نبذة عن الاعتراف بالمسيحية والمسيحيين رسمياً عام 311م
2025.11.29
الياس بولاد
"نبذة، عن الاعتراف بالمسيحية والمسيحيين رسمياً عام 311م. وانشاء مدينة القسطنطينية، واتخاذها عاصمة جديدة للامبرطورية الرومانية، بدلا من مدينة روما".
- ان سياسة الاضطهاد التي مارستها السلطات الرومانية بحق المسيحيين في العقد الأول من القرن الرابع، جعلت هؤلاء، يتمسكون بعقيدتهم أكثر واكثر.
ولمست السلطات الرومانية السلبية لهذه السياسة، فرأت العدول عنها أفضل من الاستمرار فيها، وهكذا في سنة ٣١١م أصدر الامبرطور غاليريوس (بالاتفاق مع القياصرة الثلاثة، قسطنطين، وليكينيوس، ومكسيمينوس) براءة من مدينة "سارديكة"، تنص على الاعتراف بوجود المسيحيين وعلى السماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، شرط أن لا يخلوا بالنظام، وأن يصلوا لإلههم، من أجل الامبرطور والدولة وأنفسهم.
بعد شهرين توفي الامبرطور غاليريوس. أوقف القيصران ليكينيوس وقسطنطين اضطهاد المسيحيين في ولاياتهما، بينما استمر القيصر مكسيمينوس، بالاضطهاد في ولايته "مصر وسوريا"، فأمر بقتل أسقف مدينة حمص "سلوانوس" والشماس لوقا، والطبيب يوليانوس (مار اليان الحمصي).
عام٣١٢م شن القيصر قسطنطين حربا ضد "سينسيكتيوس" ابن "مكسيميانوس" وانتصر عليه. بعد أن نظم قسطنطين أموره في روما انتقل الى مدينة "ميلانو" في مطلع سنة ٣١٣م ليجتمع بزميله "ليكينيوس" الذي قدم الى ميلانو ايضا كي يتزوج من "قسنطينة" اخت "قسطنطين". وخلال الاحتفال بالعرس، الذي دام شهرين كامليين، تشاور قسطنطين وليكينيوس في أمور الدولة وقررا اعلان حرية المعتقد في كل أنحاء الامبرطورية، تنفيذا لبراءة "سارديكة التي اصدرها غاليريوس قبيل وفاته عام ٣١١م. واتفقا اعلان "براءة ميلانو"، وتنفيذه في اعلان حرية المعتقد، وجاء في النص ما خلاصته:
"نحن قسطنطين اوغسطس وليكينيوس اوغسطس بعد تداول الرأي بميلانو تبين لنا ان مصلحة الدولة تقتضي تنظيم أمور التعبد ومنح المسيحيين وجميع الرومانيين حق اتباع الدين الذي يختارونه وذلك لرضى الاله أيا كان عنا وعن جميع الخاضعين لنا. وهكذا لا نمنع أي كان من الناس عن اتباع دين المسيحيين أو عن اتباع أي دين أخر يختاره هو لنفسه، أملين ان ننال بذلك رضى الله الاعلى وبركته".
وبعد صدور هذا المرسوم، أعيدت الكنائس والاملاك المصادرة الى اصحابها المسيحيين وبالتعويض من صندوق الدولةعن كل خسارةتلحق بفرد من الافراد من جراء ذلك وبهذا التشريع الجديد انتهى عصر الاضطهاد، واعترفت الدولة بشرعية وجود الديانة المسيحية كما اصبحت الكناىس تتمتع بحرية العبادة وحق التملك، وحصل رجالها على الامتيازات التي ينتفع بها الكهنة الوثنيون. لكن المسيحية لم تصبح في ذلك الحين ديانة رسمية للدولة الرومانية، بل صارت متساوية مع الأديان الوثنية الرومانية.
كان ليكينيوس امبرطور الشرق وأثينا، خشي ليكينيوس من زميله قسطنطين امبرطور الغرب من تعاونه مع المسيحيين، فأخذ يضايق المسيحيين ويبعدهم عن الوظائف الكبرى ثم تطورت هذه المضايقة الى اضطهاد سافر. قابل قسطنطين سياسة ليكينيوس بعدم الرضى، فشن حربا عليه واتخذت هذه الحرب طابعا دينيا بالصراع بين المسيحية والوثنية، وانتصر على خصمه ليكينيوس الذي قتل سنة ٣٢٤م واصبح قسطنطين الحاكم الوحيد في الامبرطورية الرومانية.
تحولت ميول قسطنطين نحو المسيحية أكثر من الوثنية، فوعد الاساقفة بتقديم الاموال والمواد اللازمة لبناء الكنائس المسيحية، فبنيت على نفقته الدولة كنائس القسطنطينية (ومنها آية صوفيا) وكذلك في نيكوميذيا وانطاكية والقدس وبيت لحم والخليل (وكذلك دير سيدة صيدنايا). ومنح قسطنطين الاساقفة سلطة قضائية، حيث اجاز للمدعي او المدعى عليه، ان ينقل قضيته من محكمة مدنية الى محكمة دينية...! كما ان الحكم الذي يصدره الأسقف مبرما غير قابل للاستئناف. وكان لعطف قسطنطين على الكنيسة وقع عظيم في جميع الأوساط المسيحية، فقد شكا رجال الدين امورهم ورجوا تدخله لحل خلافاتهم. فعندما أنكر الكاهن المصري "اريوس" الوهية المسيح وانقسم المسيحيون الى مؤيدين ومعارضين، تدخل شخصيا لحل الخلاف العقائدي فوجه الدعوة الى جميع اساقفة الامبرطورية للاجتماع في مدينة "نيقية" فلبى الدعوة ٣٠٠ اسقف معظمهم من المقاطعات الشرقية وعقد مجمع نيقية عام ٣٢٥م صدر عنه قرار يقضي حرمان اريوس وبطلان اراءه كما وضع أعضاء المجمع قانون الايمان للمسيحيين.
وهكذا سجل الامبراطور قسطنطين، بتدخله في شؤون الكنيسة والخلافات العقائدية، بادرة خطرة أدت فيما بعد الى نشوب مشاكل كثيرة بين الدولة والكنيسة بسبب ربط السياسة بالأمور الدينية.
-طرحت فكرة نقل العاصمة الرومانية من مدينة روما الى الشرق منذ زمن يوليوس قيصر، ورغب عدد من الاباطرة الرومان بتحقيق هذه الفكرة فلم يتم لهم ذلك. اما نقل العاصمة بشكل رسمي من الغرب الى الشرق فقد حققه الامبرطور قسطنطين الاول الكبير، الذي دشن العاصمة الجديدة في ١١ أيار سنة ٣٣٠ ميلادية. وكان لاختيار قسطنطين مدينة القسطنطينية عاصمة للامبرطورية الرومانية اسباب كثيرة، دينية وسياسية عسكرية، واقتصادية اجتماعية..
ولكن سوف أتوقف عن السبب الاستراتيجي، وهو برأي السبب الأهم.
* لم تكن روما القديمة تتمتع بموقع استراتيجي هام مثل الموقع الذي تمتعت به روما الجديدة (القسطنطينية).ان انشاء القسطنطينية على رأس بري داخل البحر
تحيط به المياه من ثلاثة جهات (خليج البوسفور من الشرق القرن الذهبي من الشمال وببحر مرمرة من الجنوب) بالإضافة الى احاطتها بسور منيع من جهة البر والماء، جعل من هذه المدينة قلعة حصينة يصعب أخذها بأسلحة ذلك العصر، اضافة الى ان موقع العاصمة الجديدة عند نقطة التقاء اسيا بأوروبا في مكان يتحكن بالممرات الماىية التي تربط البحرين الاسود بالمتوسط كفيل بأن يجعل من هذه المدينة أهم مركز للتجارة العالمية في العصور الوسطى.
"المادة من اعداد الياس بولاد، باحث بتاريخ دمشق، ومناسبته هي الذكرى الألف وسبعمائة سنة على عقد مجمع نيقية، وزيارة البابا لاون الى تركيا في ٢٨ تشرين الثاني عام ٢٠٢٥".