المحارزة
2026.09.02
زين العابدين رمضان
المحرزيّون هم علويّون مُسلمون من أبناء مصر، وكانوا يُعَدُّون من المجاهدين لإقامة الدِّين الإسلاميّ والشرع القانونيّ المحمَّديّ، ولجهادهم هذا كافأهم "سبحانه وتعالى" بأن أخرجَ منهُم أمراءَ وحكّاماً عَظُمَ قَدرُهُم، وسمتْ منزلتهم. وينتسبون إلى الأمير الشيخ محمّد الجيشي ابن الأمير الشيخ محرز الجيشي ابن الأمير الشيخ محمّد (عصمة الدَّولةِ) ابن الأمير علي (معزّ الدَّولةِ).
لم يأتِ المحارزةُ مِنْ مِصرَ مباشرةً بَلْ مِنَ العراق، وتحديداً من بغدادَ إلى سورية، وإنَّما تَمَّتْ هُجراتهم إليها عبر دفعات:
1- أول هجرة للمحارزة كانت إبّان حكم الخليفة الفاطمي المُعِزّ لدين الله (319هـ - 931م\365هـ - 975م) حيث امتدّ حكمه إلى سورية ولبنان وفلسطين (حسب التقسيم الحاصل الآن).
وهاجر بعض المحارزة من بني فلاح إلى سورية ونزل بعضهم في قلعة بارين - بعرين شرق مصياف، وامتلكوا دير الصليب القريبة منها، وامتدّوا إلى قلعة المضيق فالمعرّة، وذلك حوالي أوائل النصف الأول من القرن الرابع الهجري (350هـ - 961م).
وعُرفَ منهم: الأمير فضل الدِّين ابن الأمير مُحَمَّد الأدرعيّ (حاكم حماة ومصياف).
وقد ورد في مصدر آخر:
"كان الأمير فضل الدِّين - صاحب الدّرع - حاكماً على (قلعة القدموس)، وقد توفّي في حماة، وصلّي عليه، ودُفن في محلّةٍ بالقرب من قلعة حماة، فبنوا له هناك قبّة لا تزال إلى يومنا هذا".
وأتى قسم منهم إلى صافيتا، وأقام في قلعة «الكيْمة»، ومنهم: الشيخ حامد بن صالح الكيمة الذي بسط نفوذه على صافيتا وجوارها، وعاصر بدء نشوء دولة «بني عمّار»، وكان دعامةً لها، وحارب البزنطيّين (الذين كانوا يشنّون هجمات على صافيتا من اللاذقية) والأكراد سبع سنوات.
2- بعد زوال الحكم الفاطميّ سنة (561هـ - 1166م) على يد صلاح الدِّين الأيوبي أتت دفعةٌ كبيرة من محارزة مصر إلى الساحل السوري، وسكنوا في (جرود جبال لبنان)، وكان صلاح الدِّين قد خيرّهم بين ترك المذهب الجعفري أوِ التهجير القسري، فكان خيار الأكثريّة الخيار الثاني، إلّا أقلّية بقيت متخفّية، وقد ذاقوا منه شتّى أنواع العذاب والقهر في أثناء حكمه لمصر وسورية.
3 - جاء المحارزة سنة (620هـ - 1223م) برئاسة آل البلقيني؛ لمساعدة الأمير حسن بن المكزون السنجاري ضدّ الصليبيّين والأكراد وغيرهم، واستقرّ هؤلاء في "قرية بشراغي" في منطقة جبلة.
4- وجاؤوا أثناء حروب الظاهر بيبرس (أحد سلاطين المماليك) في سورية وحكمه لها ولمصر، وكان في جيشه قسم من المحارزة، فاستقرَّ معظم هولاء في سورية ولمّا بلغه ما كان من أمراء المحارزة وهجرتهم إلى بلاد الشام شاء أن يُعيد إليهم شيئاً من نفوذهم ومجدهم (ليستفيد من خبرتهم في إدارة الحروب وحكم البلاد)، فعيَّن منهم حكَّاماً، وزاد في إكرامهم، وسُمّيتْ عصبتهم: «الفداوية»، ومراكز سكنهم القلاع.
وعندما تكوّنت هذه الإمارة كانت أكثر القلاع التي يحكمها الأمراء المحارزة ضمن هذه الإمارة كالمرقب والعلّيقة ومصياف وغيرها، ونظراً لعدم قبول الأمراء المحارزة التعاون مع الصليبيين عندما طُلب منهم ذلك شأنه شأن كل مستعمر يحاول أن يجد من سادة الشعب الذي يحتلّ أرضه رجالاً يتعاونون معه لتيسير الأمر عليهم في إدارة البلاد، وعندما رفض أمراء المحارزة هذا التعاون، وَقَبِلَهُ البعض من غيرهم تسلّم الصليبيون القلاع، والحصون الساحلية لصالحهم؛ كالمرقب، وطرطوس، وصافيتا، وغيرها، وتسلّم المتعاونون معهم القلاع الشَّرقيّة كمصياف وغيرها، ولم يبقَ لهم إلّا بعض الحصون القليلة الشأن كالشيخ علي المجدل، ودير الجرد، والعلّيقة، والمُنيقة وما أشبه.
ووردَ في كتاب تاريخ دمشق لابن القلانسي في سياق حديثه عن الإسماعيلية في الشام وقوَّتهم قوله: «وكانوا - يقصد الإسماعيليين - قد تسلّموا حصن القدموس من صاحبه ابن محرز الذي فضَّل أن يُسلِّمهم إيّاه على أنْ يُسلّمه لنورِ الدِّين الشهيد».
ووردَ في كتاب «القلاع الصليبية في بلاد الشام» تأليف عالم آثار ألماني، وهو كتابٌ مُتَرجَمٌ مِن قِبَلِ وزارة الدفاع السورية قوله عن «قلعة المرقب»:
«بنى هذه القلعة عام /1026/ ميلادية شيخ مشايخ القبائل العربية الجبلية في المنطقة، وحينما تكوّنت إمارة أنطاكية الصليبية، وكانت ضمن حدودها تسلّمها الأمير روجيه (أمير إنطاكية الصليبي) من صاحبها ابن محرز بعد مفاوضات طويلة، وأهداها إلى فرسان الاستبارية»، ولكنّ الشعب العلويّ بَقِيَ مَلْتَفّاً حول هؤلاء الأمُراء، وهم منه انتماءٌ ومذهبٌ، وكان لهذا الأمر إيجابية كبيرة في عدم تمكّن الصليبيين من تنصير الشعب العلوي حينذاك رغم محاولاته الكثيرة.
كما جرّبوا هذا الأمر ثانيةً عند احتلال فرنسا المنطقة مؤخَّراً، وفشلوا كذلك لالتفاف الشعب حول قائد الثورة الشيخ صالح العلي، والثِّقات من المشايخ الأجلّاء.
كما - أنّه نتيجةً لما سبق - أخذ قسم منهم انتساباً جديداً في المجموعات التي عاشوا فيها مع مرور الزمن.
وكانت هذه الإمارة تُعاصر في حينها إمارة بني منقذ في «شيزر»، وكانت الإمارتان صغيرتان لا تستطيعان التوسُّع أوِ الوقوف وحدهما في وجه قوىً عسكريّةٍ قويّةٍ في تلك الأيّام، وكلاهما كانتِ امتداداً لحاكمٍ قويٍّ، فالمحارزة يستمِدّون قوّتهم من الحكم الفاطميّ في مصر، وشيزر تستمدّ قوّتها من الدَّولة المرداسية في حلب.
وإنّ من النقاط الوثائقية لقيام هذه الإمارة التي بدت لي خلال مطالعاتي صدفةً ما يلي:
وردَ في كتاب تاريخ الحروب الصليبية لأحد المؤرّخين الأوروبيّين، وهو كتابٌ مُتَرجَمٌ إلى العربية بثلاثة أجزاء، ورد في سطرٍ أو سطريْن ما يُشير إلى أنّ الجيش الصَّليبيّ عندما دخل المنطقة قاصداً نحو القدس دخل على مِحْوَرَيْن:
الأوّل: المِحوَر الدَّاخليّ المعرّة، الغاب، وادي السَّاروت جنوباً باتِّجاه القُدس، واصطدمَ هذا الجيش الصليبيُّ بإمارة شيزر التي كانت مِنَ الضّعف بحيث لا تقدر على مقاومة هذا الجيش الكبير، ودخل الجيش الثاني - وهو الأقل - عن طريق الساحل أنطاكية - اللاذقية - طرطوس باتجاه القدس، وكانت إمارة المحارزة في طريق هذا الجيش، وهي الحال نفسه التي كانت عليها إمارة شيزر.
وهذا هو الشيخ حسن الأجرودي (ق) يقول في قصيدته "النونية":
والمحرزيّـــــــــــون ملكوا الأرض بعدهم
وقـــــــــــام في مصـر عـزّهم وسـعدهـم
وفي الحصـــــــون العوالي تــمَّ قصدُهُمْ
عـلى مـمـرّ الـليـــــــــــــالي زاد مـجدهـم
بانوا فبانوا فبانَ القلبُ مُذْ بانوا
وَوَرَدَ في كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ «أحد أمراء شيزر»:
«وقد كان بعضُ الحَلَبِيّينَ أخذ نمِراً وجاء به في عدلٍ إلى صاحب القدموس، وهو لبعض بني محرز، وهو يشرب، ففتح العدل، فخرج النّمر على مَنْ في المجلس، فأمّا الأميرُ فكانَ عند طاقةٍ في البرج دخل منها، وغلّق عليه الباب، وَجال النمر في البيت فقتل بعضهم، وجرح آخرين إلى أن قتلوه».
وقد كان يَرِدُ ذكر بعض الأمراء المحارزة هكذا (ساف، وزان، وجوهر، ورَيحان)؛ سيف الدِّين، وزين الدِّين، وجوهر الدِّين، ورَيحان الدِّين، وهؤلاء كانوا بقايا "الأمراء المحارزة" بعد انتهاء سلطتهم الدنيويّة، وكانوا في قلعة المَيْنَقة - وادي القلع حالياً، ولم تَزَلْ قُبورُهُم بها. ويظهر أن جيرانهم استبعدوهم؛ لِسَبَبٍ أوْ لآخَرٍ مِنَ المنطقة، فهجَرُوها إلى أماكنَ أُخرى.
- وفي (عكّارالعتيقة) شمالي لبنان حِصن يُطلَق عليه اسم حصن ابن عكّار على اسم بانيهِ، وهو (محرز بن عكّار).
وقد ورد أنَّهُ في حوالي العام 1000 ميلادي:
"أدّى التمرّدُ الذي حصل ضدَّ الفاطمِيّين عام 1024م إلى استيلاء صالح بن مرداس على هذه القلعة (قلعة ابن عكّار أو حِصنه)"، ومحرز هذا كان يتلقّى الدَّعمَ مِنَ الدَّولةِ الفاطميّةِ في مِصرَ.
ويُقالُ حَسَب المؤرِّخ ابن واضح اليعقوبي:
"إنّ محرز بن عكّار قُتِلَ العام 864 للميلاد الذي كان يتزعَّمُ الثائرينَ ثم صار الحصنُ مَسكناً لفرسان "سان جيل" أيام الصليبيين، ومن ثم استردَّهُ السُّلطان محمَّد بن قلاوون بعد فتحهِ مدينة طرابلس٥. وقد ذُكر الأمير علم الدَّولة يوسف بن محرز أنَّ مدفنهُ عند مشارف قرية عين الفوّار في منطقة شين.
وقد ورد في "نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري": (وأمّا حصن الخوابي، وهو من جبل بهراء، فإنّ مُحَمَّدَ بن علي بن حامد سَلَّمَهُ للرُّوم في سنة إحدى عشرة وأربعمئة ثمّ صار للإسماعيليّة، وأمّا القدموس فإنّه كان في يَدِ بني محرز بعد ولاية العُبَيدِيّين، وكان آخر بني محرز منير الدَّولة حمدان بن حسن بن محرز، فتوفّي، وَملَكَهُ بعدهُ ولدهُ عَلَم الدَّولة يوسف، فَضَعفَ عَنْ حفظه، فسلَّمهُ للإسماعيليّة في سنة ثلاث وعشرين وخمسمئة).
وفي الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبية الجزء 15:
(كانت فتنةُ الإسماعيلية بدمشق، وكان بن محرز قد سلّم إليهم حِصن القدموس ...).
وقد ورد في كتاب (سلسلة الجبال الساحليّة): "وذكَرنا سابقاً أنّ قلعة المرقب بُنِيَتْ حوالي عام 1062م، وحاول البيزنطيّون احتلالها عام 1104م، وفي أثناء إحدى غاراتهم على السواحل السورية (ورُبّما خضعت لهم بعض الوقت) كانت بِيَدِ العرب (على الأغلب بنو محرز).
وبقيتْ بِيَدِ بني محرز حتَّى سلّموها إلى "روجيه" أمير أنطاكية بعد مفاوضات طويلة بين الطرفين، وهناك بعض المراجع تقول أنّه احتلّها احتلالاً، وكان ذلك بين عاميّ (1116م – 1117م)".
-------------------------------------------------------------
١ التاريخُ إِنْ نَطَقْ - ص (209 - 210 - 211 - 212 - 213 - 214 - 215)، زين العابدين أحمد رمضان - الطبعة الأولى 2026م - المطبعة العربية - بيروت.
وقد ذكر الكاتب (المصادرَ) جميعها في هذا المقال للأمانة التوثيقية.