حول الرسالة المنسوبة إلى النبي محمد والموجهة منه إلى رهبان دير سانت كاترينا بسيناء
2025.10.31
عبد الناصر القادري محمد اسماعيل كريدي
تنتشر على صفحات الفيسبوك (وكذلك على غوغل) رسالة منسوبة إلى النبي محمد(ص) وموجهة منه إلى رهبان دير سانت كاترينا بسيناء. والصورة المتداولة هي عن وثيقة عهد اعتمدتها الكنيسة القبطية وزعم الناقلون، والموزعون لها أن السلطان سليم أخذها من دير سانت كاترينا في سيناء عند احتلاله مصر عام 1517 ثم أعاد لهم نسخة منها مترجمة للتركية. والنسخة المنسوبة للسلطان سليم موجودة فعلاً في أسطنبول. وقد زعم البعض أن الرسول زار الدير في عام 624 وأعطى الرهبان هذا العهد المكتوب بخط علي بن ابي طالب.
وهذا غير صحيح لأنه لو صح لذكرته كتب السيرة والتواريخ. كما أن النص فيه عيوب كثيرة أهمها أنه مؤرخ هكذا (السنة الثانية للهجرة) والمعروف أن التأريخ بعام الهجرة لم يبدأ إلا بعد عشر سنوات من الهجرة. كما أن أسماء الشهود الواردة فيها تتضمن أسماء أشخاص لم يكونوا قد أسلموا بعد. والرسالة بالتأكيد لا تعود لزمن النبي(ص) لأنها مكتوبةٌ على ورَق يعود للقرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. كما أن النص العربي للرسالة ركيك من الناحية اللغوية (ليس فقط الترجمة، بل النص الموجود في أسطنبول). إنما لا يعني هذا أنها لا يمكن أن تكون منسوخةً عن أصلٍ قديم، أو مكتوبةً لتُشبه نصاً قديماً. لكنها لا يمكن أن تكونَ رسالةً أو عهداً من النبي لرهبان الدير. وبحسب المؤرخين العرب (نقلاً عن الدكتور رضوان السيد في رسالة خاصة قديمة منه حين سألته عن الموضوع) فإن النبي لم يفتح مصر ليعتبر الرهبان من رعيته وبحمايته. وعندما مات كانت مصر ما تزال خاضعةً للبيزنطيين. والمعروف تاريخياً أن النبي(ص) وجَّه رسالةً واحدةً فقط لمصر في حياته وكانت إلى "المقوقس" (والي البيزنطيين على مصر)، وقد دعاه فيها للإسلام. وهي تشبه في مضمونها الذي نعرفه رسائل أُخرى إلى قيصر الروم وإلى ملك غسّان وإلى حاكم البحرين.
وقد كان لرهبان دير سانت كاترينا علاقات عريقة بالمسلمين منذ فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد عمر بن الخطاب. وهم يحتفظون بعهود وضمانات مكتوبة من سائر الدول، من أيام الأُمويين وإلى أيام العثمانيين. وقدا ختلفت آراء المؤرخين في أسباب اختصاص دير سانت كاترينا بهذا الاهتمام. فقد كانت في مصر أديرة وكنائس أهمّ (مثل الكنائس السبع على طرف القاهرة اليوم، بجانب جامع عمرو بن العاص)، وما اختصّها أحدٌ بعهدٍ خاص. والذي رجّحه الدكتور رضوان السيد (في رسالته الخاصة لي) أنّ ذلك يعود إلى أنّ الدير هو لرهبانٍ من الروم الأرثوذكس وليس من الأقباط. فكل المنشآت الدينية القبطية ما احتاجت لعهدٍ خاصٍ لأنها داخلةٌ في عهد الذمة العام لأهل مصر، بينما صار رهبان دير سانت كاترينا يُعتبرون غرباء بزوال السيطرة البيزنطية؛ ولذلك احتاجوا إلى عهودٍ وعقودٍ خاصة أبقت الدير لهم، بدلاً من أن يخرب أو يستولي عليه القبط.
وهكذا فمن شبه المؤكَّد أن تكون الرسالةُ منحولة، وعائدة إلى القرن التاسع الميلادي، ومكتوبة من جانب بعض الرهبان تقليداً للرسائل والعهود المعروفة من زمن الفتح. فقد اجتمعت لدى رهبان الدير أعدادٌ من هذه العهود والرسائل، وأرادوا تتويجها بعهدٍ أو ضمانٍ من النبي نفسه ليكون أَوكد وأقوى. لكنها أيضاً تعكس على الأرجح مشكلاتٍ كان أهل دير سانت كاترينا وجواره يعانونها في الزمن الذي كُتبت فيه (أي القرن التاسع وما بعده).
والرسالة المعروفة عموماً لدينا هي عهد النبي إلى نصارى نجران، وقد نشرها العلامة المرحوم محمد حميد الله (1908م- 2002م). ومحمد حميد الله هو أحد أعلام الثقافة العربية الإسلامية الكبار في العصر الحديث، وأحد كبار العلماء والدعاة الذين أنجبتهم شبه القارة الهندية بصورة عامة. وقد نشر العهد في كتابه (مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة) وهو في الحقيقة رسالة قدّمها في«جامعة السوربون» للحصول على شهادة الدكتوراه. وقد جمع فيه الوثائق السياسية الخاصة بعهد الرسول وفي أيام الخلافة الراشدة. وعدد الوثائق التي جمعها الدكتور «حميد الله» 373 وثيقة منها العهد إلى نصارى نجران. وطُبع الكتاب باللغة الفرنسية سنة 1935 ثم نقله إلى العربية وطُبع في القاهرة سنة 1941. ثم أعيدت طباعته عدة مرات.
يقال عن دير سانت كاترينا أنه أقدم دير في العالم، وهو معتزل، يديره رئيس الدير وهو أسقف سيناء، الذي لا يخضع لسلطة أي بطريرك أو مجمع مقدس ولكن تربطه علاقات وطيدة مع بطريرك القدس لذلك فإن اسم بطريرك القدس يذكر في القداسات، على الرغم من أن الوصاية على الدير كانت لفترات طويلة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ورهبان وكهنة الدير من اليونانيين وليسوا عربًا أو مصريين، شأنهم شأن أساقفة كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس التي يسيطر عليها اليونانيون من عهود طويلة. وأسقف سيناء يدير إلى جانب الدير الكنائس والمزارات المقدسة الموجودة في جنوب سيناء في منطقة الطور وواحة فيران وطرفة.