كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشيخ معلا حمين ووثيقة صافيتا عام 1846م: المشيخة والزعامة

الشيخ معلا حمين

ووثيقة صافيتا عام 1846م: المشيخة والزعامة
ومنزول آل المصة في الجبال الساحلية
سيمون خالد علي
في الجبال المطلة على ساحل سوريا الغربي، تتدرج تلال البازلت والصنوبر والسنديان من الذرى نزولا الى الوديان الخصبة، تقع بلدة حمين، مركز ناحية حمين التابعة لمنطقة الدريكيش في محافظة طرطوس. وقد عرّفها المحامي محمد شما في حديثه الى موقع اي سيريا في تموز 2013 انها تبعد عن مركز مدينة طرطوس حوالي ثلاثة وعشرين كيلومترا، وعن مدينة الدريكيش حوالي عشرة كيلومترات. اما ارتفاعها فضبطه رئيس مجلس بلدة حمين وضاح علي في تحقيق اي سيريا المنشور عام 2009 ان اعلى ارتفاع للبلدة عن سطح البحر هو اربعمئة متر في جبل الشيخ معلا حمين، فذروة الجبل الذي يحمل اسم الجد المؤسس هي ذاتها اعلى نقطة في عموم البلدة.
أصل اسم حمين
هناك تفسيران:
الأول يربط الاسم بجذر سامي قديم يدور حول معاني الحرارة والاشتعال، وهو الجذر نفسه الذي يتصل بلفظ حمان أو حمن في النقوش الفينيقية والكنعانية، ومنه جاء اسم بعل حمون، كبير آلهة قرطاج، الذي يربط لقبه الثاني بالحرارة والنار ومن يربطه بمذبح البخور أو الدعامات المقدسة. وقد عثر المستشرق الفرنسي أرنست رينان في القرن التاسع عشر على نقوش فينيقية مخصصة للإله حمون في موضع يدعى حمون بين صور وعكا، مما يدل على ان اسم حمون كان حاضرا في المجال الجغرافي الساحلي الشامي قبل القرون الاسلامية.
اما التفسير الثاني فيرد الاسم الى لفظ بيزنطي هو حمانا بمعنى الموضع الحصين او القلعة المحمية، وتؤيد قدم الاستيطان في حمين شواهد اثرية من حجارة قديمة وينابيع وقنوات ومدافن صخرية في محيطها، ومعبد شمسي فالاسم يحمل في طياته ظلالا قديمة تتصل بالشمس والحصانة وقدم المكان.
اهل حمين يردّون قسما كبيرا من ذاكرة القرية الى جدها المؤسس الشيخ معلا علي معلا المعروف بمعلا حمين. غير ان صلة القرى المجاورة بهذا الخط ليست صلة واحدة عامة تشمل جميع السكان. ففي الملاجة تنتسب عائلة بيت الخطيب الى خط حسين ديب حسن ديب يونس معلا حمين، و ليسوا ابناء عمومة مستقلون. اما ضهر مطرو، وهي اكبر سكانا من حمين، تنتسب اليه عائلتان فقط، بينما تعود بقية عائلات القرية الى اصول اخرى. اما المصطبة وقلع الصويري وبيت الراهب وبعض العائلات المتفرقة في محافظة طرطوس وخارجها، فتدخل في شبكة قرابة اوسع بدرجات متفاوتة. وبذلك تكون خريطة آل معلا شبكة محددة من بيوت وفروع داخل قرى متعددة.
بلدية حمين تضم في نطاقها الاداري ثلاث عشرة قرية ومزرعة، منها حمين وضهر المحشلة وبيت الكرم وبيت الراهب وبيت الشنبور والجراص وحبابة والملاجة وبيت قرفول وبجمرة العليا وبجمرة السفلى وقلع الصويري والمصطبة.
ويكتسب ذكر بيت الراهب أهمية خاصة لأنها ترد موضع منزول آل المصة، زعماء آل الخياط. والمنزول في الريف الشامي والساحلي مؤسسة وجاهة ووساطة، يستقبل فيها صاحب البيت الضيوف والوجهاء ومندوبي السلطة، وتنعقد فيها الجاهات ومجالس الصلح. قرب منزول آل المصة من المجال الحميني يضيف بعدا جغرافيا واجتماعيا إلى ما تثبته وثيقة صافيتا سنة 1846م؛
القاضي على قمة الجبل
في ذروة الجبل الذي حمل اسمه، يرقد الشيخ معلا حمين في مقام ديني يقصده الاهالي للزيارة والاصطياف، تحفّه قبور اولاده السبعة. وقد وصفه السيد احمد يونس بانه قاضي قضاة المنطقة وسيد الكلمات الاخلاقية وقدوة الناس جميعا، وكرر السيد بشار من البلدة الوصف ذاته. ويصف المحامي محمد شما الجبلَ بانه يتميز بمناخ بارد منعش صيفا وبارد جدا شتاء، فبات مقصدا للاستجمام النفسي تتجاور فيه القيمة الجغرافية بالقيمة التراثية والاجتماعية.
وفي قائمة المقامات العلوية التي جمعها الباحث حسين احمد سليم، يثبَّت مقام الشيخ معلا بن علي المحشلة الحميني في حمين الى جانب جملة من المقامات في البلدة وجوارها: مقام الشيخ علي المحشلة في ضهر حمين، ومقام الشيخ غريب في ضهر مطرو، ومقام الشيخ علي في الملاجة، ومقام الشيخ حسين احمد في جورة الجواميس، ومقام الشيخ عبد الكريم المحمد في المصطبة. وهذه الجملة من المقامات تشكّل خريطة اسرة موسعة وعلم متوارث على امتداد جيلين او ثلاثة من ذرية معلا حمين.
لقب قاضي الشرع دلالة وظيفية محددة، فالشيخ معلا حمين كان، قاضي شرع صافيتا في زمانه، اي القاضي الذي يُحتكم اليه في مسائل الزواج والميراث والوقف والخصومة بين الناس في قضاء صافيتا العثماني وما يجاوره من قرى الجبل، في وقت كانت فيه السلطة المركزية بعيدة والقضاة المحليون يمسكون بزمام الفصل في النزاعات اليومية. وهذا الفهم متسق مع البنية العثمانية للقضاء التي وصفها فاضل بيات في كتابه عن بلاد الشام في الاحكام السلطانية، اذ كان قاضي القضاء المحلي صلة الوصل بين الديوان الهمايوني وعامة الناس في الاقضية.
يجب التمييز بين قاضي القضاة وهو منصب اعلى مرتبة في الاحكام العثمانية الرسمية، وبين القاضي المحلي ذي الوزن الديني والاجتماعي. ان وصف الشيخ معلا حمين بلقب قاضي قضاة المنطقة يبرز مكانته في الذاكرة الشعبية اكثر من درجة رسمية محددة في دفاتر المهمّة العثمانية، وهو ما تنبهنا اليه مراجعة بيات وما يماثله من المصادر الارشيفية.
المؤسس وامتداد الاسم
ينبغي التمييز بين الشيخ معلا حمين المؤسس، صاحب المقام المعروف في حمين، وبين الشيخ معلا الوارد في وثيقة صافيتا سنة 1846م بين كبار المشائخ. الشيخ معلا حمين من تاريخ اقدم يعود الى اواخر القرن السابع عشر او اوائل القرن الثامن عشر، و وفاته سنة 1134 للهجرة الموافقة لعام 1721 او 1722 للميلاد. اما الشيخ معلا المذكور في وثيقة 1846م فهو احد احفاد خط آل معلا او احد حاملي الاسم في السلسلة.
نسب آل معلا
شجرة في طيات الكتب
في كتاب الدرر البهية في الانساب الحيدرية والاويسية، الذي جمعه ورتّبه محمد ويس الحيدري الاويسي الحسيني، تُسرد سلسلة آل معلا في صيغتها الاطول كما يلي: معلا حمين بن علي المحشلة بن سلامة تيشور بن معلا مجدلون البستان بن محمد السرجاوي، وينتهي خط الاسرة الابعد الى الاديب عيسى البانياسي، ويرد اسمه احيانا البانواسي، في قلعة المرقب على ساحل الجبل الغربي مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، ومنه الى الاصل الخزرجي الانصاري.
ويعزز هذا الخط للنسب شاهدان مخطوطان محليان لهما قيمة توثيقية خاصة، هما كتاب خير الصنيعة في مختصر تاريخ غلاة الشيعة الذي جمعه حسين ميهوب حرفوش المتوفى سنة 1959 من مخطوطات عائلته، وكتاب المستدرك في خير الصنيعة الذي اضافه ابراهيم حرفوش المتوفى سنة 1991، وصورتا المخطوطين محفوظتان في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، وهو ما يرفعهما الى مرتبة النص المكتوب الموثق المحفوظ في مؤسسة علمية. ويعزز المستدرك هذا الخط من خلال ترجمة الشيخ يوسف بن الشيخ صالح المصطبة، يصعد النسب عبر الشيخ علي المحشلة، ثم سلامة تيشور، ثم معلا مجدلون البستان، ثم محمد السرجاوي من حير الاحمر في حماة، وصولا الى عيسى البانياسي في السلسلة الابعد. ويربط حمين والمصطبة وضهر حمين ومجدلون البستان في شبكة مشيخية واحدة. لذلك يصبح حضور اسمَي علي المحشلة وسلامة تيشور ومعلا مجدلون اساسيا لفهم ان الشيخ معلا حمين كان حلقة في خط اقدم من العلم والمشيخة والنسب.
ان آل معلا في حمين فرع من شجرة اوسع ضاربة في عمق التاريخ العلوي الشامي، تلتقي فروعها مع شجرة البانياسيين، وتربط ابناء بلدة حمين برحلة طويلة من بانياس الشام الى قلعة المرقب الى حير الاحمر في حماة، ثم الى الجبل الساحلي والريف الدريكيشي.
الباحث الفرنسي رينيه دوسو في دراسته الموسعة عن النصيريين، الصادرة في مطلع القرن العشرين، اثبت ان ال الخياط كاتحاد عشائري كبير يُردّ اصلهم النسبي الى الاديب عيسى البانياسي، اذ اسّس ابناؤه الفرعين الاكبرين بيت الخياط والعبدية. فالخياطون وآل معلا يشتركان، في الذاكرة النسبية الجماعية، في اصل بانياسي واحد، وهذا ما قد يفسّر وجود الشيخ معلا بين كبار مشايخ ال الخياط في وثيقة 1846م تفسيرا بنيويا.
ويُذكر في هذه السلسلة معلا مجدلون البستان جدا سابقا، وعن سيرته رواية محلية متواترة تُعرف بمناظرة البخور. تقول الرواية ان معلا مجدلون ناظر ناصر الحاصور بحضور يوسف الوالي، وان المناظرة انتهت بالبرهان حين اشتعل البخور بيدي الشيخ معلا. وحضور معلا مجدلون، كتاب قلائد الدرر سجّل انه كان شخصية حاضرة في الادبيات المشيخية والجدلية، وان الخلاف حوله كان خلافا علميا ومذهبيا. والادق ان تُقرا كرامة البخور امتدادا رمزيا لذاكرة خصومة علمية فعلية.
الشيخ حسين احمد الحميني
علامة المنطقة وفريد عصره
من فروع ذرية الشيخ معلا حمين، عبر يونس، يبرز الشيخ حسين احمد، ونسبه المحلي: حسين احمد ديب حسن ديب يونس معلا حمين. وقد عرّفه كتاب تاريخ العلويين في بلاد الشام، لمؤلفه اميل عباس آل معروف، بانه علامة وفريد عصره ومرجع في المسائل الدينية. وله رسالتان معروفتان في الادبيات العلوية هما قلائد الدرر وغنيمة السفر، فضلا عن ديوان شعر.
وقد وضعه المؤلف ضمن اضطرابات صافيتا في زمن اسماعيل خير بك، حين انقسم الناس الى عشائر واحزاب وتنازعت الزعامات، فكان الشيخ حسين يكتب الى الرؤساء يحضّهم على الالفة والاتحاد ودرء الفتنة. ويرد اسم عباس افندي جابر كاحد المخاطَبين او المعاصرين الذين كان لهم وزن في اصلاح ذات البين.
ويكتسب هذا الموقف الاصلاحي معناه الكامل في ضوء ما رصده الباحث السوري اياس احمد حسن في كتابه الحركة الاصلاحية عند العلويين من خلال قراءة تراجم شيوخهم في القرن التاسع عشر، الصادر عن المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات سنة 2025 في مقاربة بروسوبوغرافية تعتمد السيرة الجماعية لشيوخ الطائفة. فقد بيّن هذا الكتاب ان شيوخ العلويين في القرن التاسع عشر خاضوا حركة اصلاح مبكرة تجاوزوا بها العزلة والتهميش، عبر الانفتاح على المذاهب الاسلامية والالتزام بالاركان الدينية ونبذ الخرافات ونشر التعليم وفتح المدارس مثل مدرسة آل يونس التي اعتمدت التعليم المجاني. واستند الكتاب الى مخطوطات نادرة منها تذكرة الافكار للشيخ علي حسن القاضي المؤرخة سنة 1879، ومؤلفات الشيخ يوسف علي الخطيب، وكتب آل حرفوش. فكتابة الشيخ حسين احمد الحميني الى الرؤساء يحضّهم على الالفة تنتمي الى هذا التيار الاصلاحي نفسه، تيار الشيوخ الذين رأوا في وحدة الكلمة ودرء الفتنة شرطا للنهوض.
ومقام الشيخ حسين احمد في جورة الجواميس شاهد اضافي على امتداد هذا الخط العلمي والمشيخي خارج حمين نفسها، على ان البيت العلمي في آل معلا توارث المشيخة جيلا بعد جيل، فلم تنقطع روح القضاء والافتاء والارشاد عن الاسرة منذ زمن الجد المؤسس في اواخر القرن السابع عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر.
وثيقة صافيتا 1846م
شاهد محلي على بنية الزعامة
تقدم وثيقة صافيتا سنة 1846م شاهدا مهما على بنية الزعامة العشائرية والمشيخية في مقاطعة صافيتا منتصف القرن التاسع عشر. فالوثيقة، المنشورة بعنوان قريب من اسماء عشائر النصيرية في مقاطعة صافيتا ونواحيها سنة 1846م، ترسم خريطة اوسع لعشائر المنطقة، فتورد بيت الحداد وال الخياط والمتاورة والنواصرة والعرجان مع رؤسائهم ومشايخهم وبعض فروعهم. وفي بند الخياطين تذكر نصا ان رئيسها تامر المصة، وكبار مشايخها الشيخ عباس جابر والشيخ معلا، وفروعها العايدية والفقاورة والسرامطة.
وهذه الصيغة على ايجازها تكشف بنية اجتماعية مركبة فهناك رئيس يمثل الزعامة السياسية والعشائرية ويتولى مخاطبة السلطة وادارة القرار العام، وثمة كبار مشايخ يمثلون المرجعية الدينية والعلمية والاخلاقية داخل الجماعة. وهذا يثبت ان ال الخياط كانوا اتحادا عشائريا ذا فروع داخلية وقيادة مزدوجة تجمع بين الرئاسة والمشيخة.
ومن دقائق قراءة هذه الوثيقة ان اسم معلا يرد فيها في موضعين متمايزين الحاج معلا الذي يرد ضمن اعوان عبد الحميد يونس في عشيرة الحدادين، والشيخ معلا الذي يرد ضمن كبار مشايخ ال الخياط. وتكرار اسم معلا في اكثر من موضع يدل على حضور هذا الاسم العلمي في غير فرع من فروع صافيتا.
وتنسجم هذه الصورة مع ما ذكرته يفيت تلحمي في دراستها عن العلويين في القرن التاسع عشر، حين اشارت في الحاشية السابعة والعشرين من دراستها الصادرة في مجلة Middle Eastern Studies سنة 2008 الى ان النصيريين كانوا منقسمين الى اربعة اتحادات عشائرية كبرى هي ال الخياط وبيت الحداد والكلبية والمتاورة، وان داخل هذه الاتحادات جماعات اصغر لها رؤساؤها ومشايخها. والفارق بين التصنيف الرباعي العام عند تلحمي والتصنيف الخماسي المحلي في وثيقة صافيتا يظهر اختلاف زاوية النظر بين تصنيف عام للطائفة وتصنيف محلي خاص بمقاطعة صافيتا ونواحيها، وهو فارق تصنيفي زمني وجغرافي لا تعارض نسبيا قاطعا. كذلك تذكر الوثيقة بيت شمسين ضمن فروع الحدادين ، مما يساعد على ترتيب الخريطة العشائرية في صافيتا بدقة اكبر ويمنع الخلط بين مواقع العائلات والاتحادات المختلفة داخل مجال صافيتا.
ولا يقتصر اثر هذه الوثيقة على ترتيب العشائر، اذ يمكن قراءتها في ضوء ما اثبته الباحث ستيفان وينتر في كتابه عن تاريخ العلويين من ان الوثائق العثمانية كانت تُعامل العلويين كجماعة ضريبية مميزة، وان القرن الثامن عشر واوائل التاسع عشر شهدا صعود اعيان محليين علويين. ووثيقة صافيتا 1846م تقع في امتداد هذا الواقع: رئيس عشيرة وكبار مشايخ محددون بالاسم هم الوسيط بين الدولة والمجتمع المحلي.
وتبقى الوثيقة، رغم قيمتها وتاريخها، بحاجة الى استكمال توصيفها المادي رقم حفظها الارشيفي وناسخها والجهة الحافظة لاصلها، وهل لها رواية موازية في سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس او حمص. وعليه فالواجب البحثيّ ان تُعامَل كشاهد عثماني مؤرخ ثمين يضيء بنية الزعامة في صافيتا سنة 1846م في عشية صعود اسماعيل خير بك.
شاهد والبول 1851
قاضي الانصيريين على الطريق نفسه
يضيف الرحالة البريطاني فريدريك والبول في الجزء الثالث من كتابه The Ansayrii and the Assassins الصادر عام 1851، والذي زار فيه منطقة صافيتا وجوارها في عامي 1850 و1851، عنوانا دالا في الفصل السادس منه هو قاضي الانصيريين، والشيخ شمسين سلطان، وبيت الشليف. فوالبول يذكر قاضي الانصيريين شخصية مستقلة قائمة بذاتها في البنية الاجتماعية لصافيتا ومحيطها، يتمايز عن رئيس العشيرة ويتمايز عن الزعيم الاقليمي. وهذا يتوافق توافقا لافتا مع ما كشفته وثيقة صافيتا 1846م من ان الشيخ معلا كان كبير مشايخ ، وان وظيفة القضاء والمشيخة الدينية كانت وظيفة متمايزة داخل البنية الاجتماعية لصافيتا في تلك الحقبة تحديدا. ومجيء شهادة والبول بعد الوثيقة بخمس سنوات فقط، ومن راصد خارجي زار المنطقة بنفسه، يجعلها سندا مستقلا يقوي ما تصفه الوثيقة المحلية من تمايز بين الرئاسة والقضاء.
اسماعيل خير بك والدريكيش
تنزل وثيقة 1846م في زمنها الكبير على عشية لحظة سياسية شديدة الاضطراب في تاريخ الجبل الساحلي. ففي عام 1853، حين اشتعلت حرب القرم وانصرفت انظار الباب العالي الى البلقان، استغل اسماعيل خير بك، الفراغَ القائم وسيطر على قضاء صافيتا الذي كان معظم سكانه من بيت الحداد و ال الخياط. وقد لخّصت تلحمي وضعه في مستهل دراستها بانه كان شيخا بارزا لعشيرة المتاورة النصيرية العلوية نجح في فترة قصيرة في السيطرة على منطقة واسعة متباينة السكان، وحاز لنفسه لقبا مرموقا هو حاكم الجبل. وعيّنه العثمانيون مديرا رسميا على صافيتا، كما يوثّقه الباحث التركي علي شَپار في دراسته المنشورة في مجلة Türk Kültürü ve Hacı Bektaş Veli Araştırma Dergisi في عددها الحادي والتسعين سنة 2019. ثم توسعت سلطته فعليا لتشمل توابعها ولُقّب بحاكم الجبل او مشير الجبل، واتخذ بلدة الدريكيش مقرا لحكومته الاقليمية.
وبذلك تظهر وثيقة صافيتا 1846م، و اسم تامر المصة فيها، في مجال كانت فيه صافيتا تنتقل من بنية البيوت المتجاورة الى ان تصبح بعد اعوام قليلة تحت سقف نفوذ اقليمي اقوى هو نفوذ اسماعيل خير بك. وهذا يجعل تامر المصة رئيسا داخليا ضمن بنية حكم اوسع، ويجعل الشيخ معلا مشيخةً علمية ضمن هذا الاتحاد.
اما نهاية اسماعيل خير بك فمأساوية. فبعد انتهاء حرب القرم قررت السلطة العثمانية انهاء حكمه، فقادت حملة عسكرية عليه، قوامها بلغ ثمانية آلاف مقاتل، وتلتها مساع لتحريض الشيوخ النصيريين والسنة الذين عانوا من ظلمه على معارضته، حتى انتهى به الامر مقتولا عام 1858 على يد خاله علي الشللي في قرية عين كروم، الذي حمل راسه الى العثمانيين، كما تورد تلحمي نفسها في ختام دراستها، وتعيد سرده مقالة الجزيرة نت في تحقيقها الموسع عن العلويين المنشور في ايلول 2023.
والشاهد الاهم هو ان وثيقة 1846م تسبق بسنوات هذا الصراع وتصف مجال صافيتا في لحظة ما قبل الاضطراب الكبير، وهي لحظة كانت فيها بنية ال الخياط وزعامتهم الداخلية بيت المصة لا تزال تعمل تحت القيود الادارية العثمانية المعتادة، قبل ان تتغير الموازين في منتصف الخمسينيات.
الشيخ معلا حمين والشيخ خليل النميلي
زمنان متمايزان
لا يوجد تزامن بين الشيخ معلا حمين المؤسس والشيخ خليل بن معروف النميلي. فوفاة الشيخ معلا حمين سنة 1134 للهجرة الموافقة لعام 1721 او 1722 للميلاد، يكون قد توفي قبل ولادة الشيخ خليل بنحو تسعة عشر عاما، اذ ولد الشيخ خليل بين سنتي 1151 و1153 للهجرة اي نحو 1740 للميلاد، وتوفي سنة 1231 للهجرة الموافقة لعام 1816 للميلاد. اما الشيخ معلا الوارد في وثيقة صافيتا سنة 1846م من احفاد خط آل معلا.
الشيخ عباس جابر
شخصية بين الوثيقة والتاريخ
في خضمّ الصراع الذي اشتعل بين اسماعيل خير بك والسلطة العثمانية، تشير المصادر الى ان شيخا باسم الشيخ عباس طُلب منه عام 1857 تحريض سكان صافيتا ضد اسماعيل خير بك. والاسم الذي تذكره وثيقة صافيتا 1846م، الشيخ عباس جابر، قريب جدا من هذه الشخصية بتفاصيله الزمنية في منتصف القرن التاسع عشر، والجغرافية في صافيتا وحمين، والوظيفية شيخا نصيريا ذا نفوذ. غير ان التطابق بين الاسمين يحتاج الى تثبيت.
وفي كتاب تاريخ العلويين في بلاد الشام يرد اسم عباس افندي جابر في مراسلات الشيخ حسين احمد الحميني التي كان يكتبها حاثا الزعماء على الوفاق في خضم صراعات الزعامة، ووجود الاسم في الزمن والمكان يقوي التقارب لكنه لا يكفي وحده للجزم.
خط عباس وجابر
امتداد محتمل في الذاكرة العائلية
من الاشارات اسمين بارزين يظهران هما جابر العباس ومنير العباس. والمسافة بين الاسمين عباس جابر في وثيقة 1846م وجابر العباس في الزعامة اللاحقة قصيرة في الظاهر، فهذا يجعل عباس جابر حلقة مبكرة محتملة في خط عباس وجابر، وقد يكون عباس جابر والد احد ابنائه سُمّي على جده.
آل معلا
من صافيتا الى المهجر
يكتسب اسم آل معلا في القرن العشرين اهمية خاصة لانه يثبت استمرار خط المشايخ والوجاهه حيا داخل المجال وخارجه. فمن جهة، يظهر اسم الشيخ عبد الحميد معلا ضمن وجوه وزعماء فخذ بيت الخياط في صافيتا، الى جانب ابراهيم واحمد المصطفى ومحمد افندي اليوسف، بحسب ما نشره موقع التاريخ السوري المعاصر نقلا عن كتاب محمد هواش عن العلويين ودولتهم المستقلة الصادر في الدار البيضاء سنة 1997. وهذا الشاهد المطبوع يجمع في نص واحد بين الخياطين وصافيتا واسم معلا في القرن العشرين، فيقوي ترجيح ان الشيخ معلا في وثيقة 1846م كان ممثلا لخط آل معلا المحلي.
ومن جهة اخرى، يبرز اسم عبد الحميد عبد الوهاب الحاج معلّا في المهجر العلوي، اذ اصدر كتابه في سبيل المجد سنة 1934 في الارجنتين، مزيّنا بصور اعلام النهضة الاسلامية وفي مقدمتهم جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، كما رصد ذلك اياس احمد حسن في كتابه عن الحركة الاصلاحية. وهذا يجعل خط آل معلا حلقة في تيار شيوخ العلويين الاصلاحيين الذين ربطوا انفسهم بالمشروع الفكري الاسلامي الحديث. وبهذا آل معلا خطا مشيخيا ووجاهيا استمر من مرحلة الزعامة التقليدية في القرن التاسع عشر الى مرحلة التمثيل الاجتماعي والديني والاصلاحي في القرن العشرين، عبر من الجبل الساحلي الى مهاجر الامريكتين.
سرايا الدريكيش بين الذاكرة والمبنى
تحتاج قصة سرايا الدريكيش الى تدقيق معماري وتاريخي، الرواية المحلية تربط السرايا الاصلية باسماعيل خير بك وحكومته في الدريكيش بين عامي 1854 و1858، حين تحولت البلدة الى مركز حكم اقليمي. غير ان شهادات محلية تنبه الى ان المبنى الذي هُدم في تسعينيات القرن الماضي كان مبنى احدث شُيّد في العهد الوطني على انقاضها او في موضعها، بينما كانت السرايا القديمة قد ازيلت او تبدلت معالمها قبل ذلك.
الاصل البعيد
من سنجار الى البانياس الى الجبل الساحلي
لا يكتمل الحديث عن الشيخ معلا حمين دون الاشارة الى الاطار التاريخي البعيد الذي يحتضن شجرة آل معلا. فالاديب عيسى البانياسي الذي تنتهي اليه السلسلة الاطول، سكن قلعة المرقب نحو سنة اربعمئة للهجرة، كما تنقل ذلك رواية النسب البانواسي المنشورة. يندرج تاريخ آل معلا في تاريخ المكزون السنجاري، الامير ابي محمد الحسن بن يوسف الذي تختلف المصادر في سنة ميلاده بين عامي 1188 و1193 للميلاد، ووفاته سنة 1240. وقد فصّل المؤرخ يارون فريدمان في دراسته الصادرة عام 2010 ان حملة المكزون كانت حملتين متعاقبتين ، الاولى عام 1218 بقوة بلغت خمسة وعشرين الف مقاتل انتهت بهزيمة فعاد الى سنجار، ثم رجع بقوة بلغت خمسين الف مقاتل عام 1222، فاتخذ من قلعة ابو قبيس ومن المرقب والعليقة قواعد له، واسس نظاما عشائريا وروحيا ما زال يحدد ملامح الجبل الساحلي حتى اليوم.
وقد ذهب احمد علي الحسن في كتابه المكزون السنجاري في حمين الصادر عن الدار السورية للدراسات في حمص عام 2005 الى ان لهذه الموجة السنجارية صلة مباشرة باستيطان حمين وما حولها، ما يضع الشيخ معلا حمين في موضع المؤسس الحديث لقرية ذات استيطان اقدم بكثير، تشهد عليه آثار قصر بجمرة ومعاصر الزيتون الحجرية والمدافن الصخرية التي وصفها ابناء البلدة والتي تُقدَّر بنحو الف عام او اكثر، تتراكب طبقاتها على طريق الحرير القديم.
-------------------------
المراجع:
1. أسماء عشائر النصيرية في مقاطعة صافيتا ونواحيها سنة 1846م، وفيها ذكر عشيرة الخياطين ورئيسها تامر المصة وكبار مشايخها الشيخ عباس جابر والشيخ معلا، منشورة عبر الدار السلطانية ومتصفح الوثائق العثمانية.
2. حسين ميهوب حرفوش، خير الصنيعة في مختصر تاريخ غلاة الشيعة، مخطوط جمع من مخطوطات العائلة، وصورته محفوظة في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق.
3. إبراهيم حرفوش، المستدرك في خير الصنيعة، مخطوط، وصورته محفوظة في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق.
4. محمد ويس الحيدري الأويسي الحسيني، جمع وترتيب، الدرر البهية في الأنساب الحيدرية والأويسية.
5. علي حسن القاضي، تذكرة الأفكار بذكر السادات الأبرار المؤمنين الأخيار، 1879.
6. يوسف علي الخطيب، النسب الشريف.
7. إميل عباس آل معروف، تاريخ العلويين في بلاد الشام منذ فجر الإسلام إلى تاريخنا المعاصر.
8. حسين الأحمد الحميني، قلائد الدرر وبهجة الصور.
9. حسين الأحمد الحميني، غنيمة السفر.
10. حسين الأحمد الحميني، ديوان شعر.
11. محمد أمين غالب الطويل، تاريخ العلويين، مطبعة الترقي، اللاذقية، 1924.
12. محمد هواش، عن العلويين ودولتهم المستقلة، الشركة الجديدة للمطابع المتحدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1997.
13. أحمد علي الحسن، المكزون السنجاري في حمين، الدار السورية للدراسات، حمص، 2005.
14. عبد الحميد عبد الوهاب الحاج معلّا، في سبيل المجد، الأرجنتين، 1934.
15. منير عبد الحميد صقر، تاريخ صافيتا في العهد العثماني 922-1337هـ / 1516-1918م.
16. محمد أمين غالب الطويل، Nusayriler: Arap Alevilerinin Tarihi.
17. إياس أحمد حسن، الحركة الإصلاحية عند العلويين من خلال قراءة تراجم شيوخهم في القرن التاسع عشر: مقاربة بروسوبوغرافية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025.
18. Yvette Talhamy, The Nusayri Leader Isma'il Khayr Bey and the Ottomans (1854-58), Middle Eastern Studies, Vol. 44, No. 6, November 2008, pp. 895-908.
19. Yvette Talhamy, The Fatwas and the Nusayri/Alawi of Syria, Middle Eastern Studies, Vol. 46, No. 2, March 2010, pp. 175-194.
20. Stefan Winter, A History of the 'Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic, Princeton University Press, 2016.
21. Stefan Winter, تاريخ العلويين من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية.
22. Yaron Friedman, The Nusayri-'Alawis: An Introduction to the Religion, History and Identity of the Leading Minority in Syria, Brill, 2010.
23. George Jabbour, Safita et son environnement au XIXe siècle، ضمن: Histoire Économique et Sociale de l'Empire Ottoman et de la Turquie 1326-1960، 1995.
24. Ali Çapar, İsmail Hayr Bey İsyanı Işığında Osmanlı-Nusayri İlişkileri, Türk Kültürü ve Hacı Bektaş Veli Araştırma Dergisi, No. 91, 2019, pp. 43-64.
25. René Dussaud, Histoire et religion des Nosairîs, Paris, 1900.
26. فاضل بيات، بلاد الشام في الأحكام السلطانية الواردة في دفاتر المهمّة، منشورات لجنة تاريخ بلاد الشام، الجامعة الأردنية، عمان، 2008.
كتب الرحالة وروايات القرن التاسع عشر
27. Frederick Walpole, The Ansayrii and the Assassins, Vol. 3, London: Richard Bentley, 1851.
28. Samuel Lyde, The Asian Mystery Illustrated in the History, Religion, and Present State of the Ansaireeh or Nusairis of Syria, London: Longman, Green, Longman, and Roberts, 1860.
29. Johann Ludwig Burckhardt, Travels in Syria and the Holy Land, London: John Murray, 1822.
30. Ernest Renan, Mission de Phénicie, Paris, 1864-1874.
31. Ernest Renan, Mission de Phénicie, Paris, 1864-1874.
32. René Dussaud, Histoire et religion des Nosairîs, Paris, 1900.
33. Encyclopaedia Britannica, Baal Hammon.
34. موسوعة المعرفة، بعل حمون.
35. موقع eSyria، مواد بلدة حمين وما يرد فيها عن الموقع والينابيع والشواهد الأثرية المحلية.
36. موقع eSyria، تحقيقات تموز وآب 2013 عن بلدة حمين وجبل الشيخ معلا حمين، وفيها حوارات مع المختار عبد الكريم أحمد، والسيد أحمد يونس، والمحامي محمد شما، والسيد بشار.
37. موقع eSyria، تحقيق في حمين؛ من كثافة اللون الأخضر إلى نقاء النسل، أيلول 2009، وفيه حوار مع رئيس البلدة وضاح علي.
38. صحيفة الوحدة الطرطوسية، تحقيق استقبلت قوافل طريق الحرير قديما: حمين تكتنز من الجمال ما يجعلها منطلق المشوار السياحي، وفيه حوار مع رئيس بلدية حمين أحمد معلا.
39. موقع التاريخ السوري المعاصر، صفحات عشيرة الخياطين العلوية، وعشيرة الحدادين العلوية، وعشيرة المتاورة، 2019-2020.
40. حسين أحمد سليم، مقامات الصالحين والمزارات المشرفة، موقع دنيا الوطن.
من ذكريات تحية كاظم عن زوجها الرئيس عبد الناصر
من كسروان إلى جبلة حكاية الحب والحرب في زمن الحملات المملوكية
البصمة الأرمنية في الحياة الإجتماعية لمدينة اعزاز
العنف والاسكان واعادة تشكيل الساحل السوري في مطلع العهد العثماني
القارة المفقودة للعلويين في أمريكا الجنوبية
عشرة أخطاء تاريخية عن الحملات الصليبية على لبنان وسورية وفلسطين
مشروع مستعمرة اللاذقية اليهودية 1882–1883
الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) مدرسته وعلومه وتلامذته
مولد يحيى بن زكريا عليه السلام
ولادة مريم بنت عمران وتحريرها لله عز وجل
قصة سلمان الفارسي ورحلته من بلاد فارس إلى بلاد العرب
رويسة الأمير وقلعة السريان مدينتان من مملكة أوغاريت في وادي نهر الكبير الشمالي
محمد الأدرعي أمير الجبل وحارس الثغور وباني الشرعية العلوية في جبال الساحل السوري
بدايات تشكّل وانتشار العلويّة في الساحل الشرقي للمتوسّط
حول "تاريخ عائلتنا واللقب الوحش"!