بتول ليست قصة هروب.. قراءة نفسية- عصبية وجنائية في نمط اختطاف النساء كأداة كسر جماعي
2026.05.12
أتمنى من الجميع القراءة والتفكير لأن بتول لن تكون الأخيرة قد نكون جميعا كنساء علويات الضحايا المقبلات!
ريتا خير بك
بتول ليست قصة هروب قراءة نفسية- عصبية وجنائية في نمط اختطاف النساء كأداة كسر جماعي
أكتب لأن بتول ليست أول حالة، ولن تكون الأخيرة إذا استمرّ التعامل مع هذه الوقائع كحكايات فردية، أو كـ“فضائح عائلية”، أو كمواد رخيصة يلوكها المؤثرون الذكوريون والطائفيون. أكتب لأن ما جرى قبلها مع ميرا، ومع نساء متزوجات لم يعدن، ومع مخطوفات عدن من إدلب حاملات آثار اغتصاب وخوف وذاكرة ممزقة، لا يسمح لنا بالترف الأخلاقي الساذج: “ربما ذهبت بمفردها”. هذا النمط، حين يتكرر على نساء من جماعة مهددة ومكشوفة، لا يعود حادثة اجتماعية؛ يصبح أداة سياسية ونفسية وجنائية لضرب الجماعة من جسد نسائها.
وأكتب أيضاً لأن هذا اختصاصي. نحن لا نتكلم هنا من موقع النميمة ولا الفزعة ولا الانفعال الفيسبوكي. نحن نتكلم من موقع تدريب نفسي وعصبي وسريري على التعامل مع الأطفال، والقاصرات، والمعنفات، والضحايا اللواتي يتعرضن للابتزاز الجنسي، والخطف، والتهديد، والتلاعب بالسرد والذاكرة. أنا أحمل ماسترين: واحد في علم الأعصاب، والثاني في الصحة النفسية/الإدراكية. لذلك، حين تظهر فتاة بعد اختفاء، بلباس أيديولوجي مفروض، وتقول بعبارة جاهزة إنها “هاجرت إلى الله”، وهي لا تزال غير متاحة لعائلتها ولا لفحص مستقل، فهذه ليست مادة للثرثرة. هذه حالة يجب أن تُقرأ كحالة خطر جنائي ونفسي عصبي إلى أن يثبت العكس.
أول نقطة يجب تثبيتها: نحن لا نتعامل مع أفراد عشوائيين. نحن نتعامل مع بيئة فيها شبكات اتجار بالبشر، وخبرة قديمة في خطف النساء، وبيع النساء، وتطويع النساء دينياً وجنسياً واجتماعياً. تجربة داعش التي (هي نفسها سلطة دمشق اليوم) مع الإيزيديات ليست استعارة ولا مبالغة؛ داعش ارتكب إبادة ضد الإيزيديين، وشملت الجرائم القتل، والاستعباد الجنسي، والتعذيب، والنقل القسري، ونقل الأطفال، ومحاولة تدمير الهوية الجماعية. كما وثّقت الأمم المتحدة أن نساء وفتيات إيزيديات نُقلن إلى سوريا وبِعن كـ“غنائم” واستُعبدن جنسياً مؤخرا يتم تحريرهن من ادلب! المعقل السابق الجولاني وأتباعه.
لذلك، حين نقول إن هناك نمطاً، لا نقصد أن نثبت كل تفصيل في حالة بتول قبل الفحص والتحقيق. نقصد أن نمط الجريمة موجود تاريخياً وبالحاضر وجنائياً: خطف، عزل، ترويع، إعادة تشكيل الهوية، استغلال جنسي محتمل، ثم إنتاج رواية ظاهرها الطواعية. في أدبيات الاتجار بالبشر، عدم تعريف الضحية لنفسها كضحية لا ينفي الاستغلال؛ OHCHR يذكر أن الضحايا قد يرفضون الإفصاح خوفاً من الانتقام أو بسبب الخوف من السلطات أو نقص المعلومات أو الخوف من العقاب.
في حالة بتول، العبارة “هاجرت إلى الله” ليست تعبيرا لغوياً بريئاً. هذه ليست لغة فتاة عادت من رحلة عادية. هذه لغة بيئة أيديولوجية تريد أن تعيد تسمية الخطف بوصفه “هجرة”، وتعيد تسمية السيطرة بوصفها “اختياراً”، وتعيد تسمية كسر الهوية بوصفه “هداية”. ظهورها بلباس أفغاني، وعدم عودتها إلى بيتها حتى الآن، وبقاؤها عند ما يسمى “الأخوات المهاجرات” في مركز ديني في اللاذقية، كل ذلك يجعل الحديث عن الطواعية حديثاً ساقطاً مهنياً قبل أن يكون ساقطاً أخلاقياً. لا يمكن تقييم حرية القرار وهي لا تزال داخل دائرة أيديولوجية مغلقة، ولا يمكن تقييم روايتها وهي لا تستطيع الكلام منفردة، ولا يمكن نفي التخدير أو التهديد أو الاعتداء وهي لم تخضع لفحص طبي شرعي مستقل.
العصابات المتخصصة لا تحتاج دائماً إلى العنف المباشر. أحياناً تعمل بتقنية أكثر برودة: grooming، أي بناء علاقة تدريجية مع الضحية، عزلها عاطفياً، إقناعها أن أهلها خطر عليها، خلق بديل عاطفي أو ديني أو حِمائي، ثم نقلها إلى مكان لا تستطيع فيه التراجع. وقد يكون من حولها نساء، لا رجال فقط. وجود “أخوات” حول الضحية لا ينفي الجريمة؛ في كثير من شبكات الاستغلال، تُستخدم نساء كواجهة تطمين، وكوسيط ثقة، وكأداة ضغط على الفتيات، خصوصاً القاصرات أو الفتيات المعزولات في السكن الجامعي.
هنا يجب سؤال سؤال جنائي مباشر: مع من كانت بتول تقيم في السكن الجامعي؟ من كانت صديقاتها الأقرب؟ من دخل غرفتها؟ من كان يتكلم معها قبل الاختفاء؟ هل كانت هناك امرأة أو مجموعة نساء يدفعنها تدريجياً نحو خطاب “الهجرة” و“الخلاص”؟ هل تم عزلها عن أهلها نفسياً قبل عزلها جسدياً؟ هل تم تهديدها بعائلتها؟ هل قيل لها إن عودتها ستجلب العار أو القتل أو الانتقام؟ هل كان هناك تواصل غير مباشر مع الشبكة قبل الاختفاء؟ هذه الأسئلة ليست فضولاً؛ هذه أسئلة تحقيق في grooming، وفي السيطرة القسرية، وفي احتمالية الاتجار أو الاستغلال.
الجانب العصبي-الدوائي مهم جداً، لكن يجب ضبطه علمياً. لا نستطيع أن نقول إن بتول أُعطيت مادة محددة قبل فحص السموم. لكن نستطيع أن نقول إن في الجرائم الميسّرة دوائياً تُستخدم مواد معروفة لإضعاف الوعي، الذاكرة، المقاومة، والقدرة على اتخاذ القرار. UNODC يعرّف الجرائم الميسرة بالمخدرات بأنها جرائم تُستخدم فيها مواد لإضعاف السلوك أو الإدراك أو القدرة على الحكم واتخاذ القرار.
الأدوية والمواد التي يجب فحصها في هكذا حالة تشمل: البنزوديازيبينات مثل Diazepam، Alprazolam، Lorazepam، Clonazepam، Flunitrazepam/Rohypnol؛ GHB/GBL؛ Ketamine؛ أدوية النوم مثل Zolpidem وZopiclone؛ مضادات الهيستامين المهدئة مثل Diphenhydramine وPromethazine؛ مضادات الكولين مثل Scopolamine؛ الأفيونات مثل Morphine وFentanyl؛ إضافة إلى الكحول أو مزج الكحول مع المهدئات. هذه المواد لا “تمسح الذاكرة” كما في الخيال الشعبي، لكنها قد تمنع الدماغ من تسجيل الحدث بشكل طبيعي، أو تجعل الذاكرة جزئية، متقطعة، بلا تسلسل زمني، أو تجعل الشخص في حالة انفصال عن الواقع.
البنزوديازيبينات مثلاً قد تسبب تهدئة، بطئاً، ضعف توازن، خفض قلق مصطنع، وفقدان ذاكرة تقدّمي؛ أي أن الشخص قد يكون مستيقظاً نسبياً ويتكلم ويتحرك، لكنه لا يسجل الأحداث في ذاكرة لاحقة متماسكة. GHB قد يعطي ارتخاءً ونعاساً وفقدان وعي قصيراً وفجوات ذاكرة، لكنه يختفي بسرعة من الجسم؛ الأدبيات تشير إلى أن نافذة كشفه قصيرة جداً، غالباً ساعات محدودة في الدم والبول. الكيتامين أكثر ارتباطاً بالانفصال عن الواقع: شعور بأن الجسد ليس جسدك، أو أن الحدث يحدث “من بعيد”، مع تشوه إدراك الزمن والمكان والذاكرة.
لهذا السبب يجب التشديد: عدم وجود فحص إيجابي لاحق لا ينفي التخدير. كثير من هذه المواد لها نافذة كشف قصيرة، والتحاليل الروتينية قد لا تكشف GHB أو ketamine أو بعض البنزوديازيبينات إذا لم تُطلب صراحة أو إذا أُخذت العينة متأخرة. بروتوكولات الفحص الشرعي في حالات الاشتباه بالتخدير تشدد على أخذ البول والدم بأسرع وقت، وحفظ العينات بسلسلة حيازة قانونية، وعدم الاكتفاء بفحص سموم عادي.
المطلوب طبياً في حالة مثل بتول ليس السؤال: “هل تعترفين أنك خُدّرتِ؟” الضحية قد لا تعرف. المطلوب هو فحص. يجب أخذ بول ودم، وفحص موسع يشمل benzodiazepines/metabolites، GHB/GBL، ketamine/norketamine، Z-drugs، opioids/fentanyl، antihistamines، anticholinergics، alcohol. وإذا تأخر الفحص، يجب التفكير بفحص الشعر لاحقاً. دون ذلك، نحن لا نحقق؛ نحن نترك الحقيقة تتحلل بيولوجياً في جسم الضحية.
أما نفسياً، فالرعب وحده قادر على إنتاج رواية تبدو “طوعية”. القاصر أو الفتاة الواقعة تحت تهديد مباشر قد تقول: “أنا ذهبت بإرادتي”، لأنها تعتقد أن أي كلمة أخرى ستؤدي إلى قتلها، أو قتل أهلها، أو فضحها، أو تسليمها من جديد.
هنا يدخل الواقع العلوي الحالي كعامل حاسم. بتول ليست فتاة تعيش في مجتمع مستقر، تحميه دولة وقانون وقضاء ومؤسسات. هي فتاة من جماعة تعرضت وما تزال تتعرض لمجازر وقتل وخطف وتهديد وانكشاف كامل. هذا يعني أن الخوف ليس مجرد خوف فردي، بل خوف أنثروبولوجي جماعي: خوف عائلة تعرف أنها وحدها، خوف أب يقف وحده تقريباً، خوف فتاة تعرف أن الطائفة كلها بلا حماية، وأن خاطفيها قد يكونون أقوى من أهلها، وأقوى من القانون، وأقوى من أي مؤسسة محلية.
حين تكون الجماعة بلا حماية، تصبح المرأة هدفاً مثالياً: ليست لأنها “أضعف” أخلاقياً، بل لأنها تحمل شرف الجماعة وذاكرتها واستمرارها البيولوجي والرمزي. استهداف النساء العلويات في هذا السياق ليس هامشاً من العنف؛ هو لبّ العنف الإبادي. الإبادة لا تعني القتل فقط. الإبادة قد تكون تفكيكاً للقرابة، تحويل الدين، خطف القاصرات، الاغتصاب، الحمل القسري، تحطيم العائلة، أو صناعة عار يمنع المجتمع من الكلام. القانون الدولي نفسه يعترف أن الإبادة قد تشمل إجراءات تمنع الولادات داخل الجماعة، أو نقل الأطفال، أو إحداث أذى جسدي ونفسي خطير لأعضاء الجماعة؛ وهذا ما ظهر بوضوح في توصيف جرائم داعش ضد الإيزيديين وهذا ما يحدث للعلويين اليوم!
وايضاً يجب علينا هنا فهم ان “أسلمة الطائفة” لا كدعوة دينية طبيعية، بل كفعل قسري ناعم/خشن في آن واحد. الفتاة لا تُقتل بالضرورة؛ تُعاد تسميتها. لا تُخفى إلى الأبد؛ تظهر بلباس آخر. لا تُسكت تماماً؛ تُعطى جملة جاهزة تقولها أمام الكاميرا. هكذا تُدار الجريمة الحديثة: لا يحتاج الخاطف أن يعلن أنه خطفها، يكفي أن يجعلها تقول بوجه شاحب: “أنا اخترت”. لا يحتاج أن يعلن أنه كسرها، يكفي أن يلبسها رمزاً جديداً ويضع حولها نساء يحمين الرواية.
وهذه هي قسوة “الأسلمة القسرية الناعمة”: أنها لا تأتي دائماً بالسيف فقط، بل تأتي عبر العزل، الترغيب، الخوف، الابتزاز، تكسير الروابط العائلية، وإعادة كتابة الذاكرة. إذا كانت بتول قاصراً أو في عمر هش، فإن الخطر يتضاعف؛ لأن الدماغ في هذه المرحلة أكثر حساسية للضغط الاجتماعي، وأكثر عرضة للتعلق بمن يقدم “حماية” بديلة، وأكثر قابلية للامتثال تحت الخوف، خصوصاً إذا ترافق الأمر مع تهديد العائلة أو وصمها.
لا نعرف ماذا حدث لبتول خلال ثمانية أيام. لا نعرف إن كانت تعرضت للضرب. لا نعرف إن كانت خُدّرت. لا نعرف إن تعرضت لاعتداء جنسي أو اغتصاب. ولا يجوز تحويل الاغتصاب إلى مادة تشهير بها أو بعائلتها. لكن يجب التشديد على أن احتمال الاعتداء الجنسي في حالات الخطف والعزل القسري يجب أن يُفحص، لا أن يُدفن. الاغتصاب هنا ليس “تفصيلاً جنسياً”، بل أداة سيطرة، إذلال، كسر هوية، وصناعة صمت. في حالات الاستعباد الجنسي التي وثقتها الأمم المتحدة ضد الإيزيديات، كان الاغتصاب جزءاً من بنية الإبادة لا أثراً جانبياً لها.
أهل بتول ضحايا أيضاً. والدها ليس متهماً لأنه لم يستطع استعادتها. السؤال الحقيقي: لماذا هو وحده؟ أين الناس؟ أين الحماية؟ أين المجتمع الذي يجب أن يقف معه لا أن يتركه يواجه سلطة الأمر الواقع، والشبكات الدينية، والمخبرين، والمؤثرين، والشماتة؟ حين يُترك الأب وحده، لا تُخطف البنت فقط؛ تُخطف العائلة من معناها الاجتماعي. يصبح الأب مشلولاً أمام قوة أكبر منه، وتصبح الأم و العائلة موضوع تشهير، وتصبح الضحية نفسها رهينة بين الخاطف والمجتمع الذي قد يجلدها إذا عادت.
أما المؤثرون العلويون الذين يحوّلون المسألة إلى “انتظروا التحقيق” بطريقة جبانة لا تحمي أحداً، فهم جزء من المشكلة. نعم، يجب انتظار الفحص قبل الجزم بالمادة أو تفاصيل الاعتداء. لكن لا يجوز انتظار الفحص كي نقول إن الحالة خطرة. لا يجوز انتظار اعتراف الضحية كي نتعامل معها كضحية محتملة. لا يجوز انتظار جثة كي نسمي الخطف خطفاً. الحياد هنا ليس حياداً؛ هو خدمة مجانية لمن يشتغل على الوقت، وعلى الخوف، وعلى تحلل الأدلة، وعلى تعب العائلة.
الخلاصة الباردة: بتول يجب أن تُقابل منفردة، بعيداً عن “الأخوات”، بعيداً عن المركز الديني، بعيداً عن أي وسيط، وبوجود مختصة نفسية/طبية مستقلة تفهم الصدمة، والقاصرات، والاتجار بالبشر، والسيطرة القسرية. يجب فحص السموم. يجب فحص آثار الاعتداء الجسدي والجنسي. يجب مراجعة هاتفها واتصالاتها ورسائلها وسكنها الجامعي وعلاقاتها في الفترة السابقة. يجب سؤال من كان حولها، ومن أدخل الخطاب الديني الجديد، ومن رتّب خروجها، ومن منع عودتها. وأي حديث قبل ذلك عن “اختيارها الحر” هو حديث غير مهني، وغير أخلاقي، وخطير.
هذا ليس دفاعاً عاطفياً عن بتول لأنها علوية فقط. هو دفاع عن الحقيقة لأن بتول علوية في لحظة تاريخية صار فيها جسد المرأة العلوية ساحة حرب. حين تُستهدف النساء في جماعة مكشوفة، فنحن لا نكون أمام جريمة ضد فرد فقط؛ نكون أمام تقنية إبادة بطيئة: خطف، ترويع، تشويه سردية، تحويل ديني، عار، صمت، ثم تكرار.
لذلك أكتب: كي لا يتحول اسم بتول إلى خبر وينتهي. كي يكون هذا النص مرجعاً عند الحالة القادمة، لأن الحكاية ستتكرر إذا بقي المجتمع يتعامل مع الخطف كفضيحة لا كجريمة منظمة. بتول ليست وحدها. أهلها ليسوا وحدهم. وكل من يحاول دفن السؤال الطبي والجنائي والنفسي تحت عبارة “هي ذهبت بإرادتها” يشارك، بوعي أو بجبن، في حماية بنية الجريمة.