مع بدء عروضها مساء اليوم في دار الأوبرا "الليلة التي سبقت الغابات".. الإنسان بحاجة لمن يسمعه ويتواصل معه
2026.05.18
أمينة عباس- فينكس
تبدأ مساء اليوم في دار الأوبرا عروض مسرحية "الليلة التي سبقت الغابات" للكاتب الفرنسي برنار ماري كولتيس، دراماتورجيا وإخراج منتجب صقر. تمثيل غسان الدبس ورشا الزغبي، والعمل ينتمي لما يسمى مسرح ما بعد الدراما، وهو مشروع يحرص صقر من خلاله على تعريف الجمهور السوري بالنصوص الأوروبية التي تندرج تحت هذا المسمى. وقد سبق له أن أعد ضمن هذا المشروع نصوصاً وقراءات مسرحية قدمها بعد تبيئتها في المركز الثقافي الفرنسي خلال عامي 2010–2011.
ويبين صقر في تصريحه لفينكس أن مسرح ما بعد الدراما هو مسرح دون قصة تقليدية أو تطور درامي، وقد كتب نص "الليلة التي سبقت الغابات" عام 1977، وهو أول نصوص كولتيس المسرحية، الذي سبق وترجمه صقر عن اللغة الفرنسية ونشر ضمن منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وأنه اليوم يقدم لأول مرة في سورية. مؤكداً صقر أن خياره في الاشتغال على هذا النص والنصوص الغربية عامة ما هو إلا جزء من مشروعه الذي تبناه منذ سنوات في تعريف جمهور المسرح السوري بكتاب عالميين للوقوف على السرديات المختلفة التي يقدمونها في نصوصهم، مع محاولة تبيئتها لتكون أكثر قرباً منه، مع المحافظة على روح النص الأصلي.
ورداً على سؤال: "إنك طالما تقوم بعملية إعداد وتبيئة لهذه النصوص، لماذا لا تلجأ إلى النصوص المحلية؟" لا يتردد صقر بالإشارة إلى أنه يفعل ذلك رغبة في التنويع، خاصة وأن النصوص التي ينتقيها تحاكي الإنسان في أي مكان أو أي زمان، وهي تنتمي للمسرح الحميمي الذي يتناول قصصاً قصيرة، كمسرحية "الليلة التي سبقت الغابات" التي تسلط الضوء على حالات التشرُد والضياع والفقدان التي تعاني منها شخصيتا المسرحية في مجتمع لا يصغي أبداً لأمثال هؤلاء الناس، ولا يبدي انتباهاً لا لحاجاتهم ولا لأحاسيسهم الداخلية، لتكون المسرحية فرصة للاستماع إلى منولوجاتهم التي يبوحون من خلالها عن معاناتهم وآلامهم للجمهور حينما أصبح من المستحيل وجود أشخاص تبادلهم أطراف الحديث.
وفي خضم هذا التذمر، تحلم الشخصية بتأسيس "قبيلة للدفاع عن المشردين في العالم"، لتكون إحدى أدوات الدفاع عن حقوقهم، ووضع حد للاستغلال الذي يتعرضون له، للتأكيد على أن الإنسان بحاجة لمن يسمعه ويتواصل معه دوماً: "تشكل موضوعات الاغتراب، والوحدة، والهجرة، والاضطهاد، وعدم المساواة جوهر مسرحيات برنار ماري كولتيس.
وتُعد هذه المسرحية صرخةً عاليةً في وجه المجتمع الغربي بكل تعقيداته وتجاوزاته الإنسانية، ودعوةً للتفكير في وضع هؤلاء الناس 'المشردين' الذين لا يسمعهم أحد".
مسرح فقير
ويشير صقر إلى أن النص الأصلي هو عبارة عن مونودراما، إلا أنه في عملية الإعداد أصبح يضم شخصيتين، مع محافظته على مقولات النص الذي كتبه كولتيس، كما حاول كمخرج تقديم حلول إخراجية بسيطة – مسرح فقير - بعيداً عن الإبهار الذي لا يتناسب مع مقولات العمل، ولرغبته في تقديم عرض تكون فيه الكلمة والحالة الانفعالية للممثلين هي الأساس، دون الاستناد على ديكور ضخم أو مؤثرات لا داعي لها إلا بمقدار ما يخدمهما، ضمن حرية منحت لهما في التحرك ضمن التوجه العام للنص المعد: "لا أدافع عن النص دفاع الأعمى، وأهم ما يعنيني كمخرج تجسيد الكلمة والفعل".
غسان الدبس
كسر قواعد اللعبة المسرحية
وعبر الفنان غسان الدبس، والذي يقوم بدور المتشرد في المسرحية، عن سعادته بالمشاركة في هذا العمل والوقوف على خشبة المسرح إلى جانب الفنانة رشا الزغبي: "المسرح كينونتي الحياتية، ولا أستطيع الابتعاد عنه نهائياً، وأنا سعيد بوجودي مع الفنانة رشا الزغبي شريكتي المميزة التي أجتمع معها في هذا العمل بعد فترة طويلة". موضحاً الدبس، وهو الذي في رصيده عدد كبير من الأعمال كممثل: "شخصيتي في العمل هي شخصية جديدة تبحث عن العلاقة الإنسانية الجميلة بشكل أو بآخر، وحتى لو كان هناك تشابه بين عمل وآخر كآلية نص، ولكن ما هو مؤكد أن لكل عمل روحه وحياته وشخصياته، وهذا يتطلب من الممثل أن يكون بحالة تجديد دائم بأدواته وروحه وصوته ونفسه وحركته، لأن أي شخصية غير متجددة تموت، مع الاعتراف أن لكل ممثل أدواته وآلية بحثه فيما يتناسب مع تركيبة الشخصية التي يقوم بها، وهي تقوم على دراسة الشخصية بكل منمنماتها لإيجاد أدواتها".
ويؤمن الدبس أن حب الممثل للفن بشكل عام هو ما يدفعه دوماً للبحث عما هو جديد لصقل أدواته باستمرار، ودون ذلك سيقع في مطب التكرار. وأن أولويات الممثل الشاطر في أي عرض يشارك فيه البحث في النص: تاريخه، مكانه وزمانه، والمدرسة التي ينتمي لها المخرج، وفهم خطة العمل الإخراجية لينطلق من أدواته في بناء هارموني بينه وبين المخرج والعمل ككل بهدف تقديم عمل ناضج وجميل.
وحول نص "الليلة التي سبقت الغابات" يقول الدبس: "من النصوص الأوروبية المعاصرة التي تجاوزت المفهوم الكلاسيكي للمسرح الغربي بشكل عام، بكسر كل قواعد اللعبة المسرحية وخاصة القواعد الكلاسيكية الثلاثة، وهذا حملني مسؤولية مضاعفة في فهم تركيبة الشخصية وتطلب مني المزيد من البحث لتقديم عرض يمكن من خلاله التوجه للجمهور وتحقيق عملية التواصل معه عبر نص جميل يقوده مخرج لديه تصوراته التي تعبر عن النص بالشكل الأمثل".
رشا الزغبي
لا نستطيع التغريد خارج سرب الواقع تعود الفنانة رشا الزغبي من خلال هذا العمل إلى خشبة المسرح بعد غياب دام لعدة سنوات، ولا تنكر أن هذه العودة وما تركته في نفسها جعلها تندم على هذا الانقطاع الذي كان خارج إرادتها ولأسباب تتعلق بظروف العمل في المسرح وما يعانيه على صعوبة الأجور.
مبينة أن مسرحية "الليلة التي سبقت الغابات" من المسرحيات الواقعية بمضمونها، وهي التي تعبر عن أوجاع وآلام الناس المشردة والمهمشة والمحملة بانكسارات كثيرة، وقد عاشت حالات الفقدان والوحدة، تمارس حياتها دون أن يلتفت إليها أحد، لنكتشف خلال العرض أن شخصياتها ليست بحاجة إلا لمن يستمع إليها لتخرج ما راكمته في داخلها من أحزان.
موضحة أيضاً أن العمل وإن كان يحمل شحنة وجع كبيرة، والبعض قد يقول "مو ناقصنا"، إلا أنها مؤمنة بأننا لا نستطيع التغريد خارج سرب الواقع، ويجب أن نتذكر دائماً أوجاعنا ونستمر في الإشارة إليه، لعلنا نجد حلولاً لها أو على الأقل التخفيف من حدتها.
وعن علاقتها كممثلة بشريكها في العرض الممثل غسان الدبس والمخرج منتجب صقر، تضيف الزغبي قائلة: "هذه هي التجربة الأولى مع المخرج، وقد سعدت بوجودي معه في هذا العمل الهام، الذي كنت فيه شريكة مع الممثل الصديق غسان الدبس، الذي سبق أن تشاركنا معاً في عدة أعمال مسرحية، وهذه الصداقة والشراكة معه جعلتني أعمل بكل أريحية في العمل".
يذكر أن عروض "الليلة التي سبقت الغابات" تقدم أيام 18/19/20 أيار على خشبة القاعة المتعددة الاستعمالات في دار الأوبرا بدمشق.