مع الفهد.. وفيلمون وهبي.. الموهبة.. لا لغة لها ولا هوية..!
2026.08.27
عماد بلان
..لا لغة للموهبة، ولا هوية لها؛ مقولة أثبتها الفنان الكبير، ومسبّع الكارات الفنية فيلمون وهبي "شيخ الملحنين"، ذلك العبقري الذي كان قادراً على أن يُضحك حتى الأجانب بنكاته وقفشاته الطريفة، من دون أن يفهموا كلمة واحدة مما يقول..!
..كان يمتلك من العفوية والنقاء وخفة الدم ما يجعله قادراً على اختراق القلوب جميعاً، ببساطة شديدة، ومن دون تكلف أو تصنع.. وكأن البسمة كانت جزءاً أصيلاً من شخصيته، وكأن الفن بالنسبة إليه حالة فطرية لا تحتاج إلى قاموس أو شرح.
..كان لي شرف لقائه عدة مرات في دمشق، ولا تزال عالقة في ذاكرتي تفاصيل زيارة جميلة من عام 1978م، حين توجهت برفقة عمي الفهد ـ رحمه الله ـ إلى شقة المرحوم أبو عماد فيلمون وهبي، قرب فندق سميراميس في قلب دمشق، ليتدرب الفهد على لحن أغنية جديدة حملت اسم «عباية مقصّبة».
..استقبلنا الراحل فيلمون في شقته ببشاشته وطيبته وعفويته المعهودة… سأله الفهد:
«هل انتهيت من اللحن يا أبو عماد؟»
..فأجاب بكل بساطة: سأبدأ الآن..!!
..وهنا شعرت بسعادة خاصة، لأنني سأشهد بنفسي ولادة لحن جديد لهذا العبقري الذي كنت أحبه وأعشق ألحانه، وأخذ الفضول يتملكني: كيف سيبدأ فيلمون في التلحين؟
..سحب طاولة خشبية صغيرة، وجلس ينقر عليها بأصابعه، وراح يدندن مسودة اللحن، ثم يلتفت إلى الفهد بين الحين والآخر قائلاً:
«قول معي يا أبو طلال.. قول معي..!!»
..وعلى الرغم من أنني كنت أعرف مسبقاً طريقته الغريبة والجميلة في التلحين، إلا أن الدهشة والإعجاب ارتسما على وجهي، خصوصاً وأن العود كان نائماً بهدوء على ظهر خزانته، وكأنه لا علاقة له بما يجري أمامي..!
..وبينما كنت أتابع المشهد مأخوذاً به، قطع فيلمون استغراقه في العمل، وربما لاحظ دهشتي، فقال لي بعفويته المحببة:
«عمّو عماد.. أنا هيك.. جاهز دايماً..!! ما بعرف دو.. ري.. مي.. ولا بتعامل معها.. بس هات لي فاتورة السمان وشوف كيف بلحّنها..!»
..وضحكنا، وبقيت تلك العبارة عالقة في ذاكرتي حتى اليوم؛ لأنها تختصر ببساطة عبقرية هذا الرجل الذي لم يكن يحتاج إلى تعقيدات المصطلحات الموسيقية كي يصنع لحناً يعيش في الذاكرة.
..وبعد ذلك قام الفنان الراحل سمير حلمي بتدوين نوتة الأغنية، وتولى آخر توزيعها وتدريب و قيادة الفرقة الموسيقية، كل ذلك كان يجري بحضوري أتابع بشغف كل تفاصيل ذلك العمل الفني لأنهل و أتعلم منهم جميعاً إلى أن انتهت تلك الاستعدادات لتبدأ حنجرة الفهد و تصدح بذلك اللحن الجميل، ليضاف إلى سلسلة من الأغنيات التي جمعت بين موهبتين استثنائيتين، ووضعت بصماتهما معاً على صفحات الفن الأصيل.
..فيلمون وهبي كان يملك الموهبة بالفطرة، والفهد كان يملك الصوت والحضور والقدرة على تحويل اللحن إلى حياة.. وبين موهبة الأول وصوت الثاني وُلدت أعمال بقيت في ذاكرة الناس.
..واليوم، حين أستعيد تلك اللحظات البعيدة، أشعر أنني لم أكن مجرد شاهد على جلسة تلحين و تنفيذ عابرة، بل كنت محظوظاً بأنني عاصرت لحظة صغيرة من لحظات الإبداع التي لا تتكرر كثيراً في عمر الفن.
..السلام لروحيهما الطاهرتين..
..كانا من أولئك الفنانين الذين لا يحتاجون إلى شهادة من أحد؛ فإبداعهما هو الشهادة، وذكراهما هي البقاء.
رحم الله فيلمون وهبي، ورحم الله عمي الفهد.. فقد كانا من عباقرة الفن الذين مرّوا ذات يوم من هنا.. فأمتعوا الناس، وأسعدوا القلوب، ثم رحلوا.. وبقي فنهم شاهداً على أنهم كانوا استثناءً جميلاً لا ولن يتكرر.
..