعي يزداد الطلب على القائد الحازم، وينشأ ميل لدى الجماهير إلى تبسيط الواقع في ثنائيات من نمط (خائن ومخلص)، و(عدو ورفيق).
وفي هذه الظروف تطوَّرت آلة دعائية ضخمة، وعملت على صناعة كاريزما ستالين وعبادة شخصه من خلال احتكار الإعلام والتعليم، ومن خلال إعادة كتابة التاريخ وفلترته للإبقاء على ما يخدم صورة الزعيم الضرورة وربط الإنجازات الصناعية والعسكرية باسمه، مع التكرار المستمر، لتتكوَّن حقيقة رمزية كاذبة قد تطغى على الوقائع.
وفي هذه الظروف بالذات من حياة الأنظمة الشمولية تصير الطاعة والامتثال قيماً مطلوبة بشدة، فيرتكب الأفراد أفعالاً قاسية تحت إشراف سلطة شرعية، تماماً كما بيـَّـنت اختبارات (ستانلي ميلغرام) في (جامعة ييل) عن مدى انصياع الناس للسلطة حتى لو تعارضت تعليماتها مع ضمائرهم . ويعود ذلك إلى جملة أمور، وهي أنَّ الخوف من العقاب حقيقي، وأنَّ شبكات المراقبة تخلق مناخاً من الشك، كما أنَّ الصمت يصبح استراتيجية بقاء لدى الأفراد الأضعف معنوياً.
في مثل هذا المجتمع ينشأ تنافر معرفي لدى الأشخاص، إذ إنـَّـهم يدركون وجود الجرائم، لكنهم في الآن ذاته مستثمرون عاطفياً في النظام، ولتخفيف وقع ذلك عليهم، فإنـَّـهم يبرِّرون القمع بوصفه ضرورة تاريخية، وينكرون حجم الجرائم، والأنكى من ذلك أنـَّـهم يفصلون بين القائد العظيم الملهم وبين الجرائم الدنيئة والمخزية المرتكبة، التي يهبطون بتصنيفها إلى مستوى أخطاء مؤسفة.
وبوجود مشروع أيديولوجي يعد بالخلاص والعدالة التاريخية، تصير النظرة إلى القائد كأداة قدرية تدمج شخصه في هوية جماعية كبرى، ممـَّـا يحوِّله إلى رمز مركزي، فيقلُّ استعداد عامة الناس لمساءلته.
هل يقتضي الحزم طغياناً بالضرورة؟
باختصار شديد لا، ليس بالضرورة، لكنَّ الفارق بينهما يتحدد بالبنية المؤسساتية وبالحدود الأخلاقية وبكيفية ممارسة السلطة.
مفاهيمياً، فالحزم يعني وضوح القرار وسرعة الحسم عند الضرورة وتحمـُّـل المسؤولية وتطبيق القانون بثبات، أي أنـَّـه يتعلـَّـق بطريقة اتخاذ القرار، أمـَّـا الطغيان فيعني تركـُّـز السلطة دون رقابة وإخضاع القانون لإرادة الفرد واستخدام الخوف والعنف كأداة حكم وإلغاء التعددية، أي أنَّ الطغيان يتعلـَّـق ببنية السلطة وحدودها.
لكنَّ الحدود بين الحزم والطغيان ليست كتيمة كي تمنع حصول الأسوأ، فغالباً ما يصير الحزم طغياناً عندما تنعدم الضوابط المؤسسية في ظلِّ غياب القضاء المستقل والإعلام الحر وعدم وجود البرلمانات الفعـَّـالة، وعندما يـُـختزل الوطن في شخص القائد ضمن النظام الشمولي حيث يصبح القرار السياسي مرادفاً لإرادة الفرد، وكذلك عندما يـُـبرَّر العنف كضرورة دائمة، فتصير حالة الطوارئ المؤقتة وضعاً دائماً.
وهكذا، فالحزم فضيلة سياسية عندما يخدم القانون ويحترم كرامة الإنسان ويخضع ممارسه للرقابة، وهو يصبح طغياناً عندما يخدم بقاء الحاكم ويضعه فوق القانون ويستخدم الخوف بدل الإقناع لتكريس السيطرة.
هل الحزم نقيض الديمقراطية؟
بالتأكيد لا، فالقضية ليست إمـَّـا الحزم أو الديمقراطية، فالديمقراطيات تحتاج أحياناً إلى حزم، خصوصاً في ظل أزمات الحروب، وخلال انتشار الأوبئة والجائحات، وأثناء الأزمات المالية، لكنَّ الحزم الديمقراطي يتميـَّـز بـالشرعية الانتخابية والرقابة البرلمانية والقضائية والشفافية والمساءلة وبالمحدودية الزمنية للصلاحيات الاستثنائية.
وفي هذه الحالة، لا يـُـمارَس الحزم ضد المجتمع، بل باسمه وضمن قواعد متفق عليها.
ومن منظور نفسي اجتماعي، فالمجتمع القلق يميل إلى تظهير القائد القوي وتلميعه، لكن وجود ثقافة سياسية راسخة يحدُّ من تحوُّل القوة إلى قهر، أي أنَّ المشكلة ليست في الحزم ذاته، بل في غياب التوازن بين السلطة والمسؤولية وغياب الثقة بالمؤسسات.
فلسفة السلطة بين الفرد والجماعة
واحد من الأسئلة الواجبة الطرح هو: لماذا يركز الناس في بحثهم عن حلول على مسألة القائد القوي بدل تركيزهم على الجموع القوية؟ أو بصياغة أخرى: لماذا ينبغي أن يحتكر الفرد عوامل القوة في حين تبقى بقية الجماعة ضعيفة ومرتهنة لقوته؟
يميل العقل البشري نفسياً إلى تشخيص المجرَّد، فالدولة فكرة معقـَّـدة، لكنَّ القائد صورة ملموسة،
فالناس تتعامل بسهولة أكبر مع وجه وصوت ورمز، بدلاً من بنية مؤسسية معقدة، ولهذا تصير القوة والسلطة شخصاً لا نظاماً.
كما أنـَّـه عند الأزمات يصير اليقين حاجة، فالغموض مرهق، ووجود قائد قوي يعطي شعوراً بالوضوح والحسم، حتى لو كان هذا الشعور مبسـَّـطاً، في حين أنَّ توزَّع القوَّة بين المؤسسات المحكومة بنقاشات وتوازنات تبدو أبطأ وأقل إثارة، مع أنـَّـها غالباً أكثر استقراراً.
والأمر الأكثر أهمية في هذه المسألة هو أنَّ وجود الجماهير القوية ذو كلفة معرفية، لأنـَّـه بحاجة إلى مواطنين مطـَّـلعين لهم مشاركة سياسية نشطة ويقومون بمساءلة مستمرة، وهذا يتطـَّـلب منهم وقتاً وجهداً وثقافة سياسية، أمـَّـا تفويض القوة لشخص واحد فهو أسهل نفسياً، لأنـَّـه يلقي مسؤولية أقل على الفرد العادي.
إذن، في الأنظمة المفتقرة إلى مؤسسات راسخة يظهر ميل ونزعة لتركيز القوة بيد فرد بسبب ضعف المؤسسات ضعيفة ولسيادة الخوف وعدم اليقين ولأنَّ الثقافة السياسية فردانية أبوية، وفي المقابل لا تقوم الديمقراطيات المستقرة على وجود القائد القوي، بل على فصل للسلطات واستقلال القضاء ووجود مجتمع مدني فعـَّـال لا تكون القوة فيه محتكرة وإنـَّـما موزَّعة وقابلة للمراجعة.
دورات تاريخية للتأرجح بين الفردانية والمؤسساتية
تعيش المجتمعات البشرية في دورات تطورية تتغير فيها صيغة الحكم بين الفردي والجماعي، ويتحكـَّـم بحدوث هذه الدورات عوامل عديدة يمكن تحليلها على مستويين:
في المستوى الأول البنيوي المتعلـَّـق بالمؤسـَّـسات والاقتصاد، فإنَّ هذه الدورات كثيراً ما ترتبط بـالأزمات الكبرى كالحروب والانهيارات اقتصادية وفي ظلِّ التفكـُّـك الاجتماعي، ففي هذه اللحظات يميل المجتمع إلى طلب تركيز السلطة من أجل الإنقاذ، أمـَّـا في حالة الاستقرار الطويل
وبعد عقود من هذا الاستقرار، فإنَّ المطالبة بالمشاركة والحقوق تتعزز ، وتتأجج المطالبة بتوزيع السلطة، كما يلعب التحوُّل التكنولوجي ومعه وسائل الاتصال دوراً هاماً إمـَّـا في تعزيز الرقابة المركزية وسلطة الدولة الأمنية، أو في تشبيك المجتمع وتعزيز التنظيم الشعبي.
وفي المستوى الثاني النفسي الاجتماعي تتأرجح المجتمعات بين حاجتين إنسانيتين أساسيتين، وهما الحاجة إلى الأمن واليقين، والحاجة إلى الحرية والاعتراف الفردي.
لذلك، عندما يطغى الخوف، يتقدَّم الأمن، وعندما يسود الاطمئنان، تتقدَّم الحرية، وتـُـنتج هذه الجدلية حركة بندولية.
لا يوجد مؤقـِّـت كوني أو ساعة زمنية يحدِّدان دورية حدوث هذه التغيـُّـرات في المجتمعات البشرية، لكنَّ بعض الأنماط التاريخية تشير إلى دورات سياسية قصيرة ضمن جيل واحد، أي كل ثلاثين أو أربعين سنة، كما هو في النظرية الدورية الحضارية وفق المؤرخ (أرنولد توينبي)، الذي رأى أنَّ الحضارات تمرُّ بمراحل نشوء وازدهار وتحدٍّ ثـُـمَّ تفكـُّـك، وفيها تـُـحدِّد الاستجابة للتحديات مسار الدورة.
وهناك أيضاً موجات اقتصادية طويلة كل خمسين أو ستين سنة، وقد تحدَّث عنها الاقتصادي (نيكولاي كوندراتييف) وربطها بالابتكار والأزمات.
كما أنـَّـه توجد دورة حضارية جيلية كبرى تدوم تقريباً بين ثمانين ومئة سنة وفق نظرية الجيل الرابع التي اقترحها الكاتبان (ويليام شتراوس) و(نيل هاو)، وفيها تعقب فترات الاستقرار أزمات كبرى تعيد تشكيل النظام.
وهذه طبعاً ليست قوانين صارمة، بل ملاحظات إحصائية تاريخية، لكن هل هذه الدورات حتمية؟
بعض المفكرين يرونها شبه حتمية، لأنـَّـها مرتبطة بطبيعة الإنسان، بينما يراها آخرون نتيجة تراكم لقرارات بشرية يمكن تعديلها بالوعي والمؤسسات. وبمعنى آخر، فهذه الدورات ليست قدراً ميكانيكياً، لكنـَّـها أنماط ميل ونزعات يمكن كبحها أو تسريعها.
الأولية لمن للفرد أم للجماعة؟
في ظل الأزمات المزمنة والعضال، التي تعيشها مجتمعاتنا البشرية في وقتنا الحالي، تصير الإجابة على السؤال التالي واجبة:
هل البشرية الآن في طور صعود الطلب على القوة الممركزة بسبب الأزمات المتتالية؟ أم إنـَّـها في طور إعادة توزيع القوة عبر المجتمع المدني والاتحادات فوق القومية؟
الإجابة على هذا السؤال ليست يسيرة، فهناك جماعات لا يستهان بحجومها تطالب بقوة مركزية، وهي تقابل بجماعات واسعة أيضاً تدافع بكل ما تستطيع عن مبدأ توزيع القوة والصلاحيات لمنع تمركز السلطة بيد فرد أو أفراد، ونتيجة الصراع بين الطرفين غير محسومة، وهي تتعلق بميزان القوى الاجتماعية والتغييرات في أحجام هذه القوى وأعداد مناصريها، لكنَّ هذا الميزان نفسه لا يتشكل عشوائياً، بل تحكمه عوامل يمكن رصدها، وضمن هذه العوامل البنية الديموغرافية، فالأجيال التي عاشت أزمات حادة تميل غالباً إلى تفضيل الحسم والاستقرار، أمـَّـا الأجيال التي نشأت في رخاء نسبي، فتميل إلى توسيع الحقوق والمشاركة.
وضمنها أيضاً مسألة توزيع الثروة والفرص، فاتساع الفجوات الاقتصادية يولـِّـد شعوراً بالتهديد أو التهميش، ممـَّـا يغذي خطاب القبضة القوية وصعود الخطاب اليميني الشعبوي وحتى الفاشي بشكليه القومي والديني، أمـَّـا الطبقات الوسطى المستقرة فتميل عادةً إلى الدفاع عن المؤسسات التمثيلية.
ويدخل ضمن هذه العوامل الثقة بالمؤسسات، فحين تضعف الثقة بالقضاء أو الإعلام أو الأحزاب، ترتفع جاذبية القائد المنقذ، أمـَّـا عندما تكون المؤسسات فعـَّـالة وشفافة، فإنـَّـها تـُـغني عن الحاجة إلى شخصنة القوة.
وهنا تأتي البيئة الدولية كعامل إضافي مهم، فالتهديدات الخارجية تدفع نحو المركزية، أمـَّـا
فترات الانفراج الدولي فتسمح بتجارب لامركزية أوسع.
ومع ذلك فنتيجة الصراع بين النزعتين ليست صفرية دائماً، لأنَّ مركزة السلطة وتوزيعها ليسا نقيضين مطلقين، فكثير من الأنظمة الديمقراطية تحاول الجمع بين حسم تنفيذي قوي في الأزمات وضوابط مؤسسية صارمة تمنع الانزلاق إلى الاستبداد.
وبمعنى آخر، فالسؤال المطروح ليس خياراً بين القوة الممركزة والحرية، بل في كيفية تشكيل السلطة بحيث تبقى خاضعة للمساءلة؟
وهنا ينبغي ألا يغيب عن البال عامل الزمن، فميزان القوى الاجتماعي يتغيـَّـر ببطء نسبي، لكنـَّـه قد ينقلب بسرعة عندما تكون هناك أزمة اقتصادية حادة أو في حال حصول هجوم أمني كبير، أو إن حدث تحوُّل ثقافي مفاجئ.
ويـُـظهر التاريخ أنَّ المجتمعات لا تستقر طويلاً عند أحد الشكلين، بل تميل إلى البحث عن توازن جديد كلما اختل القديم، ولذلك يصير لزاماً البحث في كيفية بناء ثقافة سياسية تجعل القوة الموزعة جذابة عاطفياً بمقدار جاذبية صورة القائد القوي، أي في كيفية خلق الرمز الجماعي للقوة بدل الفرد الرمز.
في سر الحنين إلى ستالين والستالينية
كان المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي المنعقد عام 1956 مؤتمراً انعطافياً بحق، فقد جرى فيه تلاوة خطاب خروشوف الأمين العام لذلك الحزب آنذاك، والذي كشف في خطابه جانباً من جرائم عهد ستالين المستورة والمعلومة، فتمت إدانة الستالينية بصفتها نهجاً مارقاً وسياسة تعارض المصالح الحقيقية لجماهير الكادحين السوفييت، وجرى فيه فضح جرائم واسعة النطاق مرتكبة في عهد ستالين والممارسة بحق ملايين الأفراد من القوميات والشعوب السوفييتية بالدرجة الأولى وبحق أعضاء الحزب الشيوعي السوفييتي ذاتهم وبحق الشيوعيين في بلدان أخرى، فما الذي يدفع أنصار أحزاب شيوعية صغيرة عدداً وتأثيراً في أمكنة آخرى من هذا الكوكب، كي يقوموا هم بعبادة شخصه، ولعدِّه مثلاً أعلى لهم وقدوة، مع أنـَّـهم يزعمون العداء للديكتاتوريات في بلدانهم؟
يمسُّ هذا السؤال مفارقة نفسية أيديولوجية عميقة، إذ كيف يمكن لأشخاص يعلنون رفضهم للديكتاتورية أن يـُـمجـِّـدوا زعيماً ارتبط اسمه بالقمع، حتى بعد إدانته؟
فهم هذه الظاهرة يمرُّ عبر عدَّة آليات نفسية واجتماعية، وهي:
- الفصل بين الفكرة والتجسيد، فبعض أنصار ستالين لا يدافعون عن كل أفعاله، بل يعيدون تعريفه رمزياً بأنـَّـه باني الدولة الصناعية وقاهر النازية وحامي المشروع الاشتراكي. وعلى هذا الأساس يجري انتقاء جوانب محددة من سيرته وفصلها عن بقية الصورة، وهذه آلية نفسية معروفة لتقليل التنافر المعرفي.
- الرمز بوصفه هوية، فالأحزاب الصغيرة أو المهمـَّـشة تحتاج إلى هوية صلبة أقوى، كما أنَّ الرمز التاريخي يمنحها شعوراً بالامتداد والشرعية. ولذلك، فكلـَّـما كان الحزب أضعف اجتماعياً، زادت حاجته إلى رموز قوية تعوِّض ضعفه الواقعي.
- الشك في الرواية الرسمية، فبعض التيارات الحزبية ترى أن نقد ستالين كان صراعاً داخلياً على السلطة أو تحريفاً وحيوداً عن الخط الثوري. وفي هذه الحالة، لا يـُـرفض نقد الستالينية ونقد صاحبها فقط، بل يـُعاد تأطير هذا النقد كخيانة للمشروع الشيوعي الأصلي.
- مفهوم الضرورة التاريخية، إذ ثمة تبرير شائع يقول إنَّ المرحلة كانت تتطلب قسوة استثنائية، وهنا يجري الفصل بين الأخلاق الفردية ومنطق التاريخ، وتكون النتيجة تبريراً القمع كتكلفة مرحلية من أجل بناء مجتمع عادل مستقبلاً.
- البعد النفسي العاطفي، فالرموز الثورية تمنح إحساساً بالقوة ووضوحاً أيديولوجياً وشعوراً بالانتماء إلى مشروع كوني. وهذه العوامل قد تتغلب على الوقائع التاريخية الصادمة، خصوصاً عندما لا يكون الحزب في موقع سلطة فعلية، أي أنَّ تمجيد الرمز لا يترتب عليه مسؤولية عملية.
- مفارقة نحن ضد الديكتاتورية الممارسة بحقنا فقط، فبعض أنصار الستالينية يفرِّقون بين ديكتاتوريتين، واحدة طبقية رجعية مرفوضة جملة وتفصيلاً، وأخرى ممارسة باسم الطبقة العاملة اسمها ديكتاتورية البروليتارية، والتي تـُـقدَّم كأداة انتقالية. وبهذا المنطق، يـُـعاد تعريف الاستبداد لغوياً بحيث لا يـُـسمـَّـى استبداداً إذا خدم قضية الستالينيين، التي هي قضية صحيحة بالضرورة، كما يعتقدون، أي أنَّ الغاية في عرفهم تبرِّر الوسيلة، مهما كانت الوسائل غير إنسانية وبعيدة عن حفظ الكرامة الإنسانية وحق الإنسان في الحياة وحريته في التعبير عن رأيه المختلف وحتى المعارض.
وعلى هذا الأساس، فتمجيد شخصية مثيرة للجدل في سياق بعيد جغرافياً وزمنياً لا يعني بالضرورة جهلاً بالوقائع، بل قد يكون نتيجة انتقاء رمزي وحاجة هوياتية وتبرير أيديولوجي أو آليات دفاع نفسية ضد التناقض.
كلمة ختامية
من حيث يدري هؤلاء الرفاق، أو من حيث لا يدرون، فإنـَّـهم بتمجيدهم لشخصية ستالين وللستالينية ينفخون روحاً جديدة في جسد الديكتاتورية المتهالك في بلدانهم، ويعطون كل المبرِّرات لجماعة تمجيد القائد الفرد والضرورة أو لأنصار الزعيم المخلـِّـص والهادي. فمن يرى في ستالين قدوة ومثلاً أعلى ورمزاً، لا يمكنه أن ينزع تلك الصفة عن معبود جماهير أخرى، مثل: المجرم صدام حسين، أو الجزار الفار بشار الأسد، أو حتى عن مشروع ديكتاتور قيد الإنشاء والتكوين قادم من مجاهل تورا بورا أو من مخابر المخابرات أو الدوائر العسكرية.