رحيل التشكيلي سليمان منصور حارس الذاكرة الفلسطينية
أمينة عباس - فينكس
شكّل رحيل الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور منذ أيام حدثاً مؤلماً في الأوساط الثقافية والفنية في العالم العربي، وهو الذي حمل لقب حارس الذاكرة الفلسطينية بعد أن أصبحت أعماله رمزاً للهوية الوطنية الفلسطينية.
وبرحيله تفقد فلسطين أحد أهم أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، وأبرز الأسماء التي أسهمت في بناء الحركة الفنية الفلسطينية وتطوير حضورها عربياً ودولياً، بعد مسيرة فنية امتدت نحو خمسة عقود، قدّم خلالها مئات اللوحات والأعمال التي تصدّرت معارض في العالم العربي وأوروبا وآسيا والولايات المتحدة، وأصبحت ضمن مقتنيات المتحف البريطاني وغوغنهايم أبوظبي ومعهد العالم العربي في باريس ومؤسسة بارجيل للفنون في الشارقة.
الفن المقاوم
انطلاقاً من إيمانه العميق بدور الفنان في مواجهة محاولات طمس الهوية والذاكرة، وأن الفن المقاوم سيبقى أحد أهم أدوات الدفاع عن الهوية والأرض والسردية الفلسطينية ترجم منصور بريشته قضيته وأوجاع شعبه، واستحضر في أعماله كل الرموز الفلسطينية: "العباءة، والكوفية الفلسطينية، والأزياء الشعبية، والثوب، والتطريز، والزيتون، والبرتقال، والقرية، والمرأة الفلسطينية" رداً على المحاولات الصهيونية المكثفة لإنكار وجود الشعب الفلسطيني ومحاولة طمس هويته، فتحولت أعماله إلى قاموس يحفظ هوية شعب من محاولات المحو والنسيان وها هو يبين في أحد حواراته أنه وخلال الانتفاضة الأولى (1987م – 1993م)، كان شعوره مثل غيره من الفنانين بالعجز عن المنافسة في مواجهة طوفان الصور الفوتوغرافية التي تتابع الحدث وتغرق الميديا العربية والعالمية بسيل من الصور الفورية. فرأى أنه من الضروري الدخول في تجارب فنية جديدة، فأسس بالاشتراك مع عدد من الفنانين مجموعة "نحو التجريب والإبداع"، وبظل الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية ومنها الألوان والأدوات التقليدية، وجد منصور أن الفن الفلسطيني في مفترق طرق، وأن الفرصة باتت مواتية لأن يعتمد على نفسه في التجريب والاكتشاف، فما كان منه ومن أصدقائه الفنانين إلا الاعتماد على مواد خام طبيعية مثل القهوة والحنة والطين، لتوثق مرحلة مهمة من تاريخ الفن الفلسطيني: "حيث لم يعد الفن مجرد تعبير عن السياسة، بل أصبح الإنتاج الفني بحد ذاته فعلاً سياسياً"، واستطاع من خلال مجموعة من الأعمال التي استخدم فيها الطين مادةً فنية إنتاج سلسلة من الأعمال بدأها عام 1996م بعنوان "أنا إسماعيل".
جمل المحامل
تحولت لوحته الشهيرة "جمل المحامل" إلى أيقونة فنية وشعبية اختزل فيها معنى الصمود والتمسك بالأرض والهوية، حيث القدس فيها محمولة على أكتاف الفلسطينيين، وأصبحت هذه اللوحة على جدران كل بيت فلسطيني في الداخل أو الشتات أو المنفى. وعنها يقول منصور: "حاولت عام 1971م رسم الحمال في أزقة القدس، حيث كان الحمال جزءاً من مشهد القدس القديمة. وفي عام 1973م تطورت لوحة الحمال إلى شخص يحمل القدس على ظهره، وبوسطها قبة الصخرة بعد أن حذفت كل المؤثرات البصرية التي قد تشوش على الفكرة، وأصبح الحمال يسير في فراغ تام والقدس على ظهره، وفي البداية، شعرت أن اللوحة التي أنجزتها مجرد عمل فني جميل وقوي، وظننت أنها ستمر كأي لوحة سبقتها أو لحقت بها، ولم أحلم أن يكون لها كل هذا الصدى والاهتمام فلسطينياً وعربياً. ومع مرور الوقت، أصبحت رسمة الحمال موضوع نقاش بين الفنانين والصحفيين وحتى السياسيين، وبدأت رموزها تتضح لي شيئاً فشيئاً، وترسخت قيمتها بمرور السنين".
الفن الحقيقي لا يكذب
مع بداية الثمانينيات، اتجه منصور التشكيلي والنحات للعمل في مجال الصحافة الأجنبية، خصوصاً في الرسوم المرافقة للمقالات. يقول: "حينها أدركت قدرة الفن على التأثير في القارئ الأجنبي أحياناً بشكل أسرع وأعمق مما تتركه المقالات السياسية الطويلة والمكررة، وترسخ لديّ إيمان قوي بأن الفن بكل أنواعه قادر على مخاطبة قلوب البشر بعمق أكبر من الخطب والمقالات السياسية، وأن أثره يمكن أن يستمر ويؤثر في النفس الإنسانية لفترات طويلة، بشرط أن يحترم الفنان جمهوره. فالفن الحقيقي لا يكذب أبداً، والفن الصادق، كالمعدن النفيس، لا يفقد بريقه ولا يمكن تزييفه"..
وكان منصور يفضّل دائماً أن يُنظر إليه كفنان فلسطيني قائلاً: "هذه هي الحقيقة، ولقد أثبتت الأحداث أن قضية فلسطين قضية عالمية تهم كل الناس الذين يهمّهم العدل ويكرهون الظلم والتنمر. فيكفيني أن أكون فناناً فلسطينياً وفقط، لأنني بذلك أكون فناناً إنسانياً يحمل رسالة عالمية". في حين وصف الفنانين الفلسطينيين في أحد حواراته بالأبطال، لأنهم استطاعوا أن يؤكدوا وجودهم على الساحة الفنية العربية مستفيدين في بحثهم عن عناصر بصرية جديدة من فنون المنطقة القديمة، كالفن الكنعاني، والفنون الإسلامية، واعتصامهم بالتراث والمشهد الطبيعي، الذي يشمل العمارة الشعبية والمناطق الزراعية وأثر الفلاحين فيها بما تحويه من أشجار مختلفة كالزيتون والبرتقال، ونباتات كالصبر، وأزهار برية، وطيور وحيوانات.
سليمان منصور
ولد في قرية بيرزيت قرب رام الله عام 1947م، وأمضى فترة الطفولة والمراهقة في مدرسة داخلية في بيت لحم، وساق له القدر أستاذاً ألمانياً انتبه إلى موهبته فوفّر له كل ما يلزم لتطويرها، وكانت البداية عندما حفّزه للمشاركة في مسابقة فنية لأطفال العالم من خلال الأمم المتحدة، والتي فاز فيها بالجائزة الأولى، ويذكر منصور أن هذه الجائزة كانت نقطة تحول كبيرة في حياته وفي توجهه نحو الفن، إلا أن هزيمة 1967م منعته من السفر إلى الولايات المتحدة للدراسة، فالتحق بكلية الفنون في القدس الغربية، وكان لبقائه في فلسطين أثر كبير في توجهه الفني وخياراته الثقافية والسياسية والحياتية. فنتيجة الممارسات الظالمة ضد شعب فلسطين، وفي بداية السبعينيات من القرن العشرين، أسس رابطة الفنانين التشكيليين في الأرض المحتلة مع عدد من الفنانين، وكانت هذه الخطوة نقطة محورية ساهمت في بلورة أسلوبه وتوجهه الفني من خلال إقامة العديد من المعارض الفنية، التي التقى فيها بالجمهور المتعطش للفن، والذي جعله يدرك أهمية هذا الفن في تعبئة الناس. وللوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الشعب الفلسطيني، وخاصة في الريف والمخيمات، عمد مع أعضاء الرابطة إلى طباعة أعمالهم الفنية في ملصقات وتوزيعها في كل مكان، وقد أدى ذلك إلى تعريف واسع بالفنانين وإنتاجهم الفني، مارس التصوير الزيتي ورسم الكاريكاتير السياسي في الصحافة المحلية والرسوم الإيضاحية في الكتب التعليمية، وأنجز مجسمات بالجبس، وقام بالدق على النحاس وتطعيمه وصياغة الخزف، صمم الملصق السياسي، وأنجز جداريات فسيفسائية، وشارك في الفترة بين عامي (1985م–1987م) في تأليف كتاب "الملابس الشعبية الفلسطينية" وكتاب "دليل التطريز الفلسطيني"، عمل في مجال تدريس الفن في العدي من الجامعات الفلسطينية، وهو عضو الهيئة الإدارية لرابطة التشكيليين الفلسطينيين منذ عام 1975م ورئيسها في الفترة (1986م– 1990م)، وكان رساماً للكاريكاتير السياسي في صحيفة الفجر المقدسية الصادرة بالإنجليزية بين عامي (1981م - 1993م)، وفي مجلة العودة التي كانت تصدر في الأرض المحتلة بين عامي (1986م – 1992م)، أقام عدة معارض شخصية في نيويورك والشارقة و النرويج والقاهرة، وشارك في عدة معارض جماعية في فلسطين، واشنطن، بيروت، موسكو، أوسلو، الكويت، المغرب، نيويورك، عمّان، ستوكهولم، باريس، كوريا، قطر، حصل على عدة جوائز منها: الجائزة الكبرى في بينالي القاهرة التاسع عام 1998م، وجائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية لعام 2019م، وجائزة النيل للمبدعين العرب للعام 2025م وهي أرفع الجوائز التي تمنحها الدولة المصرية.