كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الانتفاضات الفلاحيّة في القرن التاسع عشر

د. عبد الله حنا- فينكس

1 –العاميات الشعبية الفلاحية في جبل لبنان:
في القرن التاسع عشر تمركزت الحركات الفلاحية وأشدها بأسا في جبل لبنان نظرا لضعف سلطة الحكومة المركزية ونتيجة عملية التغيير الاقتصادية الاجتماعية، التي أدت إلى تفاقم التناقضات داخل المجتمع. فالتطور الحر للعلاقات السلعية – النقدية والبورجوازية تطلب الحرية في انتقال السكان والمبادرة في المجال الاقتصادي وضمان الملكية والحقوق الشخصية والمساواة الاجتماعية وتشريعات جديدة ونظاما قضائيا جديدا ثم في النهاية اشكالا ديموقراطية جديدة للحياة الاجتماعية. ولم يكن لكل هذه الأمور وجود فعلي في لبنان. فقد كانت الفئات الاقطاعية هي المسيطرة سياسيا واقتصاديا في البلاد، أما بقية الفئات من السكان فقد كانت منقوصة الحقوق طبقيا، وكان قسم من الفلاحين في تبعية للاقطاعي، إما شخصية أو بسبب الأرض. وكان أعيان الريف والتجار والحرفيون وأصحاب المانيفاكتورات في زحلة ودير القمر في تبعية للاقطاعيين الذين يعيشون في أراضيهم من الناحية الادارية والقضائية والضرائبية(10).
لقد تبلور التفاعل الاجتماعي في جبل لبنان على أتم وجه في نضال بين طبقتين أساسيتين، طبقة الفلاحين وطبقة الاقطاعيين من الأمراء والمشايخ المرتبطين والخاضعين لولاة وباشوات الدولة العثمانية في دمشق وطرابلس أو في صيدا وعكا. وكان ولاة الدولة العثمانية ومن ورائهم سلطانهم الأكبر القابع بين حريمه في استنبول، يلحون على الأمراء في دفع "المال السلطاني" والأموال الأخرى. وهذا مما دفع الفلاحين للقيام بسلسلة من التمردات المعروفة بـ "العاميات الشعبية" التي شملت فئات واسعة من الفلاحين ورفعت النضال الطبقي إلى أرفع المستويات، وأسهمت في بلورة الحركة الوطنية والقومية العربية ودفعها إلى الأمام.
***
كانت عامية المتن أو عامية حمانا سنة /1805/(11) أولى الانتفاضات الفلاحية الواضحة. فقد رفض أهالي المتن ما طلب منهم لكي يتمكن الأمير بشير من استرجاع السندات التي كانت مسجلة عليه وعلى من زاحمه من الشهابيين قبله في اضبارات والي عكا العثماني احمد باشا الجزار. وقد التف اقطاعيو لبنان وعلى رأسهم آل اللمع حول الأمير بشير، الذي نكل بالاهلين وأرغمهم على دفع مائتي كيس...
ما كادت تمر خمس عشرة سنة على عامية حمانا /1805/ حتى اندلعت عامية انطلياس سنة /1820/ بصورة أشد حدة(12) ففي السنة الأولى من ولاية والي عكا عبد الله باشا الجازندار، عجز الأمير بشير عن تلبية طلب الوالي، بسبب المقاومة الشعبية ضد سياسة جمع الضرائب كل صباح ومساء فقد عقد مؤتمر شعبي في انطلياس سنة /1820/ حضره ستة آلاف متني وكسرواني قرروا فيه تنظيم المقاومة وانتخاب وكلاء عن كل قرية. وكان هذا المؤتمر أكبر برهان أمام الأمير بشير، دل على أن الوقوف أمام المقاومة الشعبية أمر غير محمود العواقب، في الوقت الذي يتربص خصومه ومزاحموه به الدوائر. وهذا ما دفع الأمير بشير ومعه الشيخ بشير جنبلاط وحاشيتهما إلى هجر البلاد والاتجاه إلى حوران.
لقد انتصر الفلاحون في عامية انطلياس واضطر الاقطاعيون للتراجع وتأجيل "الميري" وازالة بعض العادات والحقوق الاقطاعية مثل السخرة والضرب وتقديم الهدايا.
ولكن الاقطاعيين ما لبثو أن نكثوا بوعدهم فانفجرت العامية الثالثة، عامية لحفد عام /1821/ التي أثارها أيضا فرض أموال اضافية على الأهالي ليتمكن عامية لحفد بشمولها واتساعها. فقد عمت بلاد جبيل والبترون وكسروان وانضم الأمير من تأمين كرسي الإمارة واشباع جشع والي عكا عبد الله باشا(13) وتتميز إليها أيضا فلاحو شمال لبنان. وكان عدد مقاتلي عامية لحفد خمسة آلاف شخص. وجرت مواقعها في عدة قرى وبخاصة في لحفد. ولأول مرة في تاريخ الانتفاضات الفلاحية الثورية في لبنان تشترك النساء بصورة مكشوفة وواسعة. ولكن تحالف القوى الاقطاعية وإغراق العامية بالدم واستخدام العنف المباشر قضى على هذه العامية.
بعد رحيل المصريين عن سورية في أوائل عام 1841 أخذ الاقطاعيون العائدون من المنفى في جبل حوران، يسعون للحصول على حقوقهم السابقة وأراضهم المتوارثة. وكان الأمير بشير الشهابي قد وزع مقاطعاتهم في فترة غيايبهم، وانتقل قسم من الأراضي إلى أيدي التجار والأديرة والفلاحين الأغنياء. ولهذا رفض صغار الفلاحين الطلبات الاقطاعية.
في خريف عام /1841/ انتشرت الحركة المناهضة للاقطاعية في مناطق لبنان المتوسط والجنوبي فقط، حيث سعى الاقطاعيون لاستعادة مواقعهم السابقة قبل مجيء ابراهيم باشا. أما لبنان الشمالي فكان لا يزال ينعم بالهدوء.
ولكن هذه الصدامات التي جرت بين الفئات المتصارعة أفادت في النهاية السلطة التركية التي سعت الى تثبيت أقدامها في جبل لبنان، كما أدت كذلك إلى استفحال أمر الرجعية الاقطاعية.
كانت "العاميات الثلاث" بالإضافة إلى حركتي عام 1782 وعام 1784 لا تزال في طور التمردات الفلاحية التقليدية المقتصرة على مقاومة الضرائب بقيادة الاقطاعيين المستائين من الوضع لعدم تمشيه مع مصالحهم الخاصة.
ولكن لبنان شهد – كما رأينا – خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، فترة تفسخ النظام الاقطاعي تحت تأثير العلاقات البورجوازية الناشئة. وكانت العلاقات البورجوازية والسلعية النقدية الآخذة في التطور تتناقض مع البنية الاجتماعية في البلاد حيث ينعدم التساوي بين مختلف فئات السكان، وحيث يسود حرمان الفلاحين وسكان المدن (بيروت – زحلة – دير القمر) من حقوقهم، وعدم صيانة أملاكهم وأرواحهم من تعسف الاقطاعيين، ومن استعمال الأوساط الإقطاعية لامتيازاتها من أجل الاستيلاء على اراضي الفلاحين وفرض الرسوم والأتاوات التعسفية.
وقد أدى التطور الاجتماعي – الاقتصادي في لبنان إلى تغير كبير في التركيب الطبقي للسكان. وتألفت القوى الطبقية في منتصف القرن التاسع عشر على النحو التالي(15).
1 – البورجوازية الجديدة الناشئة المؤلفة من التجار والمرابين وأصحاب الورشات الحرفية والمانيفاكتورات. وهذه البورجوازية تكونت أساسا من العناصر في كل من بيروت ودير القمر وزحلة وغيرها من التجمعات السكانية، أي القرى المهنية الكبيرة. وكانت هذه الأوساط البورجوازية الناشئة تربة خصبة لنمو الأفكار البورجوازية القادمة من أوروبا مع الرحالة ورجال السياسة والصحفيين والتجار وبحارة السفن.
2 – الأرستقراطية الاقطاعية التي فرضت سيطرتها على مناطق كسروان في الشمال، وفي الشوف، والجنوب.
3 – الفلاحون بأقسامهم الثلاثة المعروفة: الفلاحون الفقراء والمتوسطون والأغنياء.
وبسبب التناقضات في التوزع السكاني، استغلت الأرستقراطية الإقطاعية، توجيه التفجيرات الفلاحية التي قام بها فقراء الفلاحين، في غير مجراها الصدامي الطبقي ضد النظام الإقطاعي، وتحويلها إلى صدام طائفي، يضمن مصالح المستفيدين منها، مثل:
رجال الدين الموارنة – السلطات التركية – القنصليات الأجنبية في بيروت، إضافة إلى الأرستقراطية الاقطاعية المحلية المارونية والدرزية.
******
في عام /1845/ أخذت سحب الصدام بين الدروز والموارنة تبدو واضحة في سماء لبنان، فالجماهير الشعبية المارونية بقيادة أعيان مدينة دير القمر سعت للقضاء على الرجعية الاقطاعية التي كسبت الجولة في عام 1841.
والتجار الأغنياي دير القمر وأصحاب ورشات نسج الحرير الذين طمحوا بالتحرر من اضطهاد واشراف الاقطاعيين الدروز، أخذوا يتدخلون أكثر فأكثر في علاقات الاقطاعيين الدروز بفلاحيهم المسيحيين بحجة الدفاع عنهم (16).
ومع ان جوهر حوادث عام /1845/ هو معاداة الاقطاعية، إلا ان النضال ضد الاقطاعية اتخذ طابع الصدام بين الدروز والموارنة. لماذا؟... ثمة أسباب عديدة حولت مجرى الصدام بين الدروز والموارنة فالصدام الديني مثل قوة العداء الطائفي بعد حوادث عام 1841 والصلة الوثيقة بين الفلاحين الدروز ومشايخهم الخ... وكانت هناك عوامل أخرى كميل بعض الأوساط لتأريث العداوة واسباغ الطابع الديني على المعركة عمدا. وقد كانت هذه الرغبة ملازمة لرجال الدين الموازنة الذين حاولوا عن هذا السبيل أن يؤمنوا لأنفسهم الغلبة السياسية في البلاد.
وسرعان ما تتالت الاجتماعات وعقدت صفقات شراء الأسلحة الى أن اندلعت نيران القتال بين الدروز والموارنة في الأيام الأخيرة من نيسان واستمرت حتى أيلول من عام /1845/ لقد أنهكت الصدامات الدرزية المارونية في عام /1845/ قوى الجماهير الشعبية في لبنان الأوسط والجنوبي. كما أن تنازلات شكيب أفندي وزير خارجية الباب العالي، الذي قدم إلى بيروت لإعادة تنظيم الحكم في لبنان أضعفت حدة التناقضات القائمة في البلاد وأخمدت حركة الفلاحين مؤقتا(17).
ولكن موجة الحركة الفلاحية ابتدأت بالإرتفاع مجددا منذ النصف الثاني من الخمسينات بعد أن شهدت البلاد تطورا سريعا في المجالين الإجتماعي والاقتصادي.
منذ ربيع عام /1858/ بدأ الهياج بين الفلاحين في كسروان، في الوقت، الذي كانت الفئات الاقطاعية الكسروانية من آل الخازن تتصارع حول منصب القائمقامية. وقد أشار معاصر الأحداث أنطوان ضاهر العقيقي إلى أن الفلاحين بدأوا يعبرون عن استيائهم "باللهج فيما بينهم عن أنهم صاروا كالعبيد بيد المقاطعجية وما عاد لهم قول ولا مشورة في شيء".
والواقع أن العاميات الثلاث التي شملت فئات واسعة من الفلاحين في جبل لبنان، ونهضت بهم للنضال ضد تعسف الضرائب كونت، فيما بعد، خميرة جيدة وأعطت زخما قويا لأكبر انتفاضة فلاحية عرفها جبل لبنان، تلك الانتفاضة التي قادها في سنة 1858 البيطار طنوسن شاهين. فقد حاول زعيم الحركة أن ينشئ مجتمعا اشتراكيا زراعيا "كما أقام في مركز الانتفاضة" (جمعية الآخاء) تحت شعار "العداء لملاكي الأراضي"(19).
ورأى يوسف ابراهيم يزبك في الحركة الفلاحية التي قادها طانيوس شاهين معلن الجمهورية اللبنانية سنة /1858/ أول ثورة شعبية في بلاد العرب في العصر الحديث. وهي ثمرة تمرد الفلاح اللبناني على حكامه الاقطاعيين، وحصيلة نضال العامة في سبيل الرغيف والحرية. ولكن هذه الحركة لم تسلم من دسائس قناصل الدول الأجنبية الطامعين في السيطرة على بلاد العرب(20).
أما فؤاد قازان فتطرق إلى العناصر، التي تمازجت وتفاعلت وأدت إلى "الثورة الفلاحية الشعبية في القرن التاسع عشر في لبنان بقيادة طانيوس شاهين"(21). فالثورة لم تكن بنت يومها، بل هي ثمرة الصدوع العميقة التي أصابت بنية النظام الإقطاعي. فما ان أزف العقد السادس من القرن الماضي على نهايته حتى تبلورت مطالب الفلاحين في منطقة كسروان في دفتر المطالب التي رفعوها إلى مشايخهم وطالبوا في خريف /1858/ بتحقيق ما يلي:
1 – توزيع الأموال الأميرية ومال الأعناق بموجب ما سمي آنذاك بترتيبات شكيب أفندي وأن يدفع المشايخ ما يصيبهم منها دون زيادة بارة عليها".
2 – رفع التعديات والمظالم والزوايد من تساخير وخدم وحوالات تؤخذ من الأهالي بواسطة المشايخ وهي تتناقض مع الترتيبات الخيرية (أي الخطوط الهمايونية) ومحاكمة المخالفين وارغامهم على ارجاع ما قبضوه.
3 – المعايدات ورسومات النكاح التي كانت جارية من جناب المشايخ في بعض محلات أو معايدات المشايخ المترتبة عند مبيعهم أرزاقهم للأهالي فهذه تلزم بطالتها وازالتها بالكلية.
4 – قضية المأمورية التي هي من أعظم المهام لأجل سياسة الأهالي ورفع المظالم والمغايرات. فالمأمور لأجل السياسة بمقتضى العدالة والقوانين... وأن يقام بكل قرية وكيل أو وكيلان على قدر كبر القرية وصغرها تحصيلا للراحة وتسهيلا لنفوذ أوامر المأمور.
5 – بموجب الخطوط الهمايونية لا يكن تمييزات أو احتقارات بالمخاطبات وأن تتغير كافة الأصول القديمة بما يخص الكتابات وصارت رسومات جديدة للجميع.
6 – أن يكون أمر المأمور نافذا على الجميع من دون استثناء لا يكون معروفا ومميزا عن العموم.. وما بقي من جناب المشايخ اذا وقع منهم تعديات على الأهالي عليهم التأديبات.
مع تقديم هذه المطالب، التي لم تكن متطرفة، دخلت الثورة المرحلة الأخيرة من مراحل التفاوض السلمي بين الفلاحين والمشايخ. فالقوى الاقطاعية لم تذعن في هذه المرحلة لمطالب الفلاحين وبدأ واضحا أنها لا تفهم إلا لغة السلاح. وهذا دفع القوى الفلاحية لتغيير أسلوبها والانتقال إلى الشكل المسلح للثورة.
 
المحارزة
ثلاث نسخ مخطوطة تحفظ لنا «مجموع الأعياد» للطبراني
وليُّ اللَّه الشَّيخ خليل بن معروف
نصر بن معالي الخرقي- ج2
نصر بن معالي الخرقي شيخ من جبلة حفظته اثنتا عشرة مسألة.. الرجل الذي حفظته ورقة- ج1
محمد بن نصير وعبقرية «المعنى»: حين يصبح «المجموع/الدستور» سجنًا للعقيدة
20 آب 1926م مائة عام على تأسيس مدينة القامشلي
22 آب 1966 صدر المرسوم التشريعي رقم 100 بإحداث محافظة طرطوس
المعنى قبل المذهب.. كيف أعادت الدراسات الحديثة اكتشاف محمد بن نصير بعد ان نسيه أنصاره.
الشيخ المعلم محمود القصير.. من شعرة الضهر إلى مجلس الصويري ومقام الحاطرية و اثنتي عشرة قنطرة
أوغاريت ومعاهدة قادش: حين انتصرت الكلمة على السيف
350 عاما من بناء الصورة الأكاديمية للعلويين بين الرحلة والاستشراق والسياسة والتاريخ الحديث
الشيخ سلمان سريجس
الشيخ نصر الفاخوري شاعر الصويري وعالم وادي الخرنوب وصاحب مقام الدريكيش
كيف نشأت عبادة الأصنام في مكة وما حولها؟