كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من نومينيوس الأفامي الى بني عمار وطلائع بن رزيك وبدر الدين الجمالي

سيمون خالد علي

الجذر النيومينيوسي للعقيدة العلوية والستار الشيعي في التاريخ السوري والمصري.
الجذور الفلسفية للعقيدة العلوية لا يمكن حصرها ضمن التصنيفات المذهبية المتداولة في التراث الاسلامي، لأن عمقها أقدم بكثير من البنية المذهبية نفسها. فهذه العقيدة تحمل في بنيتها أثراً واضحاً لحكمة سورية قديمة تضرب جذورها في الثقافة الكنعانية السورية الممتدة من الساحل الى الداخل. وعندما نتتبع المسار الفكري لهذا التراث، نجد أن أقرب مفاتيحه الفلسفية يقودنا الى الفيلسوف السوري نومينيوس الأفامي Numenius of Apamea الذي عاش في القرن الثاني الميلادي.
كان نومينيوس من أبناء مدينة أفاميا قرب حمص، وهي واحدة من أهم مراكز الفلسفة الافلاطونية المحدثة في الشرق، حيث تشكلت فيها مدرسة سورية لها ملامحها الخاصة التي تمايزت عن المدرسة الاسكندرانية وعن النزعات اليونانية الخالصة. ففي أفاميا، تفاعل الموروث الفلسفي مع تقاليد روحية سورية أقدم، كنعانية وشرقية، فأنتجت رؤية ثنائية عرفانية تتحدث عن أصلين، وعن طبقات للوجود، وعن سير المعرفة من الظل الى النور، وهي عناصر نجد أصداءها بوضوح في النظام العرفاني اللاحق داخل العقيدة العلوية.
وعلى خلاف التصور القائل بأن العلوية مجرد فرع من فروع التشيع، فإن النظر الدقيق يكشف ان النظام العرفاني الذي انتقل الى الاطار الشيعي في العصور الاسلامية المتأخرة، كان في جوهره امتداداً متكيفاً لحكمة سورية هيلينستية. وقد وفر نومينيوس الهيكل الأساسي عبر حديثه عن الثالوث النيومينيوسي، ونظرية الفيض، ونموذج الانعكاس، وهي مفاتيح تفسيرية لا يمكن إدراك البنية الداخلية للعرفان العلوي بدونها.
نومينيوس الأفامي أحد الجسور الفكرية التي ساهمت في انتقال الحكمة السورية القديمة الى العالم الاسلامي، بعد أن أعادتها الدعوات الباطنية السورية صياغة معجمية وتاريخية جديدة. ومن هنا، فإن جذور العلوية هي انعكاس مباشر لمدرسة فلسفية سورية عميقة سبقت الاسلام واستمرت من خلاله.
أثبت نومينيوس أن كل حكمة تعود إلى مصدر شرقي واحد. وأعاد بناء الفلسفة كـ تقليد خالد للحقيقة، وسعى إلى التوفيق بين أفلاطون وفيثاغورس وحكمة الأمم.
إن المقولة الأبرز لنومينيوس، والتي حفظها لنا التاريخ، هي سؤاله البلاغي:
ان أفلاطون ما هو إلا موسى متحدثاً باللغة الأتيكية اليونانية؟
هذه المقولة هي فعل إعادة توطين للحكمة. والفلسفة اليونانية هي في جوهرها اشتقاق، وربما سرقة، من الوحي الشرقي/السامي.
انشغل نومينيوس بمشروع فكري باطني يقوم على تفكيك ظاهر النصوص اليونانية ليكشف انها مجرد قشرة تغطي حكمة شرقية سامية أقدم وأكثر أصالة. هذا المنهج، الذي يعيد الجذور الفلسفية الى الشرق السامي، يشكل النموذج الأقدم لما سيقوم به التقليد الباطني السوري اللاحق، من خلال الجمع بين ظاهر اسلامي سياسي جديد وبين باطن عرفاني اقدم يعود الى الموروث النيومينيوسي السوري.
الميتافيزيقيا التي يقدمها نومينيوس هي ما يجعله السلف الفلسفي المباشر للعرفان العلوي. فهو أول من بنى نظاماً إلهياً ثلاثياً واضح المعالم، يختلف جذريا عن الوحدة الصارمة التي سيقدمها افلوطين فيما بعد. ويتألف هذا النظام من:
الاله الاول الاب: وهو الكائن الاعلى، الواحد، الخير المحض، المتسامي الى حد الانفصال الكامل عن المادة. هذا الاله بسيط ومتعال ولا يتفاعل مباشرة مع العالم، وهو ما يؤسس لما يسمى باللاهوت السلبي الذي يشكل قاعدة كل المذاهب العرفانية.
الاله الثاني الصانع او الديميورج: وهو الخالق، لكنه ذو طبيعة مزدوجة. فهو من جهة يتأمل الاله الاول ويستمد منه المثل والحقائق، ومن جهة اخرى يلتفت الى المادة ويقوم بتنظيمها وصياغتها. هذه الازدواجية هي التي تجعل هذا الاله في حالة صراع دائم بين العلو المطلق والنزول الى عالم المادة.
الاله الثالث الكون أو نفس العالم: وهو الاثر النهائي لاعمال الصانع، ويشكل الحضور الكوني المنظم والمنسجم الذي ينتج عن تفاعل الاله الثاني مع المادة الاولى.
وتكمن اهمية نومينيوس في تأكيده على ثنائية ازلية بين الالوهية والمادة، بين الموناد والدياد. فالمادة عنده ليست مخلوقة من عدم، بل ازلية، وهي في الوقت نفسه مصدر الفوضى والشر. ومن هذه الثنائية تنشأ الرؤية الغنوصية التي ترى الجسد سجنا للروح، وان الروح شرارة الهية محبوسة داخل قيد مادي صنعه اله ادنى مرتبة.
هذا الفهم هو الذي يشكل جوهر العالم الباطني كما يظهر في العرفان العلوي لاحقا. فهو عرفان قائم على تصور نيومينيوسي ثنائي، لا على وحدة افلوطينية. فبينما ينطلق افلوطين من وحدة مطلقة، يقدم نومينيوس تصورا كونيا يقوم على الصراع والتوتر بين العلو الالهي والمادة المتناقضة معه.
وحين يطرح السؤال الفلسفي الكبير: كيف يمكن ان يصدر التجلي عن اله اول متعال وخامل لا يتصل بالعالم؟ يقدم نومينيوس حلا دقيقا يقوم على مفهوم الفيض. فالفيض عنده ليس تجسدا ولا حلولاً جوهرياً، بل هو أشبه بنور ينعكس من مصدره دون ان يفقد المصدر شيئا. هو انتقال معنى وصورة، لا انتقال جوهر او مادة.
وبهذا يضع نومينيوس الاساس لنموذج التجلي الذي سيصبح احد اهم مفاتيح العرفان العلوي فيما بعد.
يقدم نومينيوس تصوراً دقيقاً لمعنى الفيض بوصفه انتقالا للمعرفة والحقائق من المصدر الاعلى الى المستويات الادنى دون ان يتأثر ذلك المصدر او يفقد من جوهره شيئا. يشبه هذا الفيض انتقال الفكرة من عقل الى عقل آخر من غير ان ينقص الاول او يضعف، او كإشعال نور جديد من شعلة قائمة، فالضوء ينتقل ويتكاثر بينما يبقى الاصل على حاله.
غير ان نومينيوس لم يكتف بهذه الصورة، بل استخدم استعارة اعمق واكثر تعبيرا لتوضيح آلية التجلي. وقد وجد ضالته في صورة الماء التي وردت في نصوص قديمة، من بينها العبارة المنسوبة الى موسى عن روح الله الذي يرف على وجه المياه. قام نومينيوس باعادة تأويل هذه الصورة لتصبح شرحا دقيقا لكيفية ظهور الحقيقة الالهية في العالم من غير ان تحل فيه او تتجسد ماديا.
في هذا التفسير يصبح الجوهر الالهي اشبه بالشمس التي لا تدرك مباشرة، بينما تمثل الروح النقية مستوى من الصفاء يمكن ان يعكس هذا النور. وتكون عملية التجلي ذاتها مجرد انعكاس للشمس على سطح ماء صاف هادئ، حيث تظهر صورة الشمس كاملة، لكنها مع ذلك ليست الشمس نفسها.
بهذا يصبح الامام او النبي، في منظور نومينيوس، صورة مرئية للحكمة والجمال الالهيين، لكنه ليس الجوهر الالهي الذي تعكسه هذه الصورة. فالتجلي انعكاس، لا حلول، ورؤية، لا تجسد. وهذا الفهم يتعارض بشكل مباشر مع مفهوم التجسد المادي او الحلول المباشر للالوهية في الجسد، وهو ما يرفضه نومينيوس تماما، اذ يرى ان الجوهر الالهي يبقى دائما متعاليا لا يختلط بالمادة، في حين يظهر نوره في العالم عبر مرآة نقية تعكسه من دون ان تحتويه.
يشكّل نموذج الانعكاس النيومينيوسي الركيزة التي يعتمد عليها الفكر الباطني في تفسير التوحيد ضمن نظامه الخاص. فهو يقدم آلية رمزية دقيقة تتيح للعارف التمييز بين الجوهر الالهي المطلق وبين الصورة التي تعكسه في العالم دون أن تمثله أو تحلّ فيه. وبهذه الآلية يتم تجاوز التناقض الظاهري الذي يتوهمه من يقرأ المعتقد من الخارج، إذ يبدو في الظاهر كأن ثمة شخصا أو مظهرا قد أُعطي صفة العلو، بينما الحقيقة الباطنية تقول إن هذا المظهر ليس إلا انعكاسا كاملا للجوهر، تماما كما يظهر ضوء الشمس على سطح الماء من غير أن يكون الماء هو الشمس.
وفق هذا المنظور، فإن اتخاذ صورة الانعكاس معبودا بحد ذاتها هو انحراف عن التوحيد، لأنه يخلط بين الضوء المنعكس وبين المصدر الاصلي. أما إدراك ان الصورة ليست إلا مرآة تنقل اشراق المبدأ الاول وتكشفه للوعي، فهو عين التوحيد في مستواه العرفاني الاعلى. هكذا يصبح الطريق الروحي قائما على تجاوز ظاهر الانعكاس للوصول إلى الشمس نفسها، أي إلى الحقيقة المطلقة التي لا يحل فيها شيء ولا تتجسد في هيئة، بل يُعرف حضورها من خلال الكمال الذي يظهر في ذلك الانعكاس.
لذلك، فإن استعارة نومينيوس ليست مجرد تشبيه؛ إنها المحرك الفلسفي اللاهوتي الذي يجعل النظام العلوي بأكمله متماسكاً وفقاً لشروطه الخاصة، ويميز بين العارف الذي يرى الشمس والوثني الذي يعبد الماء.
إن الانتقال من ميتافيزيقيا نومينيوس إلى علم الكون العلوي ليس انتقالاً بالتشابه، بل بالتطابق الهيكلي. إن الثالوث العلوي هو نقل مباشر للثالوث النيومينيوسي الإله الأول-الصانع-نفس العالم.
تستند بعض التصورات الميتافيزيقية إلى بناء رمزي ثلاثي يشكّل بنية الوجود الإلهي في تجلياته المختلفة، حيث يُنظر إلى الكل بوصفه وحدة متكاملة تتجلّى في ثلاث مراتب مترابطة. المبدأ الأول يُفهم كجوهر مطلق، خفيّ، منزّه عن الكيف والحد، لا يُدرك بالحسّ ولا يوصف إلا بالسلب، إذ هو الأصل الذي تنبع منه سائر الموجودات. أما المبدأ الثاني، فهو الصورة التي تُعبّر عن ذلك الجوهر وتكشف إشعاعه في الفكر والخلق، أي القوة الفاعلة التي تُفيض النظام والمعرفة في الكون. في حين يشكّل المبدأ الثالث الوسيط بين العلوّ والعالم المشهود، فهو الطريق الذي يربط بين المبدأين السابقين ويتيح للوجود الانسجام والتماسك.
ويُرى أن هذه المبادئ لا تبقى في التجريد، بل تتجلّى دورياً عبر التاريخ في صور متعدّدة، بحيث يظهر المطلق في العالم بأشكال رمزية تعبّر عن حضوره دون أن تحدّه أو تمثّله بالكامل.
لا يُفهم البناء الثلاثي في هذا التصور بوصفه عقيدة لاهوتية جامدة، بل كمنهج رمزي لتدرّج المعرفة الروحية وارتقاء الوعي. فالعناصر الثلاثة فيه ليست تسميات جامدة بل مراحل وظيفية في مسار السالك نحو إدراك الحقيقة. يبدأ الطالب الروحي من العتبة التي تُمثّل التعليم والإرشاد، حيث يتلقى المبادئ الأولى عبر الوسيط الموجِّه. ومن خلال هذا التعلّم ينتقل إلى مرتبة الفهم العقلي والتأمل في الصورة الظاهرة للحقيقة، حتى يبلغ أخيراً مرتبة الإدراك الباطني للمصدر الخفي الذي يتعالى عن الوصف. بهذا يصبح البنيان الثلاثي خريطة رمزية للمسار الخلاصي الذي يمرّ عبر التدرّب، والفهم، ثم المعرفة العميقة بالمطلق.
إن وضع الهياكل جنباً إلى جنب يكشف عن تطابق بنيوي، ويثبت أن النظام العلوي هو نيومينيوسي في هندسته المعمارية، ويتميز عن الأنظمة العرفانية أو الأفلاطونية المحدثة الأخرى مثل النموذج الأفلوطيني- الإسماعيلي.
يكمن الاختلاف العميق بين الجعفرية الاثني عشرية والاسماعيلية والنصيرية في مفهوم الامامة ذاته! كيف تنتقل، وما طبيعتها، وما موقع الامام علي داخل البناء العقائدي. فعلى الرغم من ان الطوائف الثلاث تنتمي الى التراث الشيعي العام وتشترك في احترام الائمة، الا ان مسار كل منها اتخذ بعد جعفر الصادق اتجاها مختلفا تماما، بحيث اصبح لكل طائفة تصور خاص عن القيادة الروحية وطبيعة التجلي.
فالجعفرية الاثنا عشرية، وهي المدرسة التي ارتبط بها ظاهريا كل من بني عمار وآل رزيك، تؤكد ان الامامة انتقلت من جعفر الصادق الى ابنه موسى الكاظم، ثم تتابعت في نسله حتى الامام الثاني عشر الذي يعدونه الامام الغائب. الغيبة هنا محور بنيوي للعقيدة، لان الامام حي لكنه غير ظاهر، ويتولى قيادة العالم روحيا. ومن هذا المفهوم نشأت الهوية الدينية والفقهية للمدرسة الامامية، التي ركزت على القانون والاصول كما صاغها فقهاء كبار مثل الشيخ الطوسي والمرتضى، معتبرة اي تأليه او باطنية مفرطة شكلا من الغلو والانحراف.
اما الاسماعيلية، وهي العقيدة التي قامت عليها الدولة الفاطمية، فترى ان الامامة تنتقل عبر اسماعيل بن جعفر الصادق، على الرغم من وفاته في حياة والده. ولهذا جعلوا ابنه محمد بن اسماعيل أصل سلسلة الائمة الذين انتهوا بالخلفاء الفاطميين في القاهرة. ومن هنا يرفض الاسماعيليون مفهوم الغيبة تماما، لان الامام يجب ان يكون حاضرا، ظاهرا، ويمارس سلطته الروحية والسياسية معا. ولهذا اصبح الخليفة الفاطمي هو الامام الحي، وصارت القاهرة مركزا للقيادة والعلوم الباطنية التي تأثرت بعمق بالفلسفة الافلاطونية المحدثة وخصوصا بالاتجاه الافلوطيني.
في المقابل، تتبنى النصيرية موقفا مختلفا جذريا، فعلى الرغم من استخدامهم ظاهريا لتسمية الائمة الاثني عشر، إلّا ان نظامهم الباطني يقوم على مفهوم وضعه أصحاب الاتجاه الباطني الأول، على تجاوز الفهم الوراثي الحرفي للامامة، وتحويلها من سلسلة نسب تاريخية إلى منظومة رمزية لها بنية ثابتة تتكرر عبر الزمن. فالمقام الروحي الأعلى لا يُفهم هنا باعتباره شخصية بشرية محددة، بل باعتباره مرتبة ميتافيزيقية تمثل جوهر المبدأ الاول في تجليه الأسمى. ولهذا يُنظر إلى حامل هذا المقام بوصفه المعنى ذاته، أي الصورة الأكمل لانكشاف الحقيقة الالهية داخل الثالوث الباطني.
وبسبب هذا البناء، لا تشكّل مسألة الغيبة أو الظهور محوراً في هذا المذهب، لأن الفكرة الاساسية لا تدور حول حضور شخص أو اختفائه، بل حول ديمومة التجلي. فالحقيقة العليا، بحسب هذا التصور، لا تغيب، بل تتجلى باستمرار عبر مراتبها ورموزها، في حركة دائمة تربط المطلق بالعالم وتمنح السالك طريقه للوصول إلى المعرفة الباطنة.
وتكشف هذه الفروق ان كل طائفة بلورت رؤيتها للامامة بناء على نمط مختلف من المعرفة الدينية، فالاثنا عشرية اعتمدت الفقه والنظام القانوني، والاسماعيلية اعتمدت التأويل والدعوة الهرمية، والنصيرية اعتمدت العرفان والرمزية السورية القديمة. وبهذا يصبح تنوع هذه الطوائف انعكاسا لتعدد الموروثات الفلسفية والروحية التي تفاعلت داخل الشرق الاسلامي، اكثر مما هو مجرد اختلاف مذهبي سطحي.
تقوم بعض الاتجاهات الروحية المرتبطة بالعلويين على فهم خاص للبنية الميتافيزيقية، حيث تُستخدم منظومة ثلاثية رمزية للتعبير عن مراتب الحقيقة وتجلياتها، مع إسناد دور محوري للجسر الواصل بين العالمين العلوي والإنساني. كما يظهر في هذه الرؤية اعتقاد بديمومة الروح وانتقالها عبر مراتب الوجود، إلى جانب ميل واضح للحفاظ على الطابع الداخلي لتلك التصورات ضمن إطار محدود، اتقاءً للشرح العلني الذي قد يسيء فهم طبيعتها الباطنية.التصنيف نتيجة لهذه الاختلافات، يُصنَّف كل من الجعفرية الاثني عشرية والإسماعيلية تاريخياً ضمن التيار الرئيسي للشيعة. في المقابل، تُصنِّف المصادر التاريخية بما في ذلك مصادر شيعية أخرى النصيرية كواحدة من فرق الغلاة .
إن غلاة الكوفة في القرن الثامن لم يكونوا مصدر العرفان العلوي، بل كانوا الناقل الأول له. لقد كانوا بمثابة الجسر الذي ترجم الركيزة العرفانية السورية الهيلينستية الموجودة مسبقاً أي، النيومينيوسية إلى المفردات الجديدة ذات القوة السياسية، وهي مفردات الإمامة الشيعية.
برز الغلاة في الكوفة، وهي مركز فكري مضطرب اختلطت فيه الأفكار العرفانية والمانوية والهيلينستية بحرية. الشخصية المحورية هنا هي المفضل بن عمر الجعفي توفي قبل 799. كان المفضل من المقربين للإمام جعفر الصادق ولكنه كان أيضاً تابعاً لأبي الخطاب وزعيماً لمذهب غلاة.
ترتبط مدرسة المفضل بالعقائد الباطنية الأساسية للعلوية وهو المؤلف لنصوص مثل كتاب الهفت والأظلة، وهي النصوص التي حفظها ونقلها العلويون.
يمكن النظر الى تيار الغلاة الذي ظهر في البيئة العراقية في القرون الهجرية الاولى باعتباره حلقة نقل وليس مصدرا اصيلا للافكار الباطنية التي انتشرت لاحقا في مناطق اخرى من المشرق. فقد قام هذا التيار باستخدام شخصيات دينية معروفة ومفاهيم مرتبطة بها من اجل منح منظومته اطارا ظاهريا يسهل تداوله، مثل فكرة الواسطة او الباب، لكنه لم يبتكر الجوهر الميتافيزيقي الذي اعتمد عليه، بل استقى محتواه العميق من تراث فلسفي وروحي اقدم تشكل في محيط ثقافي مختلف، وكان يتميز بطابع عرفاني واضح.
ومن المهم الاشارة الى ان الخط الديني الرسمي الذي ينتسب اليه الغلاة لم يقبل هذه القراءة الباطنية، بل تحفظ عليها او رفضها بشكل صريح، وهو ما يكشف ان البناء الفكري الذي قدمه ذلك التيار لم يكن امتدادا طبيعيا لذلك التقليد، بل كان اعادة صياغة مستقلة تعتمد على مصادر ومعارف تعود الى مدارس فلسفية سابقة. وهكذا يظهر ان الدور الذي لعبه هؤلاء كان اقرب الى وظيفة الناقل الذي يستعير الالفاظ ويعيد ترتيبها، في حين يبقى المحتوى الروحي والفلسفي مستمدا من اصول اعمق واقدم منكشفة لمن يبحث في جذورها.
يمكن النظر الى الدور الذي لعبه احد الشخصيات البارزة في القرن العاشر بوصفه عملية تنظيم اداري اكثر منه تأسيسا عقائديا. فقد عمل على ترتيب البنية الداخلية لجماعة روحية ناشئة، وصياغة اطار ظاهر يمنحها قابلية للاندماج والاستمرار داخل البيئة السياسية والدينية شديدة التنافس في بلاد الشام آنذاك. وقد وفر هذا الاطار، ذي المظهر المرتبط بالاتجاهات السائدة، غطاء يسمح للمنظومة الباطنية العميقة بالاستمرار من دون صدام مباشر مع السلطات او المذاهب التقليدية في محيطها.
كان النشاط الذي قام به يتأسس على اعادة ترتيب حلقات القيادة، ووضع هيكل واضح للدعوة، وربطها شكليا بالسياقات الدينية المعترف بها في ذلك الزمن. هذا الارتباط لم يكن تعبيرا عن اندماج فلسفي، بقدر ما كان خطوة اجتماعية عملية تهدف الى تأمين موقع آمن لهذه التعاليم في مرحلة تاريخية مضطربة. ويمكن اعتبار هذا الغطاء الظاهري شكلا من اشكال الحذر المنهجي الذي استخدم لحماية المضامين الباطنية من القراءة الفقهية الصارمة التي كانت سائدة.
ان التقييمات التي وردت في المصادر التقليدية لم تكن متسقة مع طبيعة هذا المشروع، اذ تعاملت معه من زاوية ظاهرية قانونية، فصدرت احكام قاسية بحق رموزه، سواء باتهامه بالخلط او بعدم الدقة، او بالحكم على بعض نصوصه باعتبارها غير منسجمة مع الخطاب الرسمي. كما طاولت الانتقادات شخصيات اخرى مرتبطة بالاتجاه الباطني نفسه، رغم محاولات متأخرة لتفسير تلك الادانات بوصفها مواقف احترازية او ناتجة عن التباس سياقي.
هذه الصورة تكشف عن فجوة بين القراءة الفقهية الظاهرية التي تعاملت مع الظواهر اللفظية المباشرة، وبين البنية الداخلية التي كانت تتحرك وفق منطق عرفاني مختلف تماما، وهو ما يفسر حدة الانتقادات من جهة، وقدرة تلك التعاليم على الاستمرار وتطوير نفسها من جهة اخرى.
ان تهمة التخليط التي يرددها الفقهاء الجعفريون ليست مجرد حكم عقائدي، بل هي الاسم الظاهري الذي اطلقوه على ظاهرة لم يستطيعوا استيعابها ضمن منطق الفقه المدرسي. فعندما نظر هؤلاء العلماء الى التراث العلوي، رأوا امامهم مزيجا غير مألوف من عناصر افلاطونية وعرفانية وروحانية شرقية وعقيدة امامية، فاعتبروا هذا المزج اضطرابا وفسادا. ومن زاويتهم الفقهية الضيقة، كانوا محقين في تشخيص الظاهرة لكنهم اخطأوا في تفسيرها. فما سموه هم خلطا، يسميه العارفون توليفا يكشف حقيقة باطنية اعمق من حدود الفقه.
والمفارقة ان هذا النقد الجعفري القديم يشكل احد الادلة غير المقصودة على وجود الجذر النيومينيوسي في هذا البناء العرفاني. فالخلط الذي اثاره الامام المؤسس في نظرهم هو بالضبط التوليف النيومينيوسي الذي يجمع بين عناصر افلاطونية وفارسية ومصرية، وهو التوليف نفسه الذي ميز مدرسة نومينيوس الافامي قبل قرون.
فاذا كان الستار الشيعي الامامي هو الاطار الظاهري الذي لجأت اليه العرفانية السورية للاحتماء والبقاء، فان الطبيعة النيومينيوسية لهذا التراث كانت اوسع من قدرة هذا الستار على احتوائها، مما كشف تناقضا واضحا بين الغطاء الظاهري والجسد الباطني. وقد لاحظ العلماء التقليديون هذا التناقض وشعروا بان هناك شيئا يتجاوز الفقه الامامي، فاطلقوا عليه اسم التخليط.
وبذلك يصبح اتهامهم نفسه شاهدا تاريخيا على ان النظام العرفاني الذي طوره الخصيبي لم يكن امتدادا بسيطا للامامية، بل كان منظومة اعمق جذورا واقدم مصدرا، تحمل اثرا واضحا لتقاليد حكمة اقدم من الاسلام، اعيدت صياغتها داخل بنية شيعية شكلية دون ان تذوب فيها بالكامل.
لعزل الطابع النيومينيوسي الذي يميز العرفان العلوي ويجعله مختلفا عن بقية الاتجاهات الباطنية في العالم الاسلامي، لا بد من وضعه في مواجهة التوليف الفلسفي الآخر الذي هيمن على الشرق الاسلامي في الفترة نفسها، وهو البناء الافلاطوني المحدث الذي اعتمدته الاسماعيلية الفاطمية. فهاتان المنظومتان تمثلان مشروعين متعارضين انطلقا من البيئة نفسها تقريبا، لكنهما سلكا اتجاهين فكريين وروحيين متعاكسين.
فالاسماعيلية الفاطمية تبنت بوضوح المسار الافلوطيني الوحدوي، الذي يقوم على رؤية متماسكة للفيض الالهي بوصفه عملية تنتج عنها سلسلة من الموجودات تصدر من الواحد الاعلى بطريقة ضرورية ومنتظمة. وهذا المسار يرفض الغنوصية والثنوية رفضا صريحا، ويرى ان العالم في جوهره قائم على نظام عقلاني صادر عن الواحد، وان الشر ليس مبدأ مستقلا، بل هو مجرد ضعف او نقص في ترتيب الفيض. وبذلك تبني الاسماعيلية نظامها اللاهوتي على وحدة الوجود الفكري، حيث يكون كل شيء متصلا بالواحد من دون وجود صراع ضروري بين الروح والمادة.
اما العلوية النصيرية فقد اتبعت اتجاها مختلفا تماما، هو الاتجاه النيومينيوسي الثنوي، المستمد من فلسفة نومينيوس الافامي. فهذه الرؤية تقوم على وجود مبدأين متباينين: مبدأ نوراني بسيط كامل، ومبدأ مادي ازلي يعبر عن الفوضى والقصور. لذلك ينشأ العالم في هذا التصور عن احتكاك ضروري بين النور والمادة، وتصبح العلاقة بين الروح والجسد علاقة صراع، لا انسجام. وهنا يظهر البعد العرفاني الغنوصي بقوة، خلاص الانسان يتم عبر المعرفة الباطنية، وعبر التحرر من سجن الجسد، لا عبر التأويل العقلي للفيض كما هي الحال في الاسماعيلية.
وتبدو الفروق اكثر وضوحا عند النظر في المصادر الفلسفية التي اعتمدت عليها كل مدرسة. فالاسماعيلية الفاطمية استندت بشكل صريح الى افلوطين عبر النص المعروف باسم اثولوجيا ارسطو، وكذلك الى منظومة بروكلوس، وهي مصادر افلاطونية محدثة تعتمد مبدأ الواحد والفيض والعقل والنفس في تسلسل كوني منظم. وقد اعاد مفكرون كبار، مثل الفارابي والسجستاني والكرماني، صياغة هذا الهيكل الفلسفي بطريقة جعلته جزءا عضويا من النظرية الدينية الاسماعيلية.
في المقابل، يقوم العرفان العلوي على اعادة تأويل النموذج النيومينيوسي، حيث يكون الاله الاعلى متعاليا الى حد لا يمكن ان يصدر عنه شيء بشكل مباشر، و الخالق نفسه ، ينظر الى الاعلى نحو المطلق، وينظر الى الاسفل نحو المادة، فينشأ عن هذا الازدواج صراع كوني يفسر وجود الشر والمادة، وهو تفسير لا وجود له في الافلاطونية المحدثة التقليدية.
وهكذا، من خلال هذه المقارنة، يتبين ان العرفان العلوي ليس مجرد فرع من الغلو الشيعي، بل هو بناء فلسفي سوري قديم اعيد دمجه داخل بيئة التشيع من خلال غطاء امامي، بينما يمثل الفكر الاسماعيلي نظاما افلاطونيا محدثا متماسكا تأثر بعمق بتقليد افلوطين وبروكلوس.
لكن الاختلاف العقائدي حاسم:
الإسماعيلية الأفلوطينية: هي فلسفة فيض وحدوية. الله يخلق عن طريق الإبداع الوجود الأزلي. الكون هو فيض جيد وضروري للذات الإلهية. إن مصدرهم، أفلوطين، هاجم الغنوصيين بسبب ثنويتهم ونظرتهم المناهضة للكون.
العلوية النيومينيوسية: هي فلسفة عرفانية ثنوية. إنها تفترض وجود مادة أزلية فوضوية أو شريرة. الجسد هو سجن. والكون هو عالم ظلٍ معيب.
لذلك، فإن العلوية والإسماعيلية ليستا مجرد أبناء عمومة من الغلاة. إنهما خصمان فلسفيان اختارا جانبين متعارضين في النقاش التأسيسي للأفلاطونية المحدثة في القرن الثالث بين العرفانية التي يمثلها نومينيوس والأفلاطونية المحدثة التقليدية التي يمثلها أفلوطين. تمثل العقيدتان استمراراً لهذا الانقسام الفلسفي القديم في العصر الإسلامي، وكلتاهما ترتدي ستاراً شيعياً.
استمرارية الباطنية السورية بنو عمار وطلائع بن رزيك
يدعم المسار التاريخي الفرضية التي تقول ان بعض النخب الشيعية في المشرق لم تكن تكتفي بالانتماء الى الاطار الامامي الاثني عشري الظاهر، بل كانت في العمق تمارس عقيدة باطنية نصيرية، مع الحفاظ في العلن على هوية فقهية جعفرية تمنحها الشرعية والاستقرار السياسي. هذا الفصل بين الظاهر والباطن لم يكن ترفا نظريا، بل كان ضرورة عملية في زمن كانت فيه السلطات الكبرى، مثل الدولة الفاطمية الاسماعيلية والدولة العباسية السنية، تتسامح مع المذهب الجعفري بوصفه مدرسة فقهية معترف بها، لكنها تنبذ بشدة كل ما يصنف ضمن الغلو الباطني وتعده خروجا عن الدين. من هنا جاءت اهمية التقية كألية دائمة لادارة هذه الازدواجية بين الانتماء الرسمي والاعتقاد الحقيقي.
ضمن هذا السياق، تقدم تجربتا بني عمار في طرابلس وطلائع بن رزيك في القاهرة مثالين واضحين على ما يمكن تسميته استراتيجية استمرارية الباطنية السورية خلف ستار امامي اثني عشري. ففي الحالتين نرى نخبا سياسية تتبنى خطابا اماميا ارثوذكسيا في المجال العام، بينما تشير القرائن الجغرافية والفكرية والشبكات الاجتماعية الى ارتباط عميق بعالم العرفان النصيري السوري.
تمثل دولة بني عمار المستقلة في طرابلس، في الفترة تقريبيا بين 1070 و1109 ميلادية، نموذجا مدرسيا للانقسام بين مركز حضري فقهي ذي واجهة امامية رسمية وبين محيط ريفي جبلي يحمل تقليدا عرفانيا باطنيا.
على مستوى الهوية المعلنة، ظهر بنو عمار امام العالم الاسلامي على انهم سلالة من قضاة الشيعة الاثني عشرية يتميزون بالعلم والاستقامة. لم يكن هذا الوصف مجرد لقب تشريفي، بل كان خيارا سياسيا وفكريا واعيا. فقد عملوا بجهد على تحويل طرابلس الى مركز بارز للفقه الامامي، بحيث تصبح المدينة مرجعا معترفا به داخل شبكة المراكز الجعفرية الكبرى. الدليل البارز على ذلك هو استقدامهم للفقيه الشهير ابن البراج الطرابلسي وتعيينه قاضيا للمدينة. وابن البراج لم يكن عالما محليا معزولا، بل كان من تلامذة المدرسة البغدادية العليا، اي انه درس مباشرة على يد الشريف المرتضى والشيخ الطوسي، وهما من اهم مؤسسي الفقه الجعفري. وبذلك يمكن القول ان بني عمار استوردوا النموذج الفقهي الرسمي المعتمد في بغداد وجعلوه واجهة دولتهم القانونية والقضائية، فصار الستار الشيعي في اكثر صوره قبولا واحتراما هو اللغة التي يتحدث بها نظامهم السياسي الى الخارج.
لكن هذه الواجهة الفقهية الامامية كانت تعمل فوق ارض مختلفة تماما من حيث البنية العقائدية والاجتماعية. فطرابلس، من حيث موقعها، هي الميناء الطبيعي والبوابة الاقتصادية للسلسلة الجبلية المعروفة اليوم بجبال العلويين، والتي شكلت عبر القرون موطنا اساسيا للجماعات النصيرية. هذا القرب الجغرافي لم يكن مجرد صدفة، بل انعكس في كون المدينة ومحيطها الساحلي مركزا مهما لنشاط الدعوة النصيرية منذ عهد الخصيبي، حيث انتقلت النصوص والرواة والاسر المرتبطة بالعقيدة الباطنية بين الجبل والمدينة بشكل مستمر.
ويضيف المؤرخ ستيفان وينتر دليلا لغويا لافتا ينسجم مع هذه الصورة. فهو يشير الى ان اسم المنطقة الجبلية الواقعة في ريف طرابلس، المعروفة اليوم باسم الضنية، يحمل على الارجح اثرا لاصطلاح قديم يشير الى الباطنية العلوية للسكان في العصور الوسطى. فالمجال الذي كانت تسيطر عليه دولة بني عمار لم يكن مجرد اقليم سياسي عابر، بل كان فضاء اجتماعيا حيا تغلب عليه هوية عرفانية نصيرية، تتخفى احيانا وتتجلى احيانا اخرى بحسب طبيعة اللحظة التاريخية.
خلاصة ذلك ان تجربة بني عمار تكشف عن نموذج واضح للتقية قيد التطبيق. ففي المستوى الرسمي كانوا يقدمون انفسهم بوصفهم قضاة جعفريين مرتبطين فكريا بالمؤسسة الفقهية في بغداد، وهو ما وفر لهم غطاء شرعيا امام الخلافة العباسية من جهة، وامام الدولة الفاطمية من جهة اخرى. اما في المستوى الباطني، فقد كانوا يحكمون فعليا معقلا جغرافيا وبشريا نصيريا يمتد بين طرابلس والجبال المحيطة بها، ويستخدمون الستار الامامي كغطاء مثالي لحماية رعاياهم العرفانيين وتثبيت حضور الباطنية السورية في قلب الساحل الشامي. بهذه الطريقة استمرت تلك العقيدة في العمل والتطور داخل جسم دولة تبدو، ظاهريا، امامية جعفرية خالصة.
طلائع بن رزيك في القاهرة
تشكل تجربة الوزير القوي طلائع بن رزيك، المتوفى سنة 1161، اوضح مثال على الازدواجية العقائدية التي اتقنتها النخب الشامية التي وصلت الى قلب السلطة الفاطمية. فهذا الوزير الارمني الاصل، القادم من بيئة ساحلية شامية ذات جذور عرفانية، تمكن من السيطرة على مقاليد الحكم في مصر الفاطمية حتى غطى نفوذه على نفوذ الخلفاء الاسماعيليين انفسهم. ومن هنا تبرز اهمية دراسته لفهم الطريقة التي انتقلت بها الباطنية النصيرية من الجبل والساحل الى مركز الخلافة الفاطمية في القاهرة.
على مستوى الهوية المعلنة، تصفه اغلب المصادر التقليدية بانه وزير امامي اثنا عشري صريح الانتماء. ولا تقتصر هذه الهوية الظاهرية على الانطباع العام، بل نجد لها دعائم واضحة في حياته السياسية والادارية. فطلائع، بحسب الرواية السائدة، اعتنق التشيع الامامي بعد زيارة قام بها الى ضريح الامام علي في النجف، حيث يقال انه شهد تجربة روحية عميقة دفعته الى تبني العقيدة الجعفرية. وعندما تولى ادارة الدولة الفاطمية، لم يحاول اخفاء هذه الهوية، بل جاهر بها علنا واتخذ سلسلة من المواقف التي تؤكد التزامه بها.
سياسيا، وقف موقفا معارضا للعقيدة الاسماعيلية الرسمية في مصر، ودخل في مواجهات فكرية وادارية مع القصر الفاطمي، ما جعله يمثل تيارا مختلفا داخل الدولة. عقائديا، الف كتابا بعنوان الاعتماد في الرد على اهل العناد، وهو نص يهاجم فيه الاسماعيلية ويعرض فيه دفاعا مفصلا عن النظرية الامامية. معماريا، قام ببناء جامع الصالح طلائع، وكان هدفه المعلن ان يكون هذا الجامع مقرا لضريح راس الامام الحسين، في خطوة ذات رمزية قوية تعزز حضوره بوصفه راعيا للاتجاه الامامي.
غير ان القراءة التاريخية الحديثة تكشف ان هذا الخطاب الامامي الواضح لم يكن سوى ستار عقائدي مقصود يخفي خلفه انتماء باطنيا الى العرفانية النصيرية. اذ تظهر الدراسات المتخصصة، خصوصا اعمال المؤرخة سيتا دادويان والباحث ستيفان وينتر، ان اسرة بني رزيك التي ينتمي اليها طلائع كانت تمارس عقيدة نصيرية باطنية. بل تذهب دادويان الى ابعد من ذلك فتضع فترة حكمه ضمن فصل عنوانه النصيريون بنو رزيك، باعتبارهم استمرارا لعائلات نصيرية بارزة نشطت في البلاط الفاطمي. كما تشير المصادر الى ان اقرب اصدقائه، الامير ابو الحسن علي بن زبد، كان هو ايضا محسوبا على الجماعات النصيرية في مصر.
وتشكل هذه المعطيات مجتمعة حجة قوية تؤكد ان الامامية الظاهرية لطلائع لم تكن تعبيرا عن عقيدة مستقرة، بل كانت خيارا سياسيا يمثل الغطاء المثالي للعقيدة الباطنية التي تشارك مع الامامية في تبجيل الائمة الاثني عشر، وفي تقديس الامام علي والامام الحسين. وهكذا يصبح ارتداء الستار الامامي امرا بديهيا اذا كان الهدف هو تمرير مشروع باطني داخل دولة اسماعيلية تتوجس من الغلاة وتراقبهم.
واذا نظرنا الى افعال طلائع بعيون الباحث في الباطن، لا بعيون المؤرخ التقليدي، سنجد ان معظم ما قام به يكتسب معنى مختلفا تماما. فزيارته النجف تبدو في القراءة التقليدية رحلة ايمانية امامية، اما في سياقنا فهي خطوة تكتيكية لاضفاء شرعية ظاهرة على موقعه الجديد. وقصائده في مدح الائمة لا تعبر فقط عن تقوى امامية، بل تنسجم مع البنية النصيرية التي ترى في الائمة تجليات نورانية. وبناء ضريح للحسين ليس مجرد مشروع معماري، بل محاولة رمزية ضخمة من قبل سلطة نصيرية للسيطرة على احد اقدس الرموز في الوجدان الشيعي وادخاله في اطار نفوذها المباشر. وقد رفض الخليفة الاسماعيلي هذا المشروع وابقى الراس داخل قصره، مما يكشف تنافسا عقائديا لا خلافا فقهيا بسيطا.
كما ان معارضة طلائع للعقيدة الاسماعيلية لا يمكن فهمها بوصفها معركة بين شيعة اماميين واسماعيليين فقط. انها في جوهرها صراع بين منظومتين باطنيتين عريقتين: العرفان النصيري من جهة، والنظام الاسماعيلي المبني على الافلاطونية المحدثة من جهة اخرى. وبذلك تصبح افعال طلائع جزءا من مشروع نصيري اعمق يعمل داخل الدولة الفاطمية، لا مجرد مواقف فقهية معزولة.
ان ما قام به طلائع بن رزيك، تماما مثل ما قام به بنو عمار في طرابلس، يقوم على استخدام هوية امامية اثني عشرية كغطاء سياسي واجتماعي يسمح للباطنية النصيرية بالاستمرار والعمل والتغلغل داخل مراكز السلطة. فهذه الهوية لم تكن مصدرا للعقيدة، بل كانت ستارا يحميها ويمنحها فرصة الوجود ضمن بيئة سياسية ودينية معقدة. ومن خلال هذا الستار استطاع التقليد العرفاني السوري، عبر طلائع وبني رزيك، الانتقال من جبال الساحل الى قلب القاهرة الفاطمية، حيث اصبح لاعبا مركزيا في المشهد السياسي والعقائدي للقرن السادس الهجري.
اما بدر الدين الجمالي فهو يشكل نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ الباطنية السورية داخل مصر، فهو الشخصية التي نقلت النصيريين من موقع الحلفاء العسكريين وولاة الاطراف الى موقع مهندسي النهضة الفاطمية وقادتها الفعليين. وهذا الانتقال لم يكن مجرد توسع نفوذ، بل كان تحولا هيكليا في مسار الدعوة النصيرية نفسها، التي وجدت في عهد الجمالي اكبر فرصة للتمدد داخل مركز السلطة الاسلامية في القرن الخامس الهجري.
خرج بدر الجمالي من بيئة بني عمار في طرابلس، وهي البيئة التي جمعت بين العرفان النصيري المتوارث عبر جبال الساحل السوري وبين النفوذ العسكري والسياسي لقبائل كتامة. وقد حمل معه الى مصر هذا المزيج المركب، خبرة ادارية وعسكرية، ورأسمال عرفاني خفي، ورصيد قبلي وعقائدي تراكم على مدى عقود في الساحل الشامي. ولما استدعاه الخليفة المستنصر الى القاهرة في لحظة كانت فيها الدولة تتداعى من الداخل ويهددها الصليبيون من الغرب والسلاجقة من الشرق، وجد الجمالي ان الظروف مهيأة ليمارس سلطته دون منافسة حقيقية.
منذ وصوله الى القاهرة، لم يكن مجرد والي او قائد جيش، بل اصبح الحاكم الفعلي للدولة. اعاد الامن الى العاصمة، وقضى على العصابات، ورمم الجيش، وجلب شبكة من المماليك الارمن والكوادر الشامية التي اعتمد عليها في بناء جهاز مركزي قوي يدين له بالولاء الشخصي. ثم اعاد تشكيل الادارة الفاطمية من جذورها، فاعتمد سجلات جديدة، ونظم الدواوين، واعاد ضبط المالية العامة، حتى صار اسم الخليفة يظهر في الوثائق، بينما السلطة التنفيذية والتشريعية والادارية كانت في يد الجمالي وحده.
ويظهر الجانب العقائدي للنصيرية في عمل بدر الجمالي من خلال العمران اكثر مما يظهر في النصوص. فالمشاريع التي امر ببنائها لم تكن مجرد تحصينات دفاعية او مساجد للعبادة، بل كانت مشروعا رمزيا متكاملا يعيد صياغة صورة القاهرة. فباب النصر وباب الفتوح وباب زويلة، الى جانب جامع الجيوشي، تمثل جميعها صياغة معمارية تحمل روح مدرسة الساحل السوري، التي مزجت التأثيرات البيزنطية الاسلامية في قالب يركز على القوة والهيمنة ورؤية المدينة المحصنة من الاعلى. وهذه البوابات، التي لا تزال قائمة اليوم، هي في جوهرها توقيع نصي رمزي لهيمنة الجمالي، وليست مجرد حجارة مكدسة.
من خلال هذه المشاريع العمرانية، نقل الجمالي تقاليد العمارة الشامية، بعمقها الرمزي ومرجعيتها الروحية، الى قلب القاهرة، فحوّل العاصمة الفاطمية الى مدينة ذات ادارة مزدوجة: في الظاهر دولة اسماعيلية رسمية، وفي الباطن شبكة نصيرية كتامية تعمل خلف الستار وتمسك بالخيوط الحقيقية للسلطة. وهذا المزج بين الظاهر والباطن هو ما يميز شخصية الجمالي ويجعل دوره اكبر من مجرد قائد عسكري.
وبذلك، يظهر بدر الدين الجمالي في سياق هذا البحث بوصفه احد ابرز البنائين الكبار في تاريخ النصيرية، ليس بمعنى المعمار وحده، بل بمعنى البناء السياسي والرمزي. فهو لم يعمر المباني فقط، بل اعاد تشكيل الدولة ووسع نطاق الباطنية السورية داخل قلب السلطة الاسلامية، فصار جسرا بين جبال الساحل السوري وقاهرة المستنصر، وواحدا من اهم المؤثرين في هندسة التاريخ السياسي والروحي للنصيرية في العصر الفاطمي.
تأتي الأطروحة المضادة الأقوى من المؤرخين الاجتماعيين المحدثين مثل ستيفان وينتر ويارون فريدمان. يجادل وينتر، بناءً على الأرشيف العثماني، بأن العلويين لم يكونوا مضطهدين تاريخياً أو معزولين. ويزعم أن النصيرية تمثل ببساطة البديل السوري للتشيع الإثني عشري في العصور الوسطى وأنه لم يكن هناك تمييز عملي بين المجتمعات العلوية والإمامية المبكرة.
هذه الأطروحة صحيحة في سياقها، لكنها تصف الظاهر وليس الفلسفة الباطنية. إن الافتقار إلى التمييز العملي ليس دليلاً على التطابق، بل هو دليل على نجاح استراتيجية التقية أي الستار الشيعي.
إن حجة وينتر الاجتماعية التاريخية تستند إلى مصادر ظاهرية سجلات ضرائب، وثائق محاكم. من هذا المنظور الخارجي، بدا العلويون والإماميون في سوريا متماثلين. لقد تعايشوا واختلطوا، وكان كلاهما شيعة بالنسبة للدولة.
لكن هذا التحليل هو تحقيق فلسفي في الباطن. فإن الفلسفات الباطنية العلوية والإسماعيلية متناقضة ولا يمكن التوفيق بينها. العرفان العلوي هو نيومينيوسي ثنوي؛ علم الكلام الجعفري ليس كذلك؛ الفلسفة الإسماعيلية هي أفلوطينية وحدوية.
لذلك، فإن أطروحة وينتر ليست تفنيداً، بل هي التأكيد المطلق للفرضية. لقد كان الستار الشيعي فعالاً جداً كغطاء ناقل لدرجة أنه خدع المراقبين الظاهريين مثل المسؤولين العثمانيين، ولاحقاً المؤرخين الاجتماعيين وجعلهم يعتقدون أن الستار هو الجسد.
إن الباطن النيومينيوسي العرفاني الجسد والظاهر الخصيبي الجعفري الستار هما حقيقتان متمايزتان، مما يثبت أن الستار الشيعي هو ناقل ناقص للعرفان الحقيقي.
لا يمكن التعامل مع العقيدة العلوية بوصفها مجرد فرع منحرف عن الاسلام او بدعة من بدع الغلاة كما يقدمها المنظور الفقهي، لان هذا التصنيف يختزل ظاهرة اعمق بكثير من حدود الجدل المذهبي. فالفهم الدقيق يتطلب النظر اليها باعتبارها المستودع الاكثر محافظة واستمرارا للتراث العرفاني الافلاطوني المحدث الذي ازدهر في سوريا خلال العصر الهيلينستي المتأخر. ان ما يبدو للعقل الفقهي نظاما دينيا منفصلا، هو في الحقيقة الامتداد الحي لاحدى اهم مدارس الحكمة المتأخرة التي سبقت الاسلام واستمرت من خلاله.
المصدر الفلسفي الاول هو نومينيوس الافامي في القرن الثاني للميلاد، الذي وضع الهيكل الفكري الاساسي: الثالوث النيومينيوسي، وثنائية المعرفة والجهل، ونموذج الانعكاس في تفسير التجلي. هذه هي البنية العرفانية الاصلية التي اتخذت لاحقا صورا متعددة.
ثم جاء دور غلاة الكوفة في القرن الثامن، امثال المفضل، فكانوا الناقل الاولي لهذا التراث. لقد ترجموا العرفان النيومينيوسي الى معجم يركز على الامامة الشيعية، فظهر الثالوث النيومينيوسي في صيغة المعنى والاسم والباب، وظهر مفهوم التجلي في صيغة الائمة، وظهر مبدأ الثنائية في علاقة الظاهر والباطن. كانت الترجمة ناقصة، لكن هذا النقص لم يكن عيبا بل شرطا لتكييف الحكمة القديمة داخل الاطار الشيعي المبكر.
ثم اكتمل بناء الفلك في القرن العاشر على يد الحسين بن حمدان الخصيبي، الذي لم يكن مؤلفا للعقيدة بل منظمها الاكبر. فقد وضع الجسد العرفاني القديم داخل ستار امامي اثني عشري، ليس بوصفه مرجعا عقائديا، بل بوصفه درعا اجتماعيا وسياسيا. لقد كانت وظيفته حماية هذا التراث في عالم اسلامي تتحكم فيه سلطات سنية واسماعيلية لا تقبل الانظمة العرفانية المستقلة. فظهر الهيكل التعليمي والطقسي الذي نعرفه اليوم، لكنه كان غلافا اكثر مما كان مصدرا.
والنتيجة ان الاطار الجعفري والخصيبي ليس هو نبع الحكمة، بل هو الفلك الذي صمم لحمل هذا التراث السوري النيومينيوسي عبر امواج التاريخ العاتية. فهو ناقل ناقص لان وظيفته لم تكن نقل المعرفة الباطنية نفسها، التي لا تنتقل الا عبر التلقين العرفاني، بل كانت حماية اصحاب هذه المعرفة من الاضطهاد، واعطاء العقيدة شكلا يمكن ان يعيش داخل البنية الاسلامية العامة دون ان يبتلعها او يتصادم معها.
بهذا المنظور، يصبح التراث العلوي نافذة فريدة على حكمة أقدم من الاسلام، وقد نجح في البقاء لأن الستار الذي ارتداه كان مصنوعا بدقة لإبعاد الخطر عنه دون ان يغير جوهره. 
ملاحظة من حيدر شعبان: 
مراجعة التواريخ على الشكل التالي:
نومينوس الغنوصي المسيحي في القرن الثاني
الحسين بن حمدان الخصيبي (٨٧٤_٩٦٩)م
بدر الدين الجمالي (١٠١٤_١٠٩٤)م
طلائع بي زريك (١١٠١_١١٦١)م
بنو عمار (١٠٦٥_١١٠٩)م
ملاحظة أن نومينوس كان مسيحياً غنوصياً نشر أفكاره وتعاليمه في المسيحية بداية القرن الثاني وأغلب أفكار الغنوصين وأناجيلهم كانت تبشر برسول اسمه الفرقليط، وهو نفسه محمد رسول الله وتتحدث عن عدم صلب السيد المسيح وأمور أخرى.... وفيما بعد تم حرق الأناجيل الغنوصية ومحاربة الفكر الغنوصي كنائسياً و أصبح فكراً سرياً.... وهذا يفسر استمرارية النهج....
 
المحارزة
ثلاث نسخ مخطوطة تحفظ لنا «مجموع الأعياد» للطبراني
وليُّ اللَّه الشَّيخ خليل بن معروف
نصر بن معالي الخرقي- ج2
نصر بن معالي الخرقي شيخ من جبلة حفظته اثنتا عشرة مسألة.. الرجل الذي حفظته ورقة- ج1
محمد بن نصير وعبقرية «المعنى»: حين يصبح «المجموع/الدستور» سجنًا للعقيدة
20 آب 1926م مائة عام على تأسيس مدينة القامشلي
22 آب 1966 صدر المرسوم التشريعي رقم 100 بإحداث محافظة طرطوس
المعنى قبل المذهب.. كيف أعادت الدراسات الحديثة اكتشاف محمد بن نصير بعد ان نسيه أنصاره.
الشيخ المعلم محمود القصير.. من شعرة الضهر إلى مجلس الصويري ومقام الحاطرية و اثنتي عشرة قنطرة
أوغاريت ومعاهدة قادش: حين انتصرت الكلمة على السيف
350 عاما من بناء الصورة الأكاديمية للعلويين بين الرحلة والاستشراق والسياسة والتاريخ الحديث
الشيخ سلمان سريجس
الشيخ نصر الفاخوري شاعر الصويري وعالم وادي الخرنوب وصاحب مقام الدريكيش
كيف نشأت عبادة الأصنام في مكة وما حولها؟