كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الهوية المتوسطية بين الإغريق والعلويين.. دراسة أنثروبولوجية في الجسد والنغمة والروح

منصور حسنو
في الساحل السوري، حيث تتكسر الأمواج على صخور اللاذقية وطرطوس، يعيش الإنسان العلوي في فضاءٍ جغرافي وثقافي يشبه إلى حدٍّ بعيد الفضاء الذي تشكّل فيه الوعي الإغريقي القديم. هنا وهناك، يتنفس الجسد رطوبة البحر، ويتخذ الصوت إيقاعًا متموجًا، وتبقى العلاقة بين الطبيعة والإنسان أكثر حميمية من أن تُختزل في منظومة دينية أو فلسفية واحدة.
لقد عشت فترة جيدة مع وبين العلويين، الأخيار منهم والأشرار، المؤمنين والملحدين، يظهر لي أن قسما كبيرا من العلويين ينتمي إلى العرق الإغريقي، ولا تزال المؤثرات الاغريقية متشربة في الشخصية العلوية حتى لو كانت غير واعية ومدركة باغريقيتها، وقد تحدثت سابقا عن وجود بقايا عرق نادر روماني في إدلب، له لون بشرة وعيون تكاد تكون نادرة في سورية مع ملاحظة نسبة ذكاء عالية عند هذه الشريحة، وأنا هنا لا اقصد مطلقا من بحثي وملاحظاتي أي تأكيد لدلالة عنصرية أو تمييزية بقدر ما أقصد أن سورية لديه ثروة حقيقية من بقايا الأعراق والشعوب.رجل يوناني كبير مع شارب كبير ذكي واثق من كبار السن صورة ...
1. التاريخ الموروث: الإغريق الذين لم يغادروا الساحل
حين أسس سلوقس الأول نيكاتور مدينة لاوديسية (اللاذقية) في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد، كان يزرع في الساحل السوري نواة هوية متوسطية باقية حتى اليوم. المدينة حملت اسم والدته لاوديكه، وشقيقاتها الثلاث — أنطاكية وسلوقية وأرواد — شكّلت شبكة هيلينية متكاملة امتدت قرونًا تحت الحكم السلوقي ثم الروماني والبيزنطي.
لم يغادر الإغريق الساحل، بل ذابوا في سكانه المحليين، فصارت اللغة والملامح والنغمة مزيجًا بين الآرامي والعربي واليوناني، وهو ما يفسر الطابع اللحني واللهجة المائلة إلى الإمالة الصوتية في كلام أبناء الجبال اليوم.
2. الصوت كذاكرة: نغمة البحر الأبيض المتوسط
اللهجة العلوية، بنبرتها الموسيقية وتموجها اللحني، تشبه إلى حد كبير الإغريقية الحديثة في انحدار الأصوات وصعودها، وفي الميل إلى الإطالة والتلحين.
الاثنتان تنتميان إلى “موسيقى البحر الأبيض المتوسط”، التي لا تفصل بين اللغة والغناء.
الكلمة تُقال وكأنها تُغنّى، والنبرة تذكّر بموج البحر الذي لا يعرف الصمت التام.
هذه السمة الصوتية ليست دليلاً على نسبٍ لغوي مباشر، بل على بيئة سمعية مشتركة أنتجت الإيقاع ذاته في الضفتين.
أردت مشاهدة مسلسل يوناني دون أن أفهم لغته ولكن ركزت على نبرة الصوت ولغة الجسد المتوافقة مع الكلام، تكاد تشبه كثيرا نبرة الصوت العلوية مع تشابه في حركات الجسد.
3. الجسد كهوية: من العرق إلى الأوزو
في الساحل السوري، كما في الجزر اليونانية، يُقطّر العنب في الخوابي ليتحوّل إلى عرقٍ صافٍ، يُمزج بالماء فيتحوّل إلى بياضٍ ضبابي.
المشهد نفسه يتكرر في الحانات الصغيرة في أثينا أو سانتوريني مع الأوزو.
المشروبان يخرجان من الأرض نفسها، من شمسٍ واحدةٍ ويانسونٍ واحد، ويُشربان بالروح نفسها: بطء، حوار، وصداقة.
العرق والأوزو ليسا شرابًا، بل طقسًا للانتماء إلى الحياة.
من خلالهما، يحتفل الإنسان بالجسد لا بوصفه مصدرًا للذنوب، بل بوصفه ترجمةً حسيةً للوجود نفسه.
4. فلسفة الجسد: من ديونيسوس إلى الفلاح الساحلي
الإنسان الإغريقي القديم رأى في الجسد معبدًا للجمال، والجمال طريقًا إلى معرفة الإله.
وفي الثقافة الساحلية العلوية، يمكن أن نلمح بقايا تلك الفلسفة في الانفتاح على اللذة البريئة، في الغناء، في الرقص، في اختلاء الشاب بصبية تحت شجرة أو خلف صخرة، وفي الاحتفاء بالطبيعة كأمٍّ مقدسة.
ليس صدفة أن يفتح الرجل الساحلي قميصه في الصيف ليُظهر شيئًا من صدره، كما يفعل اليوناني القروي؛ فالمعنى واحد: الجسد لا يُخفي ذاته عن الشمس.
هو لغة صدق واعتزاز ودفء، امتدادٌ لنفس النظرة التي ربطت بين الجسد والحقيقة في الفكر الإغريقي القديم.
5. الحدود الأخلاقية: من المثلية إلى التوازن الطبيعي
رغم الأسطورة الشائعة عن “تساهل الإغريق مع المثلية”، فإن اليونان الحديثة — مثل الساحل السوري — مجتمعٌ محافظ يقوم على العائلة والقرية والعرف والكنيسة.
القانون الأوروبي متسامح، لكن الحسّ الشعبي لا يزال يرى في العلاقات الطبيعية بين الرجل والمرأة توازنًا كونيًا ينبغي احترامه، لذلك تقل المثلية الجنسية في اليونان مقارنة مع كثير من الدول
أما عند العلويين، فالموقف ليس عقابيًا بقدر ما هو فلسفة عن الانسجام الطبيعي؛ الطبيعة تُعبّر عن نفسها عبر ازدواجية الخصب، لا عبر تماثلٍ مغلق، العلويون من أكثر الجماعات البشرية ابتعادا عن المثلية الجنسية.
6. الترجمة كجسر بين العلويين واليونانيين:
من أعمق مظاهر التشابه بين العلويين واليونانيين نزعتهم المشتركة إلى الترجمة بوصفها فعلًا وجوديًا.
كلاهما يعيش على تخوم الهويات، ويبحث عن التوازن بين الموروث والحداثة.
المثقف اليوناني يترجم ليعيد وصل الحاضر بالماضي الإغريقي، والمثقف العلوي يؤوّل النص ليعيد ربط الإيمان بالعقل.
الترجمة عند الطرفين ليست نقلًا لغويًا فحسب، بل بحث عن معنى الكلمة الأصلية التي ضاعت في التاريخ.
ولأن كليهما ابن البحر، فإن التعدد اللغوي والثقافي ليس خطرًا بل طبيعة ثانية — البحر لا يتكلم لغة واحدة، بل يترجم نفسه في كل موجة.
هكذا تصبح الترجمة، عند الإغريقي والعلوي معًا، مرآة للهوية المتوسطية التي لا تعيش إلا بالحوار، ولا تحمي ذاتها إلا بالانفتاح على الآخر.
لو قمنا باحصائية بسيطة ترصد نسبة المترجمين العلويين مقارنة مع غيرهم من السوريين سنجد شغفا علويا بالترجمة ونقل الأدب العالمي والفلسفي إلى العربية وهذه ملاحظة كبيرة يجب الحديث عنها بتفصيل أكثر وفهم اعمق خصوصا إذا ما قارنا عدد المترجمين السنة مقارنة مع العلويين!
7. التشابه العميق: الجمال كإيمان
كلٌّ من الإغريقي والعلوي ينتمي إلى ثقافةٍ ترى في الجمال طريقًا إلى الله.
في اللغة، في الغناء، في العرق، في الجسد المكشوف للهواء، في حب الأرض والبحر — كلها مظاهر لفلسفة واحدة تقول إن الروح لا تنفصل عن الجسد، والإيمان لا ينفصل عن الحياة.
إنها هوية البحر الأبيض المتوسط التي قاومت الموت عبر التكرار: تتبدّل الأسماء، تبقى الروح.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى العلويين بوصفهم امتدادًا للروح المتوسطية القديمة التي مزجت بين العقل الإغريقي والتصوف الشرقي، بين الزراعة والفلسفة، بين الخمر والماء، بين الضوء والظل.
إنها هويةٌ لا تنتمي إلى دينٍ واحدٍ وكانت لتشكل أهم جماعات الشرق الظالم المظلم استنارة وتحررا لولا 60 سنة من الأسدية!
إذا كان وزر 60 سنة من حكم الأسدية قد جعل السنة بهذا الشكل العصابي التعويضي من الهروب نحو الدين الشكلي فكيف سيكون أثر تلك 60 سنة الماضية والقادمة على العلويين؟
الصورة الأولى: الفنان الكبير أسعد فضة

الصورة2: رجل يوناني

صفحة غسان صالح عيسى 
المحارزة
ثلاث نسخ مخطوطة تحفظ لنا «مجموع الأعياد» للطبراني
وليُّ اللَّه الشَّيخ خليل بن معروف
نصر بن معالي الخرقي- ج2
نصر بن معالي الخرقي شيخ من جبلة حفظته اثنتا عشرة مسألة.. الرجل الذي حفظته ورقة- ج1
محمد بن نصير وعبقرية «المعنى»: حين يصبح «المجموع/الدستور» سجنًا للعقيدة
20 آب 1926م مائة عام على تأسيس مدينة القامشلي
22 آب 1966 صدر المرسوم التشريعي رقم 100 بإحداث محافظة طرطوس
المعنى قبل المذهب.. كيف أعادت الدراسات الحديثة اكتشاف محمد بن نصير بعد ان نسيه أنصاره.
الشيخ المعلم محمود القصير.. من شعرة الضهر إلى مجلس الصويري ومقام الحاطرية و اثنتي عشرة قنطرة
أوغاريت ومعاهدة قادش: حين انتصرت الكلمة على السيف
350 عاما من بناء الصورة الأكاديمية للعلويين بين الرحلة والاستشراق والسياسة والتاريخ الحديث
الشيخ سلمان سريجس
الشيخ نصر الفاخوري شاعر الصويري وعالم وادي الخرنوب وصاحب مقام الدريكيش
كيف نشأت عبادة الأصنام في مكة وما حولها؟