ثلاث نسخ مخطوطة تحفظ لنا «مجموع الأعياد» للطبراني
2026.09.01
جورج برشيني
حين يتناول الباحث التراث العلوي القديم، يواجه مشكلة منهجية أساسية: كثير من الكتب المنسوبة إلى هذا التراث لم تصل إلينا في نسخ المؤلفين الأصلية ( النسخ الأصلية موجودة عند العلويين وفي مكتبتي التي أحرقت وصودرت في دمشق وموجودة بعض النسخ التي وصلت للغرب أيام الاستعمار )، بل عبر مخطوطات نُسخت بعد قرون طويلة من وفاة أصحابها، ثم انتقلت بين خزائن خاصة وعامة، وبعضها وصل إلى المكتبات الأوروبية في ظروف تاريخية معقدة ارتبطت بالوجود القنصلي في بلاد الشام خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
انظر تفاصيل الفهرس على www.shamela.ws/book/143165.
أهم هذه النسخ من الناحية التاريخية هو مخطوط برلين رقم 4292. بحسب بيانات سزگين: برلين 4292 — 27 ورقة — مؤرخ سنة 1138هـ.
يعني ذلك أن النسخة الموجودة في برلين ليست مخطوطاً بخط الطبراني نفسه. فالطبراني عاش في القرن الرابع الهجري، بينما نُسخت هذه النسخة في القرن الثاني عشر الهجري، أي بعد وفاة المؤلف بنحو سبعة قرون.
هذه نقطة جوهرية ينبغي فهمها بدقة: نحن لا نملك، وفق المعطيات المتاحة، نسخة أصلية من عصر المؤلف، وإنما نملك شاهداً مخطوطاً متأخراً نسبياً على تداول الكتاب.
بحسب المادة التي اعتمد عليها شتروتمان في دراسته للعلويين، فإن القنصل البروسي في بيروت فون فيلدنبروخ (von Wildenbruch) هو الذي أحضر المخطوط إلى برلين.
لم يكن الرجل سفيراً بالمعنى الدبلوماسي الحديث، بل قنصلاً بروسياً في بيروت. وكانت القنصليات الأوروبية في القرن التاسع عشر تؤدي دوراً بارزاً في جمع المخطوطات الشرقية ونقلها إلى المكتبات الأوروبية، سواء بالشراء أو الإهداء أو الجمع العلمي المنظم. وهكذا انتقل «مجموع الأعياد» من بيئته السورية إلى برلين، وأصبح جزءاً من المادة التي يستطيع الباحثون الأوروبيون الرجوع إليها مباشرة.
تفاصيل إضافية عن نشاط هذا القنصل متاحة على www.qalamos.net.
هنا تظهر مفارقة منهجية مهمة. برلين 4292 ذو أهمية تاريخية كبيرة، لكنه لم يكن أفضل نسخة نصية متاحة. فعندما شرع شتروتمان في تحقيق الكتاب ونشره، وجد أن اللغة والنص في هذه النسخة يعانيان من مشكلات واضحة، ولذلك لم يعتمد عليها وحدها.
وتذكر المادة الألمانية صراحة أن الحالة اللغوية كانت سيئة إلى درجة اضطر معها شتروتمان إلى الاستعانة بنسخة أفضل كانت بحوزة ضابط فرنسي في زمن الانتداب الفرنسي، حتى يتمكن من إعداد نص قابل للنشر.
نشرة رودولف شتروتمان الصادرة سنة 1946 ليست تفريغاً حرفياً لمخطوط واحد، بل محاولة نقدية لإعادة بناء النص. اعتمد أساساً على نسخة برلين، ثم قارنها بالنسخة الفرنسية الأفضل لغةً وترتيباً.
هذا يعني أن النص الذي بين أيدينا اليوم نتيجة عمل تحقيقي يجمع بين قراءات متعددة، ويحاول ترميم المواضع الغامضة أو المحرفة. أهمية عمل شتروتمان تكمن في أنه فتح الباب أمام الباحثين الغربيين والعرب للاطلاع على «مجموع الأعياد» بشكل منظم، لكنه في الوقت نفسه يذكّرنا بأن أي استشهاد بنص الطبعة يجب أن يُعامل بحذر: فهو نص معادٌ بناؤه، لا نسخة أصلية. ومن هنا تظهر الحاجة إلى العودة إلى المخطوطات نفسها كلما أمكن، خاصة عند دراسة أبواب حساسة مثل مقتل دلام أو الغدير الثاني.
النسخة الثانية التي يسجلها سزگين هي: الظاهرية «عام 5» — 148 ورقة — مؤرخة سنة 1138هـ.
تتميز هذه النسخة بعدة خصائص: أقدم زمنياً من معظم النسخ المتأخرة المعروفة، ومؤرخة بالسنة نفسها التي أرخت بها نسخة برلين، وأكبر حجماً بكثير: 148 ورقة مقابل 27 ورقة.
الفرق في عدد الأوراق لا يعني بالضرورة أن إحدى النسختين «كاملة» والأخرى «ناقصة». فقد يتعلق الأمر بطريقة التجليد، وحجم الخط، وتنسيق الصفحة، وعدد الكلمات في السطر، وما إذا كانت النسخة تحتوي النص كاملاً أو أجزاء منه فقط. ومع ذلك فإن وجود نسختين مؤرختين بالسنة نفسها (1138هـ) في برلين والظاهرية أمر بالغ الأهمية؛ فنحن أمام شاهدين مخطوطين من القرن الثاني عشر الهجري.
( الثروة السورية التي لا نعرف قيمتها واليوم أخاف على كل مخطوطاتها)
المكتبة الظاهرية في دمشق ليست مؤسسة حديثة النشأة. المبنى نفسه مرتبط بالمدرسة الظاهرية التي أسسها السلطان الظاهر بيبرس في دمشق في القرن السابع الهجري، وأصبحت المنطقة مركزاً مهماً للعلم والمخطوطات. أما المكتبة العمومية الحديثة فقد بدأت في أواخر القرن التاسع عشر؛ جُمعت فيها مخطوطات وكتب كانت موزعة في مكتبات دمشق ومدارسها وخزائنها الخاصة. تأسست المكتبة العمومية حوالي 1296هـ/1879م، وافتُتحت للقراء في 1298هـ/1881م تقريباً.
لمزيد من التفاصيل التاريخية انظر www.ar.wikipedia.org/wiki/المكتبة_الظاهرية.
مع مرور الوقت أصبحت الظروف الفيزيائية في المكتبة الظاهرية غير مثالية لحفظ هذا الكم الهائل من المخطوطات. وبعد إنشاء مكتبة الأسد الوطنية في دمشق، نُقلت إليها أعداد كبيرة من مخطوطات الظاهرية وكتبها النادرة، ولا سيما لأغراض الحفظ والترميم والفهرسة. تم النقل بعد افتتاح مكتبة الأسد في الثمانينيات، بينما بقي مبنى الظاهرية قائماً واستمر يحتفظ بجزء من مجموعاته.
ملاحظة مهمة:
إذا أراد الباحث اليوم الوصول إلى مخطوط «الظاهرية عام 5»، فمن الخطأ أن يفترض البحث داخل مبنى الظاهرية القديم فقط. بل عليه الرجوع إلى فهارس مكتبة الأسد الوطنية ومجموعات الظاهرية المنقولة إليها.
النسخة الثالثة التي يذكرها سزگين مختلفة عن نسخة الظاهرية. يقول: «يوجد في مدينة العلويين في سوريا مخطوط في 187 ورقة من سنة 1329هـ».
يعني ذلك وجود شاهد ثالث: 187 ورقة — 1329هـ. أي أنها متأخرة عن نسختي برلين والظاهرية بنحو قرنين تقريباً. والأهم أنها كانت في البيئة العلوية السورية نفسها بحسب الوصف الذي سجله سزگين.
تعطي هذه النسخة قيمة مختلفة عن قيمة مخطوط برلين. فبرلين يخبرنا عن انتقال النص إلى البيئة الأوروبية وعن حفظه في مؤسسة بحثية أوروبية، بينما تقدم النسخة السورية شاهداً على استمرار وجود الكتاب في البيئة التي ارتبط بها الموروث النصيري/العلوي. ومع ذلك يجب الحذر المنهجي: سزگين يثبت وجود النسخة، لكنه لا يصف طريقة تداولها أو من كان يملكها.
إذا وضعنا النسخ الثلاث أمامنا، تتضح الصورة على النحو الآتي:
• نسخة برلين 4292: في برلين، 27 ورقة، سنة 1138هـ، شاهد قديم وصل إلى أوروبا وأصبح أساساً مهماً للدراسة.
• نسخة الظاهرية «عام 5»: في دمشق، 148 ورقة، سنة 1138هـ، شاهد سوري مخطوط من الفترة نفسها تقريباً.
• نسخة مدينة العلويين: في سورية، 187 ورقة، سنة 1329هـ، شاهد متأخر مرتبط بالبيئة السورية العلوية.
لا ينبغي حصر مصادر شتروتمان في النسخ الثلاث التي ذكرها سزگين. فبحسب المادة الألمانية، اضطر شتروتمان إلى استخدام نسخة أفضل من نسخة برلين كانت في حوزة ضابط فرنسي من زمن الانتداب. يصبح مسار النص تقريباً على النحو الآتي:
١. الطبراني (القرن الرابع الهجري)
٢. مخطوطات نُسخت في عصور لاحقة
٣. نسخة برلين 4292 (1138هـ)
٤. القنصل البروسي فون فيلدنبروخ ينقلها إلى برلين
٥. شتروتمان يدرسها ويكتشف سوء حالتها اللغوية
٦. يستعين بنسخة أخرى أفضل كانت لدى ضابط فرنسي
٧. ينشر النص العربي المحقق سنة 1946.
الجواب بصراحة: نحن نقرأ نصاً أعاد المحقق بناءه اعتماداً على مخطوطات متأخرة، وليس مخطوطاً أصلياً بخط الطبراني ( أعود للحزن مرة ثانية على مكتبتي الخاصة في دمشق )
عندما نبحث في موضوعات مثل 9 ربيع الأول، مقتل دلام، الغدير الثاني، المباهلة، الفراش، عاشوراء، والتجليات، لا يكفي أن نجد هذه العناوين في كتاب حديث.
الأقوى منهجياً أن نتمكن من القول: هذا الباب موجود في مخطوط مؤرخ سنة 1138هـ، ثم نقارنه بنسخة أخرى مؤرخة في السنة نفسها، ثم نرى هل النص موجود أيضاً في نسخة 1329هـ، ثم نقارن الجميع بالنص الذي نشره شتروتمان سنة 1946.
عندها يمكن التمييز بين ما هو قديم في النص نفسه، وما قد يكون إضافة ناسخ، وما أضافه المحقق، وما قاله الباحثون بعد ذلك. هذا هو الأسلوب الصحيح إذا أردنا دراسة «مجموع الأعياد» دراسة تاريخية، بعيداً عن كتب الخصوم وبعيداً أيضاً عن الروايات الدفاعية الحديثة.
نحن كباحثين سوريين أقدر نظرياً على فهم هذا التراث ودراسته، بفضل الإلمام باللغة والبيئة التاريخية والاجتماعية التي نشأ فيها النص. لكن الواقع مختلف: البيئة البحثية وأدوات العمل غير متوفرة بالشكل المطلوب.
صعوبة الوصول إلى صور المخطوطات، وضعف الفهارس الرقمية المتاحة محلياً، وغياب الدعم المؤسسي المستمر، كلها عوامل تجعل الباحث السوري يعتمد في كثير من الأحيان على ما نشره المستشرقون أو ما تبقى من نسخ متفرقة.
لهذا يبقى الطموح الأكبر هو بناء بنية تحتية بحثية محلية تسمح بمقارنة المخطوطات مباشرة، بدل الاعتماد على طبعة واحدة محققة في الأربعينيات.
لدينا ثلاث نسخ أساسية موثقة في فهرس سزگين:
① برلين 4292: 27 ورقة، 1138هـ، وصل إلى برلين بواسطة القنصل البروسي في بيروت فون فيلدنبروخ.
② الظاهرية «عام 5»: 148 ورقة، 1138هـ، كانت ضمن تراث دار الكتب الظاهرية في دمشق التي جمعت مخطوطات المدينة في أواخر القرن التاسع عشر، ثم نُقلت أعداد كبيرة من مخطوطاتها لاحقاً إلى مكتبة الأسد الوطنية.
③ نسخة «مدينة العلويين في سورية»: 187 ورقة، 1329هـ، وهي الشاهد السوري المتأخر الذي سجله سزگين.
أهمية الطبعة
كانت هذه أول طبعة علمية متاحة للباحثين الغربيين (ولاحقاً العرب) لنص أساسي من التراث النصيري/العلوي. قدم شتروتمان النص العربي مع ملاحظات وتحقيق، مما فتح الباب أمام دراسات لاحقة حول الأعياد والطقوس والعقائد النصيرية.
يمكن الاطلاع على نسخة من النص المحقق على مواقع مثل archive.org (ابحث عن «مجموع الأعياد تحقيق شتروتمان»).
جورج برشيني
دوسلدورف ٢٣ آب ٢٠٢٦